ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
لا المنبّه، ولا ضوء الفجر، ولا حتى التزامات الحياة اليومية. الذي يوقظني فعلًا هو امرأة تسكن داخلي، لا تنام حين أنام، ولا تستكين حين أبدو ساكنة. امرأة ليست صورة في مرآة، ولا خيالًا أنثويًّا ناعمًا، بل كائنٌ متأهّبٌ دومًا، يتقافز من فراش القلب مع أول ومضة وعي، ويقفز بي إلى اليوم التالي، وكأن الحياة معركة جديدة علينا خوضها معًا.
أستيقظ وفي داخلي امرأة تُقاوم.
لا تصرخ ولا تُحدّق في الشوارع المزدحمة ولا تكتب بيانًا ولا تُشهر لافتة، لكنها تقاوم بصمت. تقاوم حين تُعدّ فنجان قهوتها ببطء، كأنها تُعلن امتلاكها للوقت، وحين تفتح نافذتها وتقرّر كيف ترى العالم لا كيف يُملى عليها أن تراه، وحين تضع عطرها المفضل وتبتسم أمام المرآة، لا من أجل أحد، بل لتُرمم ذاتها التي نجت، مرةً أخرى، من الانكسار.
هذه المرأة ليست متوحّشة ولا ضحيّة..
ليست جانية ولا مجني عليها..
ليست خارقة ولا مهزومة..
إنها فقط امرأة تعرف ما تريد وتعرف ما لا تريد، وتُدرك أن الحياة لن تعطيها شيئًا مجانًا، لكنها مع ذلك لا تُطالب، بل تحاول أن تصنع ما تشتهي.. ولا خيالاً.
لا تشتكي، بل تُدوّن.
لا ترفع صوتها كثيرًا، لكن حضورها يكفي ليُربك من أراد لها أن تصمت.
في مجتمعات كثيرة، يُتوقّع من النساء أن يكنَّ مطيعات، متفهمات، خافتات الصوت، منصرفات إلى تفاصيل صغيرة لا تُخيف أحدًا. لكن المرأة التي تسكنني لم تقبل يومًا بهذا القالب. لم تسأل؛ ماذا يُفترض بي أن أكون؟ بل سألت دائمًا؛ من أنا؟ وماذا سأفعل بهذه الهوية الهشّة التي يُراد لها أن تكون طيّعة؟
كتبت أول قصيدة لي وأنا في عمرٍ لم يسمح لي بالفهم العميق، لكنني كنت أفهم الألم والإقصاء، والغصّة، وأفهم جيدًا أن ثمة شيئًا في داخلي لا يشبه ما حولي. شيئًا يُريد أن يُقال، وأن يُدوَّن، وأن يترك أثره على صفحة العالم قبل أن تمحوه الأيام.
ولمّا قررت أن أكون شاعرة وكاتبة، لم أفعل ذلك لأحصل على لقب أو مكانة أو تصفيق.
كتبت لأنني لم أعرف طريقة أخرى لأحمي نفسي من الذوبان.
ولأنني شعرت، منذ وقت مبكر، أن الكتابة ليست هواية، بل نجاة.
وأن الكلمة ليست أداة، بل معركة.
مرّت السنوات وتغيّر العالم من حولي، لكن تلك المرأة في داخلي لم تهدأ. كانت تكبر، وتتعقّل أحيانًا، لكنها لا تتنازل. كانت تتعلّم كيف تُصغي من دون أن تُذعن، وكيف تُحبّ من دون أن تُفرّط، وكيف تُسامح من دون أن تُفقد ذاكرتها.
الذين حاولوا أن يُسكتوا صوتها، لم يدركوا أن هذا الصوت لا يُبثّ من الحنجرة، بل من مكان أعمق.
وأن الصمت الظاهري ليس ضعفًا، بل تخزينٌ للصياغة القادمة.
وأن الانسحاب من المجادلة لا يعني الموافقة، بل الاستعداد لجولة كتابة لا يُهزم فيها سوى الظلم نفسه.
المرأة التي تسكنني لا تعرف كيف تُزيف مشاعرها. تبكي إن اختنقت، وتضحك إن فاجأها الفرح، وتقول “لا” حين يكون الصمت خيانة لنفسها. ليست ضد الرجال، وليست ضد العالم، لكنها ضد الانكسار. ضد ذلك الانحناء الخفي الذي يُفرض على النساء تحت أسماء متعددة: التضحية، التحمل، النُضج، الرُشد. تؤمن أن النُضج الحقيقي لا يعني خفض الرأس، بل رفع القلب عاليًا، حتى حين يُوجَع.
تعلمت من الشعر كيف أواجه العالم بلا سلاح. كيف أُخاطب الظلم بلغة لا يفهمها، لكنها تؤلم. كيف أقول الأشياء دون أن أصرخ بها. كيف أُشير ولا أُشهّر، وألمح دون أن أجرّح. في القصيدة، أجد المرأة التي أنا عليها بكل تناقضاتها: القوية والضعيفة، الشفافة والمراوغة، العاشقة والغاضبة، المُسالِمة والمحاربة. تلك المرأة تخرج من بين السطور، لا تُشبِه أحدًا، لكنها تشبه كلّ من تجرأت على أن تكون ذاتها رغم كل شيء.
أحيانًا، أتعب. أشعر بثقل هذا الدور غير المكتوب. وأتساءل:
لماذا عليَّ أن أكون أنا دائمًا؟ لماذا لا أستسلم وأعيش كما يريد الجميع؟
لكنّني، ما إن ألامس هذه الفكرة، حتى تنهض المرأة في داخلي من مكانها، وتُربّت على كتفي قائلة؛
“لأنكِ إن فعلتِ، لن تعودي أنتِ.”
هي لا تريد أن تنتصر على أحد.
ولا تريد أن تُثبت شيئًا لأي أحد.
هي فقط تريد أن تعيش بكرامة، وتُحبّ بحرية، وتكتب بلا خوف.
وفي كل صباح، حين أنظر في المرآة، لا أبحث عن التجاعيد ـو الشعرات البيضاء في رأسي، ولا أُحصي السنوات.
أبحث فقط عنها.
عن تلك المرأة التي تُواصل المقاومة، لا بالسلاح ولا بالشعار، بل بالشعر والصدق والعناد الجميل.
وحين أراها واقفة خلف نظرتي، أبتسم.
ثم أخرج إلى العالم… مرّة أخرى.
لكنّ الأثقل من المقاومة اليومية، هو التواطؤ مع الصمت.
فكل امرأةٍ تقرّر أن تُغضّ الطرف عن الظلم الواقع عليها، تُضيف حجرًا جديدًا إلى جدار القمع. وكل واحدة تختار الصمت بدعوى الحكمة، تُمهد الطريق لمزيدٍ من الإنهاك الأنثوي المتوارث. لهذا، لم أعد أخجل من التعب، ولا أتهرّب من المواجهة. فقد عرفت، بالتجربة، أن المرأة التي تُقاوم بصوتها، بقلمها، بنظرتها، حتى بصمتها الواعي، تُحرّر أخريات لا تعرفهن، وتُزيح قليلًا من الثقل عن كواهل نساءٍ لم يُولدْنَ بعد. وهذه وحدها بطولة لا تحتاج إلى ضوء ولا تصفيق.
ورغم كل هذا، لا أدّعي أنني امرأة استثنائية، بل امرأة تعرف أن الضعف جزء من القوّة والشكّ ضرورة للإيمان والتردّد لا يلغي الشجاعة.
أستيقظ كل يوم وفي داخلي امرأة تُقاوم العالم، لا لأنها تبحث عن بطولة، بل لأنها تُحب الحياة بكرامة. وما الكرامة إلا أن نكتب، ونقول، ونحب، ونرفض، ونحلم… كما نحن، لا كما يُراد لنا أن نكون.
الأكثر قراءة
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا