تحميل موقع شغف

"تنويعات هندسية" للفنان والأديب جبران طرزي تجديد للهوية البصرية العربية

"تنويعات هندسية" للفنان والأديب جبران طرزي تجديد للهوية البصرية العربية

بقيت سيرة الفنان اللبناني الراحل "جبران طرزي" (1944-2010) محل اهتمام النقاد الفنيين العرب والغربيين وانجذب اليه محبو وباحثو الفن التجريدي حينما قدم لهم طرحا ثقافيا وفنيا وفلسفيا اطلعوا عليه في كتابه "تنويعات هندسية"  وهو كتاب فني وتنظيري صدر بلغتين فرنسي/عربي عن (دار الفنون الجميلة، لبنان، 2007) ضم في متنه بيانه الفلسفي "الحاجة الى الشرق" أو "رغبة الشرق". 

وانّشد النقاد لتجربته الفنية التجريدية كونها تحمل فرادة فن جمع ووفق بين التراث والمعاصرة مع تصورات تجديدية واعتقاد شخصي يدعو له الفنان "جبران طرزي"  (Gebran Tarazi) إلى التواصل مع تيارات الحداثة الغربية دون العمل على اقصاء عناصر ورموز تراثية مشرقية بقيت عالقة في الوجدان الجماعي الشرقي.

وإذا أردنا الإشارة الى مصادر النقد الفني الكثيرة فيتوجب علينا التذكير بكتابه الشيق "تنويعات هندسية" المرجعي والتي تحمل هذه المقالة عدة تصورات عن هذا المصدر الذي سيعيد الينا النظر في قراءة اسمه كفنان تجريدي هندسي ومنظر يمثل عمله ترابطا بين الحداثة العالمية والأصالة العربية ويجيء هذا الاهتمام من أبواب مختلفة أولهما أنه فنان منجذب لهويته العربية من منطق الانتماء وثانيهما أن فنه لم يأت من فراغ بل هناك تنظيرات فلسفيّة اشتغل عليها وأسس لها ضمن فلسفة خالصة تقوم على منطق المستويات الرياضية وفق أحكام مسبقة تنتمي لدراسة وتفكير وبحث متواصل. فما المميز في هذا الكتاب وما قدرة التعبير التي عمل عليها الفنان اللبناني جبران طرزي لتستوفي شروط وظيفة اعماله في التجريد الهندسي؟ 

لابد اولا من تذكير القارئ بأن كتاب "التنويعات الهندسية" قدم فيه الفنان اللبناني جبران طرزي تصوراته الفلسفية والجمالية حيال فكرة الفن التجريدي الهندسي موضحا ذلك من خلال بحث موضوعي وتحليلي يخص احتمالات تركيب مفهوم (القائم والنائم) وتميز الكتاب بتعدد أعمال الفنان وتنوعها والتي تناولها ضمن مفردات تشكيلية وتراثية وأيضا يطلع القارئ في متن الكتاب على بيانه المعرفي حول تأمل ماهية الفن وهويته ورفض الهيمنة الثقافية وتحديد الترابط بين الحداثة والتراث. 

يشرح المؤلف ما يطلق عليه (بالقائم /النائم) وهو تركيب تقليدي يشير فيه هنا الى أن القائم  (مستطيل /مستقيم)  سيأتي في العمل الفني بشكل عمودي أما النائم فهو مستطيل ممدد يبدو بشكل أفقي يترابط القائمان النائمان معا حول المربع المحوط لينتج عن ذلك الوحدة الأساسية للتركيب الهندسي والفنان سينقلنا في كتابه القيم لشرح تلك السلسلة.

فنتابع واحدة من دروسه في تلك السلسلة فنقرأ بأن تكوين الوحدات المربعة والمستطيلة ال185 في تركيب كبير حيث تحيطها أربعة مستطيلات بمربع محوط يكون في تركيب تقليدي ليتطلع القارئ والمشاهد لعمله على بنائية الشكل الفني بصياغة رياضية  ستكون مشيدة ومبنية على التوافق والانسجام.

نعم في هذا الكتاب يؤكد الفنان بأن تلك الأعمال التي ضمها نراها في إصداره هذا أوشكت ان تكون أكثر من 145 عملا فنيا وهي نتائج  فترة زمنية التفت فيها الفنان الى إنجاز البحث والعمل  وكان ذلك في بداية ثمانينيات القرن المنصرم حتى فترة تسعينيات القرن المنصرم.

وما يميز كتاب "تنويعات هندسية أنه نموذج ينهض على التنظيم البنائي لتأسيس لوحات تجريدية هندسية تقوم على تتبع التكرار في الأشكال المربعة والمستطيلة  تتحد وفق نسق بصري يعتمد النسب الرياضية والترتيب والتزامن يشرح الفنان في كتابه الفني والتنظيري في واحدة من تلك السلسلة حول المربعات فيؤكد للقارئ بأنها تشكلت شبكته انطلاقا من ( بلاطات ) مربعة مقسومة الى مستطيلين (ونورد في هذا المقال اعمالا من هذا الشرح سيجدها القارئ كمثال لتلك البنائية الفنية) ويبين الفنان بأن من كل نقطة التقاء وبين أربعة بلاطات موصوفة في (قائم /نائم) تظهر وكأنها أربع تركيبات تقليدية لإدخال المربع وانطلاقا من هذه الفكرة يتوجب علينا فهم التنظير داخل متن الكتاب فالمؤلف الفنان يبين ذلك عبر قوله (فن الرسم هو مغامرة الخطوط والالوان).

ويذكّرنا في مقولة (بول كلي): (عندما يفقد الفن قدرته على التعبير حينها يصبح زينة) ووفق هذا التصور نجد المبحث الفكري في كتاب "تنويعات هندسية" قد جاء مع نشر صور عشرات الأعمال ليكون توضيحا للقارئ وبيانا ملفتا نحو التنظير الفني فجبران طرزي يضعنا عند عتبات التنظير والتوجه من خلال ملاحظاته وأفكاره الفلسفية فيرى (بأن بحوث المنظور شكلت قواعد الفنون واحتكرت التمثيل الطبيعي لغة التصوير من عصر النهضة حتى الانطباعية). هذا الفهم يجعلنا نقف عند فنان ملم بأدق تفاصيل تاريخ الفنون ولكن الاشارة المهمة في هذا الكتاب الذي بين يدينا لا تكمن في شرح نظرياته الفنية وتطبيقاته الرياضية من خلال لوحات التجريد الهندسي إنما هناك ما هو أكثر تطلعا عبر اهتمامه بالموروث والهوية العربية الفنية اذ ينبهنا في بيانه التنظيري الى التذكير (بأن الفن التجريدي الغنائي أو الهندسي دخل عالم توزيعها على عشرات العناصر من الخشب المخصص للتجميع على الجدران والاسقف في ديوان دمشقي التصميم) هذه الاحالة التي يشير لها تأتي جراء اهتمام الفنان جبران طرزي بتاريخ الفن العربي ومقومات بنائه ومنهجه الجمالي من التركيز على بعدي خطاب الحداثة تنظيرا وتطبيقا وهو هنا كمن يوجد علاقة أواصر بين التراث والحداثة دون ان يتخلى عن حدود بلده.

فقد جاء في بيانه داخل كتاب "تنويعات هندسية" قوله (في الواقع إن كلمة بلدي غنية بالمعاني لست أول من يقول ذلك الرسام غوغان قالها من قبلي منذ زمن بعيد). 

نفهم من خلال رؤيته أنه مسكون بالشرق والتراث العربي وهذا ما حدا بكلمة الناشر لهذا الكتاب أن يقول بصراحة ووضوح (الكتاب وليد خبرات اكتسبها المؤلف خلال عشرات السنين في تصميم وإنتاج جميع عناصر الديوان الدمشقي من جدران وأسقف خشبية).

تأصيل هذه الروح وتأمل هوية الفن الشرقي والانتساب إليه جعل الفنان والمنظر جبران طرزي  يقدم كتابا تنظيرا وتطبيقيا تحتاجه مكتبات الفن المعاصر لتناوله المفردات التشكيلية في منهج حديث يقوم على إحياء التفكير بالتجريد ويعزز من الهوية والتراث العربي وخلق فضاء ثقافي يساهم في تثبيت ركائز الفن العربي دون قطيعة مع التراث او التخلي عن مقولات الحداثة الغربية.

وبناء على ما تضمنته أوراق وفصول هذا الكتاب فمن المؤكد سيعد كل من اطلع عليه بأنه مرجع أساسي لفهم أحد وأبرز الفنانين العرب واللبنانيين الذين أخذوا على عاتقهم طرح الكثير من المفاهيم التي تخص إشكالية الفن العربي المعاصر.

فكيف إذا كان هذا الكتاب الذي يتبنى هذه الطروحات والتي هي من تأليف فنان اجتهد في تحقيق هويته الأسلوبية والجمالية في الفن التجريدي الهندسي وانطلاقا من كل هذا أجد من الضروري أن تتبنى مراكز دراسات الفن العربي المعاصر في الوطن العربي وخارجه وأن تلتفت لهذا الكتاب الفني والتنظيري ليس لأنه مرجع أساسي بل كونه يناقش أهمية فنون الشرق ويواكب خطابات الحداثة.

ولعل من الجدير بالذكر أن الكتاب يقدم اثنتي عشرة سلسلة حول موضوع واحد وهو مفهوم (القائم والنائم) بواقع 175 صفحة من الحجم الكبير والملون ويقدم التنظير تحت عنوان (رغبة الشرق) والذي يشرح فيه كيفية التعامل مع تلك السلسلة من الرسومات.

تم تأليف الكتاب باللغتين الفرنسية والعربية مع شرح لصور ملونة وأذا كنا قد وجدنا أهمية هذا المصدر كمرجع  فني نريد التذكير به بعد كل هذه الفترة على صدوره منذ العام 2007 فمن المفيد أن ننبه القارئ العزيز إلى سيرة الفنان اللبناني جبران طرزي وأهم انجازاته العربية والعالمية.

سيرة جبران طرزي الفنية والأدبية: 

وُلِدَ الفنان اللبناني جبران طرزي سنة 1944 في دمشق، وهناك تربّى في بيتٍ تراثي لأسرة امتهنت ولأكثر من 160 سنة العمل في الحرف المشرقية كالأرابسك والرسوم النباتية النافرة وزخرفة القصور المشرقية الفاخرة قضى هذا المبدع فترة قصيرة من حياته في المملكة المغربية، في وهناك نهل من الفنون والتحف البصرية المغربية التي صقلت قدراته الفنية. كان فنانا منذ صباه شغوفًا بالقراءة والمطالعة وخاصة الأدب الفرنسي ، وبعد عودة عائلته إلى بيروت في العام 1959 كواكب النشاط الحرفي العربي الفني مع فرصة دعته لإكمال دراسته في الفلسفة ثم نال إجازة في الحقوق. من اهم الاصدارات التي نحب ان نذكر القارئ بها صدرت له واية "معصرة الزيتون" الصادرة في باريس سنة 1996.

 أما أعماله الفنية فقد دخلت المتاحف مثل "المتحف العربي للفن الحديث" في دولة قطر سنة 2015 بمجموعة متكاملة. وعُرضت لوحاته في باريس سنة 2016 إلى جانب الفنان العالمي "فزارلي" (Vasarely) تقديرًا لإسهامه في الفن العربي الحديث وأصالته اللبنانية. وقبل عامين وتحديدا في العام 2024، أُدخلت تجربة جبران طرزي في منهج الدراسات العليا في "الجامعة اللبنانية" تقديرًا لدوره الإبداعي والفني ووُثّقت تجربته الإبداعية بكتابين مصوّرين صادرين عن مسيرته الفنية أوّلهما كتاب "التنويعات الهندسية" والذي نحن بصدد قراءته في هذه الجريدة الغراء اذ بيّن فيه نظرته ورؤيته الفلسفية الفنية بعنوان "رغبة الشرق"  اما كتابه الثاني "المواسم الاثنا عشر" الصادر في فرنسا سنة 2017  فهو من إصدار دار النشر "زمان بوك". وبعد عطاء فني وادبي مرموق غيب الموت الفنان عام 2010 لكن بقيت لوحاته ورؤاه الفلسفية والجمالية اكثر حضورا في الذاكرة.

لقد برز إسمه في السنوات الأخيرة كنوع من الوفاء والتذكير به لأنه سعى ضمن حدود معرفية ان يبرهن لنا بأن الفن الشرقي لم يزل حيا وفاعلا مع كل ما يحدث من موجات التغريب في الفن أو الدعوة للمضي خلف تيارات تدعي تجديد خطاب العمل الفني بينما هي في الأساس تعمل على تشويه الذائقة.