تحميل موقع شغف

حبّ متأخّر جدًّا

حبّ متأخّر جدًّا

 

تأخّرْتَ..

يا فجرُ لم تأتِ إلا

وقد هدأَ النبضُ في الرئتينِ

ونامتْ خيولُ المدى

تأخّرْتَ..

حتى استعارَ الكلامُ ثيابَ السكوتِ

وصارَ الصدى..

أشدَّ وضوحاً من المبتدأ!

نُحبُّ؟

يُقالُ..

ولكنَّنا الآنَ نقرأُ في صَفحاتِ التجاعيدِ

سِفرَ الخلودْ

كأنَّ القلوبَ التي انكسرتْ ذاتَ يومٍ

تُرمّمُ جدرانها بالجمودْ

فلا رعدَ يكسرُ صمتَ البلابل

لا ريحَ تسرقُ عطرَ الورودْ

هو الحبُّ..

لكنّهُ في خريفِ المشاعرِ

صومٌ طويلٌ..

بغيرِ وعودْ!

تأمَّلْ..

بأنّي أحبُّكَ بالفقدِ

أكثرَ ممّا أحبُّكَ بالامتلاكْ

وبأنّي أرى في بياضِ شُعيراتيَ

الآنَ..

ضوءَ الملاكْ

لغةٌ..

تُسقطُ الراءَ من (حربنا)

كي نصيرَ (حبّاً)..

بلا أيِّ وجهٍ للاشتباكْ!

تأخّرْتَ..لكن

يا فجرُ شكراً

لأنّكَ جئتَ ونحنُ نودّعُ ألوانَنا

لنعرفَ..

أنَّ البصيرةَ أقوى

إذا انطفأتْ في العيونِ..

رؤى جَهْلِنا

وأنَّ العناقَ الذي لم يقعْ..

كانَ أصدقَ ميعادِنا

نحبُّ؟

نعم..

مثلما تحلمُ الأرضُ بالطلِّ..

بينَ يديْ مَوتِنا!

 

تأخّرْتَ..

يا فجرُ لم تأتِ إلا

وقد شاخَ فينا الرجاءُ

وضاعَ الصدى..

وعادَ الحنينُ يفتّشُ في الروحِ

عن ظلِّنا!

نحبُّ؟

كأنَّ المدى ضاقَ عنّا

فصرنا نخبّئُ أشواقَنا..

خلفَ صمتِ الحروفِ

وفي نُدبةٍ أزهرتْ.. فوقَ أوجاعِنا!

تأمَّلْ..

بأنَّ المسافةَ ليستْ طريقاً

ولكنَّها..

ما تبقّى من الذكرياتِ

إذا ما غفونا..

على جرحِنا!

 

هو الحبُّ..

يكبرُ حينَ يغيبُ اللقاءُ

ويصبحُ أقربَ..

مِمّا نرى!

 

تأخّرْتَ..

يا فجرُ عذراً

فقد صارَ هذا البياضُ..

هويّةَ أرواحِنا

وصارَ الغيابُ..

الذي ما برحنا نخافُ لقاهُ..

هو الآنَ..

أجملَ إيمانِنا!

 

تأخّرْتَ..

حتى استحالَ الحنينُ صلاةً

بغيرِ سجودْ

وصارتْ أمانينا..

خلفَ جدارِ الزمانِ

بقايا عهودْ!

مثلا..

أنا الآنَ..

أعبرُ نحو الضياءِ بروحٍ

تخفّتْ عن العابرينَ..

بثوبِ الجليدْ

 

نحبُّ؟

بلى..

غيرَ أنَّ المواعيدَ ضلّتْ

فلم يبقَ من لغةِ الوجدِ

إلا..

نشيدُ الفقيدْ!

تأمَّلْ..

بأنَّ الذي فاتَنا منا حياة

سَيُورقُ فينا..

بِعمرٍ جديدْ

وأنَّ الوداعَ الذي مرَّ مرّاً..

سيبقى بذكراكَ..

حلماً بِعيدٍ سعيد!

 

(2)

 

عَلَى مَهَلٍ..

نَعْبُرُ الآنَ هذي المَمَرّاتِ

نَحْمِلُ أوجاعَنا في جِيوبِ المَعاطِفِ،

لَسْنَا نُفتِّشُ عن لَهبٍ في الحَطَبْ

بَلْ نُفتِّشُ عَنْ "طُمأنينةِ" الضوءِ..

حينَ يُقَبِّلُ وَجْهَ التَّعَبْ.

هوَ الحُبُّ..

لَمْ يَعُدِ الآنَ رَكْضاً وراءَ السَّرابِ،

ولا صَرخةً في مَهَبِّ الشَّبابِ،

لكنه صار..

أنْ نَتَقاسَمَ خُبزَ التَّأَمُّلِ،

أنْ نَقرأَ الصَّمتَ في لُغةِ الأعينِ المُتْعَبَةْ.

كأنّا نُعِيدُ صِياغَةَ هذي الحَياةِ

على هَيْئَةِ "الأجْوِبَةْ".

تُحِبِّينَني الآنَ..؟

أكثرَ مِمّا فَعَلْتِ قُبَيْلَ الأرْبعينْ

لأنَّكِ أَدْرَكْتِ أنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الرَّحيلِ وبَيْنَ المَجيءِ

تُقاسُ بِدِفْءِ اليَدَيْنْ؟

وأنيَّ أحبُّك..

لا لِأَسُدَّ فَرَاغَ المَكانِ،

بَلْ لِأَمْنَحَ هذا الزَّمانِ.. مَعانِيهِ،

أنْ أَجْعَلَ الشَّيْبَ يُزْهِرُ كالقُطُنْ

وأنْ نَبْنِيَ "الآنَ" آخِرَ مَنْفَىً..

وآخِرَ هذي الحُدُودِ.. "وَطَنْ".

تَعالَيْ.. إذن!

تعالَ.. إذن!

نُرتِّبُ هذي الحِكايَةَ:

لَسْنا ضَحايا لِوَقْتٍ مَضَى،

نَحْنُ صُنَّاعُ لَحْظَتِنا القادِمَةْ.

فَحُبُّ الكِبارِ صَلاةٌ..

تُقامُ على هَامِشِ الخَاتِمَةْ.