تحميل موقع شغف

عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها

عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها

كنت أسمع اسمه يتردد كثيراً في مقهى الروضة، بين أوساط المثقفين، عزت القمحاوي. يومها لم أكن قد قرأت له حرفاً واحداً، فسارعت إلى المكتبة، واقتنيت بعض كتبه، وبدأت القراءة.

منذ ذلك الوقت، حفر اسم الروائي المصري مكانه في ذاكرتي، إلى أن التقيته لاحقاً في بيروت، حضور هادئ لا يمكن تجاهله، ورغبة حقيقية في الإصغاء إليك أكثر من الحديث عن نفسه، حدثني عن قرى اللاذقية التي زارها، وعن سورية التي يحبها، وعن مخاوف كثيرة تسكنه.

اتفقنا على لقاء آخر، فقررت أن أعود إلى كتبه من جديد، وهذه المرة بمتعة مختلفة، لأنني أدركت أنني أمام كاتب متواضع، يعرف قيمة الكلمة ويحترمها.

من  الصعب أن تقرأ عزّت القمحاوي من دون أن تشعر بأنك تدخل إلى عالم هادئ في ظاهره، لكنه مليء بالقلق والأسئلة، عالم لا يصنع أبطاله من أشخاص استثنائيين، بل من بشر عاديين يواجهون الخوف والوحدة والعمر والحب، ويحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكاناً أقل قسوة.

منذ بداياته، ظل القمحاوي قريباً من التفاصيل التي قد تبدو هامشية: بيت قديم، غرفة مغلقة، رائحة طعام، شجرة، جسد يتقدم في العمر، أو شخص يكتشف متأخراً أنه لم يعش كما أراد. لكنه من هذه التفاصيل الصغيرة يفتح أسئلة أكبر عن الحرية والسلطة والذاكرة والانتماء.

كتب الريف من داخله، من دون حنين ساذج، وكتب المدينة بوصفها مكاناً للوحدة بقدر ما هي مكان للحياة، وفي أعماله، لا تبدو السلطة دائماً سياسية ومباشرة، فقد تكون أسرة، أو خوفاً موروثاً، أو نظرة مجتمع، أو حتى صورة صنعها الإنسان لنفسه ولم يعد قادراً على الخروج منها

في هذا الحوار، نقترب من عزّت القمحاوي بعيداً عن السيرة التقليدية والجوائز وقوائم الأعمال ، وعن الكتابة التي لا يزال يصفها، بعد كل هذه السنوات، بأنها مجرد محاولة.

يعرفك القرّاء كاتباً هادئاً يكتب عن الخوف والحرية والحواس. إلى أي حد تحولت هذه الصورة إلى قناع؟

ـ إذا كانت صورة الكاتب لدى قرائه من كتبه وليس من خطاب الكاتب عن نفسه؛ فكيف ستتحول إلى قناع، خاصة إذا ظل الكاتب على قيد الكتابة، وتواصل اتساق مشروعه مع الصورة التي تكونت؟ 

بدأت من قرية لم تكن الكتب جزءاً واضحاً من عالمها. هل صنعك وجود ما قرأته، أم غياب ما لم تجده؟

ـ نعم، لم يكن في بيتنا كتاب وتدبرت الكتب أمرها ووصلت إليَّ عبر مسارات شاقة مجهدة، ولا أظن أن بدايتي فريدة. أغلبية الكتاب العرب من أبناء الريف وكانت لهم هذه البدايات، وسيظل اختيار أحدنا طريق الأدب لغزًا غامضًا، وما يصنع الكاتب هو شغفه وقراءاته المستمرة. أعتقد أن الواقع رخو وثرثار، خبرته مهمة، لكن خبرة القراءة أعظم.

إلى أي حد ما زال الطفل الذي خرج من "بلاد التراب والطين" يكتب كتبك حتى اليوم؟

ـ أظن ذلك الطفل لم يبرح مكانه من حيث الالتزام بقضايا من خرجت من بينهم. يرعبني قفز الكاتب من طبقته، لأنه بثقافته يكون أخطر الفاسدين، أما فنيَّا فذلك الطفل يعاني فرط حركة. أتنقل بين العوالم رواية بعد أخرى وموضوعًا بعد آخر، لا ثابت لديَّ سوى الانحياز للجميل.

هل تكتب لتفهم العالم، أم لتحتمل العيش فيه؟

ـ أظن أن كلا الأمرين صحيح، أكتب لأحتمل العالم، كما أحاول الفهم. وبشكل واضح، فكتبي الخارجة على النوع كُتبت كلها بنية هذا الفهم، الذي أحببت أن أُشرك فيه قرائي، سواء كانت تأملاتي حول السفر كما في «غرفة المسافرين» أو اختبار المهارة والولع في الطبخ والكتابة كما في كتاب «الطاهي يقتل الكاتب ينتحر» كلها ملاحظات تتكون مع الوقت، وأجلس لأتفحصها فتكون كتابًا.

قلت إن الكتابة ابنة الخوف. ما الخوف الذي ما زلت عاجزاً عن تحويله إلى أدب؟

ـ قصدت بمقولتي تلك الخوف من الكتابة ذاتها، فالكاتب الذي يفقد خوفه وحرصه ينتهي، أما الخوف الذي لم أتمكن من كتابته فهو خوف الكوابيس في مناماتي. نومي مليء بالقصص المخيفة، أتصور أنها مبنية جيدة، حتى إنني أراجعها فور استيقاظي، وبعد اكتمال صحوي أجد ما حسبته بناءً محكمًا بيت عنكبوت بلا أساس فني.

متى شعرت أن الصحفي في داخلك يفسد على الروائي دهشته؟

ـ بذلت جهدًا لأمنعه من ذلك؛ بل فرضت دهشتي على الصحافة، فابتكرت ملفات عن الطعام، العطر، السرير، وكانت هذه حيلتي لمنح الكلمة في الصحافة عمرًا أطول، وتوسيع مفهوم الثقافة.

وهل أنقذت الصحافة لغتك من الترهل، أم سرقت منها شيئاً لا يمكن استعادته؟

ـ الصحافة أعطت وأخذت، هي تمرين على السرعة والوضوح والخفة، لكنها تأخذ الكاتب من عزلته وتأخذ منه وقتًا كان بوسعه أن يخصصه للأدب، مررت بفترات انشغال بالصحافة، رغم حرصي.

تعود في أعمالك إلى البيت والغرفة والمنزل والستائر. لماذا تبدو الأماكن المغلقة أكثر حضوراً من الفضاءات المفتوحة في عالمك؟

ـ هذه ملاحظة دقيقة، ربما يعود ذلك إلى الخوف.

هل البيت عندك ملاذ، أم شكل مؤجل من أشكال السجن؟

ـ البيت كما نريد له أن يكون، حسب أحوالنا وأحوال الواقع من حولنا. كان ملاذًا في «بيت الديب» وصار سجنًا في «غربة المنازل» والإقامات المؤقتة لديّ لديها الازدواج نفسه، قد يكون الفندق مساحة حرية أو سجنًا قاسيًا لا تدينه منظمات حقوق الإنسان، كما بدا في «البحر خلف الستائر».

في "بيت الديب" كتبت تاريخ مصر من الهامش الريفي. هل كان ذلك إنصافاً للفلاحين، أم تصفية حساب مع التاريخ الرسمي؟

ـ لا هذا ولا ذاك، أردت أن أكتب القرية كما أعرفها، وكانت لديَّ ملاحظات على كتابة الريف لدى بعض الكتاب، أراها تقدم ريفًا سكونيًا بلا حراك، ومعزولًا ومتشابهًا على مر الزمن، بينما هو في الواقع سريع التحول، شديد الارتباط بالتاريخ. ولم أكن أعرف أين يجد الكتاب هذه القرى الخاملة مع أن معظم زعماء مصر من الريف.

هل تخشى أن يتحول الحنين إلى الريف في الأدب إلى كذبة جميلة؟

ـ الكذب ليس مشكلة في الفن، وكتابة الحنين تشير إلى زمن محدد، كتابة ذكريات، للكاتب أن يصف فيها ما يتذكره، حتى لو رأى بؤسه حلمًا مفقودًا، لكن حينما يشير الزمن الروائي إلى الحاضر فينبغي احترام التحولات وتقديم شهادة بشأنها.

في رواياتك لا تأتي السلطة دائماً بوجه سياسي مباشر، بل تظهر في الأسرة والحب والعمل والجسد. أي هذه السلطات أشد قسوة على الإنسان؟

ـ يقول الصينيون إن تنظيف السلم يكون من أعلى، ربما يصدق هذا في إجراء ثوري مباشر، أو عند وقوع البلاد في يد ديكتاتور عادل لن يلبث أن يخطئ أو يظلم، التنظيف الحقيقي للمجتمع في تفكيك شبكات الظلم الصغيرة التي ترفع الاستبداد النهائي. بنية الهرم تُفسِّر بناء السلطة، حجر القمة مجرد حجر محمول فوق الجميع، بلا عمل، بل مجرد إكمال للشكل، والفضل في حمل المنظومة للأحجار من الأرض إلى ما تحت القمة، لذلك فطبائع الاستبداد هو أهم كتاب عربي في الفكر السياسي لأنه تعرض لهذه البنية.

هل يستطيع الروائي العربي أن يكتب بحرية حقيقية، أم أنه يتعلم فقط كيف يموّه خوفه؟

ـ أزمة الحرية تؤذي الفكر بأكثر مما تؤذي الإبداع، لهذا فإنتاجنا الفكري هزيل، بينما المبدع محظوظ بأن طبيعة الإبداع ذاتها تستوجب التمويه وعدم المباشرة.

متى يصبح الخوف حكمة، ومتى يتحول إلى ذريعة للصمت؟

ـ لا أحد يختار الخوف، هو عدوان خارجي يفعل فعله بالنفس، ولا حكمة فيه، الحكمة في محاولة تفادي صناع الخوف، ليس بالصمت بل بقول الأشياء بطريقة تجعلها محتملة. 

شخصياتك الذكورية وحيدة ومترددة ومتأخرة في اكتشاف الحياة. لماذا لا تثق كثيراً بالشخصيات القوية؟

ـ أثق بقوة النساء.

هل ترى الهشاشة شكلاً من أشكال القوة، أم أننا نجمّل بها عجزنا؟

ـ حيثما توجد الهشاشة علينا أن نعترف بها، وأظن أننا خسرنا كثيرًا في مواجهتنا للمشروع الصهيوني، لأننا لم نعترف بهشاشتنا وأقمنا سرديتنا على القوة، بينما امتلك الصهاينة القوة والدعم وبنوا سردية قائمة على هشاشتهم.

في "يكفي أننا معاً" وضعت الحب في مواجهة العمر ونظرة المجتمع. هل الحب قادر فعلاً على هزيمة الزمن، أم أنه يؤجل اعترافنا بالهزيمة؟

ـ في كل رواية يمنح الكاتب شيئًا من روحه لشخصياته، وقد منحت المحامي جمال منصور في تلك الرواية خوفي من الشيخوخة والموت.

هل كتبت المرأة كما هي، أم كما يحتاج إليها الرجل الوحيد في رواياتك؟

ـ لا أعرف، ربما القارئ أقدر مني على رؤية الأمر.

إلى أي حد تستعير شخصياتك خوفك ورغباتك وندمك؟

ـ الكثير.

هل هناك شخصية كتبتها ثم شعرت أنها فضحتك أكثر مما ينبغي؟

ـ في كتاب «الطاهي يقتل الكاتب ينتحر» كتبت إننا نكتب أنفسنا وكل المهارة أن نخفي هذه الحقيقة. لا أحب أن تكون الرواية نشرة أخبار، لكنني أكتب عن مشاعري وملامح من سيرتي في الكتب العابرة للنوع. 

الحواس شديدة الحضور في كتبك: الرائحة والطعام واللمس والأرض. هل تثق بالجسد أكثر من الأفكار؟

ـ أثق بالحواس، فكل ما نعرفه بأجسادنا لا يمكن تزييفه، الأفكار تتعرض للتزييف.

قلت إن الطاهي يقتل بينما الكاتب ينتحر. أي كتاب أخذ منك الجزء الأكبر من حياتك؟

ـ نعم الطاهي يقتل أرواحًا ليصنع طبقًا لا يمكن أن تعود مكوناته إلى الحياة، الكاتب ينتحر لأنه ينكر نفسه ويمنح حياته لشخصياته، هكذا فأنا موجود بشكل خفي في كل ما كتبت.

أي عمل لك لم يعد يرضيك اليوم؟

ـ أشعر بإحباط بعد نشر أي كتاب، ثم أتصالح معه عندما يجد من يتبناه ويحبه، ولو أرضاني أي من كتبي العشرين حتى الآن لتوقفت عن الكتابة.

هل يمكن للكاتب أن ينجو من نجاح كتابه الأشهر، أم يظل مطالباً بإعادة كتابته بصور مختلفة؟

ـ الاختصار فخ لا ينجو منه كاتب، للأسف.

بعد ميدالية نجيب محفوظ عن "بيت الديب"، هل شعرت أن الجائزة حررتك أم وضعتك داخل توقعات الآخرين؟

ـ ما ميَّز فوزي بميدالية نجيب محفوظ، أن اللجنة استدعتها دون أن أتقدم، وأظن أن كل الجوائز يجب أن تتضمن لوائحها حرية لجنة التحكيم في استدعاء أعمال لم يتقدم بها أصحابها. ذلك شيء كريم يليق بالكتابة، لكن لا الجائزة ولا توقعات القراء لهما دخل بما أكتبه، ولا حتى الخبرة السابقة.

هل أنصفك النقد العربي، أم اكتفى بوضعك في صورة "الكاتب الهادئ“؟

ـ للأسف، النقد بحاجة إلى إنصاف. في بداية وسائل التواصل اعتبرتها وسيلة لإتاحة ديمقراطية النقد، لكن مشاركة الجميع في الحديث عن الكتب أنهى سلطة المعرفة المتخصصة في الأدب.

تكتب بلغة مقتصدة تبدو سهلة، لكنها شديدة الصنعة. كم تحذف كي تصل إلى هذا الهدوء؟

ـ أسوأ ما يقع لي أن يشعر القارئ بالصنعة، لابد أن يعتني الكاتب بعمله، على ألا تبدو العناية أو يظهر الجهد للقارئ.

متى يصبح الوضوح احتراماً للقارئ، ومتى يتحول إلى تنازل له؟

ـ نجاح الشراكة بين الكاتب والقارئ يتطلب الكشف والإخفاء، وضوح اللغة أفضل، لأن هناك سبلًا أخرى للإخفاء يمكن تركها للقارئ، كأن أكتب حدثًا وأترك له أن يفسره أو أقدم له شخصية وعليه أن يتصور نشأتها في طفولتها.

متى تعرف أن الرواية انتهت؟ وهل تنتهي فعلاً، أم يتخلى عنها الكاتب فقط؟

ـ بعض قراء «يكفي أننا معًا» اتهموني بأنني تعبت فقررت التوقف عن الكتابة فجأة، لكنني أعرف متى تنضج الطبخة كما يعرف الطبَّاخ دون أن يرفع الغطاء. مسألة حدس.

في "أحاول" لا تقول إنك وصلت، بل إنك ما زلت تحاول. ما الذي فشلت في كتابته حتى الآن؟

ـ دائمًا لا أصل إلى ما بخيالي. 

هل يكتب الروائي الكتاب الذي يريده، أم الكتاب الذي تسمح له حياته بكتابته؟

ـ لا يريد الكاتب إلا أن يكتب ما يريده، لكن الظروف تتدخل أحيانًا. وقت مسئولياتي الصحفية الضخمة، حلمت بكتابة بيت الديب، وحالت الظروف بيني وبينها عشر سنوات، حتى أقعدني خلاف في العمل، فشرعت بكتابتها. كونها رواية أجيال، كانت بحاجة إلى وقت ممتد وكتابة يومية؛ وكلما كنت أجلس لكتابتها كنت أتعثر ويولد على قلمي كتاب آخر يناسب انشغالي.

ما الحقيقة التي اكتشفتها متأخراً عن الكتابة؟

ـ غيور، لا تقبل الشراكة في قلب المريض بها.

وما الوهم الذي كنت تؤمن به في بداياتك ولم يعد يعني لك شيئاً الآن؟

ـ الخلود.

في "بخلاف ما سبق" يعود سامي يعقوب إلى الأرض والبستان والحيوان. هل كانت تلك عودة إلى الجذور، أم هروباً أخيراً من المدينة؟

ـ دفعت به لاختبار جغرافيا أخرى للخوف غير المدينة وأمنها الكثيف.

هل ما زلت تؤمن بإمكان هزيمة الخوف، أم أن أقصى ما نستطيعه هو التعايش معه؟

ـ أومن بمحاولة فهمه للتعايش معه.

من الكاتب الذي تمنيت لو أنك كتبت أحد كتبه؟

ـ كتاب كثر. كل من لعنتهم بينما أقرأ.

وأي رواية عربية شعرت أمامها بالغيرة؟

ـ الحرافيش.

هل مررت بلحظة فكرت فيها جدياً في التوقف عن الكتابة؟

ـ لا، دائمًا كنت مشتاقًا، وعندما تفرغت من الصحافة، صار طموحي المستحيل أن أستعيد بعضًا من الوقت الذي أمضيته فيها.

أم أن استمرارك في الكتابة دليل على أنك لم تجد الجواب بعد؟

ـ بالفعل، ليتني أجد الجواب.