تحميل موقع شغف

الفنان سعد يكن لـ" شغف ": حين أرسم أغرق تماماً في موسيقا لوحاتي وأصوات ألوانها وعبق روائحها

الفنان سعد يكن لـ" شغف ": حين أرسم أغرق تماماً في موسيقا   لوحاتي وأصوات ألوانها وعبق روائحها

 لوحاتُه تستفز المُشاهِد وتُشاكِسه. لا يمكن لمن يتأمل لوحات سعد يكن أن يبقى هادئاً، بالمعنيين الفكري والجسدي، كأنها ترفع الأدرينالين وتستنفر الحواس.

الخطوط غامقةٌ منحنية تشعر بحركيتها كما لو أنها تُمغنِطُ الناظرَ وتسحره. فهو  لا يرسم فقط؛ بل يعزف نوتات لوحاته، ويوزِّع نقراتِ إيقاعاتها، ويدوزن هارموني خطوطها اللحنية كأنه يسكب موسيقاه الداخلية فوق قماش اللوحة. 

 وفي مواجهة ألوان سعد يكن؛ نشعر أنه يقتحم اللونين الأحمر والأزرق كأنهما له وحده. الأحمر أمسكه سعد وطوّعَ وحشيته الدموية، أنسنه بالأزرق، ورقّقه لدرجة أننا لا ننفعل لرويته انفعالَ المتجهز للحرب، بل انفعالَ العاشق المنتظر.

كما إن تلك الكثافات اللونية والطبقات الانفعالية والعناصر شبه المتخفيّة في لوحاته تجعل أوتارَ الأسئلة مشدودة على قوس الاحتمالات، إذ لا يمكن بعد تأمل لوحاته أن تسأله سؤالاً بسيطاً وعابراً، إنما تنجدل رؤيتنا الشخصية وقراءتنا لأعماله مع تلك الرغبة بكشف خفاياه المعرفية وأسرار صنعته الجمالية. 

ورغم ما يمكن أن يشعر به الناظر من تهيّبِ الغوصِ في تفاصيل اللوحات، وتلك العناصر والكائنات السارحة في عوالمها، بل رغم الانطباع الذي قد تخلقه بأن وراء تلك اللوحات شخصيةُ رسامٍ "عنيف" ومتشائم؛ إلا أن محاورةً قصيرةً مع الفنان سعد يكن تتكشف عن إنسانٍ رقيقٍ مرحٍ، بنبرة صوتٍ ارستقراطية لبقة، وابتسامةٍ محببة وبعض كلمات من لهجة حلبية تُدخل السعادة إلى قلب محدثه.

الفنان سعد يكن (مواليد ١٩٥٠) ابن مدينة حلب، المفتون بقلعتها وموسيقاها وأناسها ومقاهيها ورساميها... والمبتعد عنها لا كالمفارق بلداً؛ بل كالمشتاق لوجه معشقوته حلماً أبدياً... يبوح لموقع "شغف" ببعض مكنوناته. 

*أجد في "مشروعك" المتواصل عن ألف ليلة وليلة (المعرض الأول والثاني والكتاب) كما لو أنك أنت حكّاءٌ يعيد صياغة حكاياتها باللون والضوء والموقف مما فيها؛ وتحديداً في انطباعاتك وأفكارك عن حكايتها المحورية "شهريار وشهرزاد"...  كيف وماذا بالضبط كان تأثيرها عليك شخصياً؟ 

** ألف ليلة وليلة هي من الأساطير والميثولوجيا القديمة التي دخلت على الثقافة من بابها العريض عبر حكايات تمثل الحركة الاجتماعية والإنسانية التي اعتُمدت في سياقها. والمركز المحوري فيها هي حكاية شهريار/الملك القاسي الذي يعدم نساءه، ويمثل التطلع الذكوري لموقفه من النساء تاريخياً قبل حضور شهرزاد. أما شهرزاد فهي الأنثى المتكاملة التي استطاعت قول رؤيتها ومقولتها الإنسانية من خلال الحركة الاجتماعية التي تمحورت حولهما في ذلك العصر. وما فعلته شهرزاد هو ما حمل الاستمرارية لطبيعة تلك العلاقة بغضّ النظر عن القيمة الفكرية التي أتت بعد ذلك من تحليل للحكايات... فلم يكن قصد شهرزاد أن تقدم  مُثلاً عليا؛ إنما أن تعطي مقولة لما هو واقعٌ وكائنٌ ضمن الحركة الإنسانية ككل... لذلك أجدُ أن تأثيرات ألف ليلة وليلة وحكايات شهرزاد فيها؛ تكمن في أنها حالات إنسانية متغيرة؛ يمكن أن نعيشها جميعاً قبل والآن وبعد. 

* يوجد ضمن كتابك "ألف ليلة وليلة/لوحات ونصوص"  نصٌّ مميزٌ تقول فيه: "إن شهرزاد تطلّعٌ نحو المجهول، سماواتٌ لا تُطال، هي مفقودةٌ بسرّيةٍ تدغدغُ القلوب..."، هل تمكّنتَ من الوصول إلى شهرزادك؟

** في حديثي عن شهرزاد اعطيتها بعداً  فلسفياً وجمالياً وروحياً، وأخرجتها من الشكل الواقعي لحركة المرأة في ذلك العصر، وقدمتها بشكل اسطوري فيه غيوم وضباب وسماء وشفافية. لذاك شهرزاد عندي ابتعدت عن دائرة التبشير المباشر، وأخذت صفة غير مادية، خرجت كأنها طائر في حلم أي رجل، بل في أي حلم مجرد يصبو نحو كمال المرأة. كانت شهرزاد هي الأنثى غير الواقعية لكن ضمن حضور ومناخ واقعيين، وهكذا تميزت عمن حولها، ودارت حولها أساطير لا يمكن الاستغناء عنها في ثقافة تلك المرحلة.

* وجوه معظم نساءِ لوحاتك لا تشبه المقاييس الذهبية المعروفة تاريخياً أو تلك المواصفات الجمالية المعممة بقوة الموضة وآليات تسويق الفن، بل تكاد في كثير من النسخ التي رسمتها تشبه وجوه الرجال/الذكور الذين يتشاركون معهن فضاء اللوحة... هل من سرٍّ سايكولوجي وراء ذلك قياساً على من يقولون إن الفنان يرسم وجهه باللاوعي.. أم ماذا؟!

**عملي منطلق من فكرة التحوير الذي يعطي عمقاً وبعداً إنسانياً ونفسياً أكثر. سواء كانت الشخصية رجل أو امرأة... وذلك لتكريس وتكديس الانفعالات من خلال الشكل خارج الانفعال اللحظي أو الآني للوجه. للأسف في العصر الحديث اصبح هذا التحوير منتشر لدرجة هائلة، بعضها منطقي وآخر يحدث بطريقة غير منطقية، بل اقترب إلى التشويه والذي هو موقف سلبي، في حين إن "التحوير" الذي أقوم به هو موقف إيجابي لإضافة معاني جديدة لانفعالات الإنسان من خلال رؤية الفنان... ولا يعود مهماً لي إن كان الوجه سعيداً أم حزيناً أم غاضباً... ذكراً أم أنثى، بل الأهم هو الانفعال العام الذي يمنحه الشكل للمُشاهِد والمتذوق لمعرضي، ويجعله يعيش ضمن جو منسجم من الشخصيات والوجوه، ويقدم مقولة مختلفة عما يعيشه، لكنها تلامس واقعه بشكل أو بآخر عبر شخصيات مثل الحمّال والسندباد وبقية قصص ألف ليلة وليلة. 

* بعد منتصف التسعينيات صار لمَعارضك عناوين مثل: طوفان ونساء، ملحمة جلجامش، تطلعات الثقافة والفنون لما بعد عام 200‪0   ثم معرض بعنوان التحرر/قضية العائلة الفلسطينية، وبعده يوميات سعد يكن عام 200‪5  ما الذي يحرّض ويشكِّل هواجسكَ؟ وما هو الرابط بين عوالم الأسطورة والميثولوجيا وموضوعات واقعية جداً كأنها نشرة أخبار سياسية؟! 

** نعم معك حق.. في الواقع ومنذ التسعينيات بدأت اتناول موضوعات محددة أدرسها وأشتغل عليها كما أريد وليس كما هو موجود، ومنها المعارض التي ذكرتها، ومعارض متنوعة بعناوين مثل: نحو أيقونة حلبية حديثة، الآخر، موسيقا، المقهى، الفراشة...إلخ وفي كل منها كنت أتناول العمق النفسي وليس المفهوم الشكلي التجاري الإعلامي للموضوع... أتناوله خارج دائرة المباشَرة المملة أو التسجيلية المقيتة. لذلك لا يمكن ربط معارضي من خلال المواضيع فقط، إنما من منظور الإنسان/الفنان الذي يقف خلفها وينظر للعالم من منظور درامي وفلسفي ونفسي لتغييره نحو الأفضل. خذ مثلاً معرضي الكامل عن الفراشات، حيث قاربتها ليس كما نشاهدها في الغابة بالشكل الجمالي التزييني إنما في معناها ومدلولاتها بعلاقتها مع الإنسان الذي تمنحه ثوان من التفاؤل والرهافة والعلاقة الروحانية معها. 

كذلك تناولت إشكالية "موت إنكيدو" في معرضي "جلجامش"... وهذا التفصيل بحد ذاته أخذ تقريباً ربع عدد اللوحات، عن تأثيرات موت الصديق انكيدو روحياً على جلجامش... من هذا المنطق هناك بعد ثالث في أعمالي، وليس فقط بُعديِّ الشكل والمضمون هذه الثنائية القديمة، إنما الغوص أعمق في كامل اللوحة النابعة من تجربة الفنان الغنية وغير مسبقة الصنع... لذلك هناك دائماَ كما قلت لك أسلوب وفكرة التحوير للدفع بالرائي والمتذوق نحو أفق إنساني أفضل، خاصة في القرن الواحد والعشرين المليء بالأزمات. 

* الأرجل العارية دائماً، سواء كانت شخوص اللوحات، ذكوراً وإناثاً، تجلس في مقهى أو داخل قصر أو على مقعد في حديقة... وعدا عن أنها تكاد تشبه نسختها الحيوانية (شبيهاتنا في الغريزة والمخالب)، توحي ربما بأنها رغبتك الأعمق في العودة إلى الطبيعة الأم والانعتاق من أي قيد حتى لو كان على شكل حذاء أنيق... في حين قال عنها الشاعر والفنان منذر مصري:  "ربما سعد يعتبر الأقدام كالأيدي مجرد وجوهٍ أخرى"... أيُّ التفاسير أقرب إلى رؤيتك؟ 

** منذ بداياتي من أكثر من خمسين عاماً، وبعيداً عن اسكيتشات الدراسة الأولى في الرسم الواقعي، لم أرسم أبداَ في أي لوحة من لوحاتي أشخاصاً يلبسون أحذية مهما تكن صفة تلك الشخوص أو جنسها أو عملها أو مكان تواجدها! والأرجل العارية، كما وصف صديقنا الشاعر منذر مصري، هي مِثلُ اليدين مِثلُ الوجه تدعم التعبير الانفعالي النفسي للإنسان الساكن في اللوحات، مهما كانت موضوعات اللوحة. إذاً ببساطة، إن هذا الحل التعبيري للأرجل العارية بكل حالاتها وحركاتها المائلة والمتطاولة والمتقاطعة، وسواء كانت ممتدة أو فوق بعضها أو مضمومة... كلها موجودة لتدعم الحس الانفعالي المنبثق من اللوحة.

* الغلالةُ البيضاء الشفافة أيضاً موجودة وحاضرة دائماً في أعمالك، مرة أراها ترمز إلى الكفن/الموت كحقيقة ثابتة سرمدية لا فكاك منها، ومرة أراها كآثار النعاس، كتهويمات الأخيلة، كرغبات مؤجلة مثل وشاحِ العروس... هل يمكن أيضاً أن نقول إنها روحُك الأثيرية تحوم فوق لوحاتك أم هي حيلة جمالية مقصودة بنباهة عالية؟ 

** الغلالة الشفافة هي عدة توجهات وليست رمزية واحدة، ففي لوحة "بيروت الولادة" مثلاً نشاهد صخرة الروشة ملفوفة بشفافية بيضاء كتعبير عن الولادة... بعد ان رسمت الشخوص فوقها أضفت تلك اللفائف البيضاء الشفافة... فنحن نعرف كيف يلفون المولود الجديد بقماش أبيض! وأحيانا هي نوع من أفكار الشاعر المحلقة في سماوات الشعر... إذاً هي هنا استعمال تعبيري وليست استعمالاً جمالياً فقط. مرة قد يكون لها بعد عاطفي أو روحي  أو رومانسي، تضيف تأثيراً على الناظر وتحرضه للتفكير في اللوحة أكثر، كل مرة بحسب مضمون اللوحة. 

 * كائنات المقهى... هكذا يحلو لي تسمية من ترسمهم جالسين في ضباب أحلامهم، وتهمويمات شرودهم، وأبخرة ذكرياتهم، وضجيج إحساسهم بالوحدة، والانتظار الدائم وسط الهمهمات والثرثرات والجدالات... لماذا المقهى ك "لوكيشن" (أستعير المصطلح من السينما) لتصوير أفكارك؟! هل بسبب علاقتك الشخصية مع المقهى كفضاء واسع وحرّ... أم هو غنى التوليفات التشكيلية الكامنة فيه؟

** علاقتي مع المقهى تاريخياً مهمة جداً، بسبب تطور معنى المقهى بحد ذاته، ونضوجي الشخصي لاحقاً.. ففي السبعينيات كنت ألتقي بالصديق الراحل الفنان لؤي كيالي. كان المقهى حينها يعد مركزاً ثقافياً إذ لم تكن هناك موبايلات ولا حداثة تقنية. كان أحدهم يكتب قصيدة؛ فيسارع نحو المقهى ليلقيها على الأصدقاء ليتبادلوا الآراء ويتعاتبون ويتحاورون في السياسة والفن والشعر.... إلا أن المقهى تحول من فضاء ثقافي إلى مكان ل "قضَيَان" الاحتياجات (يلفظها باللهجة الحلبية) أو متنفس للبعض ومجرد استراحة لشرب الشاي وتمضية الوقت. كنت دائماً أشاهد الناس جالسين على طاولة واحدة شبه متلاصقين، لكنهم منفصلين نفسياً -ولا زالوا- ويدهشني كيف أن البشر في المقهى حالياً مجتمعين مكانياً فقط إنما هم منفصلين ومتباعدين نفسياً وروحياً. كان المقهى نقطة محورية وجوهرية في حياة مدن الشرق الأوسط حيث ظهر من وسطه شعراء وأدباء ورسامون وسياسيون، لكن لم يعد للمقهى بريق تلك الأيام التي كان فيها فسحة لصناعة الثقافة ومكاناً للانتظار وتشوق لقاء الأصدقاء. وأقول باستمرار إنه مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الشخوص فإن البطل الملحمي الدائم والثابت في المقهى هو: الكرسي!

 * أحسبُ أن للموسيقا في خيالاتك حصة وجدانية أعمق وأكثر حميمية من مجرد تنويع فني ولوني على موضوعاتك... هل هذا من تأثيرات "حلب أُمّ الطرب" على روحك وطفولتك وذاكرتك؟!

** علاقتي بالموسيقا حاضرة منذ طفولتي حين كنت ألعب على البيانو عند جيراننا، لكن الرسم طغى على العزف وعلى كل شيء آخر. أعتقد أن لدي ذائقة سمعية مميزة. لست متطرفاً تجاه التراث الحلبي العظيم والمهم في نازيخ الموسيقا العربية أو الموسيقا الشرقية عموماً... ولست ممن يكتفون بنوع كلاسيكي فقط، بل أتذوق أنواعا كثيرة منها.

كنت أحضر سهرات صديقي الراحل صبري مدلل وفرقته، وأراقب بدقة أداءه المدهش، أدقق في أيدي العازفين وحركاتهم وسكناتهم وتعابير وجوههم وكل الطقس الغنائي. وحين أرسم أستمع إلى موسيقا كلاسيكية أيضاً... لكني اكتشفت بعد أكثر من أربعين سنة من الرسم ضمن أجواء الموسيقا أنني حقيقة لا أصغي إليها؛ إنما هي حولي مجرد ديكور شكلي سطحي، اكسسوار صوتي، استعراض طقسيّ مهما كان نوع ونمط الموسيقا... فيما أنا حقيقةً غارقٌ كلياً ومنغمس في موسيقا لوحتي وصوت الألوان ودرجاتها وروائحها ومناخاتها. 

* قال الشاعر محمود درويش يوماً عن إدوارد سعيد: "يختارُ بدلَتهُ بأناقةِ دِيكٍ...ويصرخُ بالفجر: هيّا، ولا تتلكَّأ".... كأني أراكَ تختارُ "غليونك" بذوق الأمير الرفيع رغم أنك تشبه "الشغّيلة الكادحين" وأنتَ تتصارع مع هواجسك فوق قماش اللوحة...  أين سعد يكن من هاتين الصورتين؟!

** (يبتسم ويتذكر بحنين) كانت تلك الحركات نوعاً من التصنع والتأثر ببعض الشخصيات الأدبية في بداية السبعينيات، كنت أقلد الأديب الراحل وليد إخلاصي في تدخين الغليون....واستمرت معي كعادة حتى اليوم.

دائماً كانت الأناقة بالنسبة لي هي ما يناسبني وما أحبه مهما كانت قيمته المادية. كانت ظروفي المادية سيئة في ذلك الزمن، أشتري ثيابي من سوق "البالة"، حتى صديقي لؤي كيالي اصطحبته معي إلى "البالة" واخترنا مجموعة ثياب بِ "أناقة" حسب ذوقنا وقدرتنا... غسلناها وكويناها وابتهجنا ب "أناقتها"! 

في الحقيقة فكرتي عن الأناقة تغيرت ولم تعد متعلقة بالمال أو بالثياب أو بالتصنع أو برؤية الآخرين لمظهري... تهمني أناقتي الروحية والنفسية والفكرية وانعكاس شخصيتي وسلوكي الإيجابي على الآخرين أكثر بكثير من أناقة اللباس مهما يكن ثمنه أو نوع الماركة... وأياً يكن شكل الجاكيت ونوع الغلوين الذي أدخنه.