في موسمٍ من الحروبِ المتتالية --وفي قلبِه ما سُمّي "الربيعَ العربيّ" --تعلو كلمةٌ واحدةٌ في كلِّ خطاب: السيادة. غير أنّ الكلماتِ الموروثةَ لا تأتي فارغة؛ تحمل طبقاتِ معنىً رسّبتها العصورُ والمفكّرون، ثمّ تُعيد كلُّ ممارسةٍ تلوينَها. هذه سيرةُ كلمةٍ، من قاعِها الأوّل (السُّؤدد) إلى ما يمكن أن تصير إليه اليوم: السيادةُ الاستباقيّة المبادِرة.
البابُ: كلمةٌ تعلو في زمنِ الحروب
منذ أن انفتح ما سُمّي "الربيعَ العربيّ" سنةَ 2011 على موسمٍ طويلٍ من الحروب، لم تَعلُ في الخطابِ العربيّ كلمةٌ كما علت كلمةُ "السيادة". وبلغت ذروتَها في ربيعِ 2026، فما من منصّةٍ بين الخليجِ والمحيط إلّا رُفِعت فيها: في الإدانةِ، وفي الرثاءِ، وفي التحدّي. لكنْ أيَّ معنىً تحمل هذه الكلمةُ التي تُقال بهذا الإلحاح؟ ولماذا، كلّما عَلا صوتُها، بدا مُرادُها يتسرّب أكثرَ من بين الأصابع؟
إنّ الأمرَ ظاهرةٌ ثقافيّةٌ قبل أن يكون شأناً سياسيّاً. فحين تُفزِع الحوادثُ مجتمعاً، لا يمدّ يدَه إلى سلاحِه وحدَه، بل إلى كلماتِه الموروثةِ يحتمي بها؛ والكلمةُ التي يُمسكها في لحظةِ الفزع تكشف عنه أكثرَ مما تكشف عن الحادث. فلتُقرأ الحالُ، إذن، من بابِ كلمةٍ واحدة؛ ولْيكنْ انتشارُ "السيادة" مدخلاً إلى مسرحٍ أوسع: مسرحِ التفاعلِ المتبادلِ بين ثقافةٍ تُورِّث تعابيرَها، وسياسةٍ تُمارَس بها الآن.
إنّ الكلماتِ السياسيّةَ لا تُخترَع، بل تُورَّث؛ غير أنّ الإرثَ ليس سجناً. فما إن تنتقل الكلمةُ الموروثةُ إلى زمنِ الممارسة، حتى يتلوّن مرادُها بلونِ الفعل، ثمّ تعود الممارسةُ فتُودِع فيها طبقةَ فهمٍ جديدة، يرِثها التالون كأنّها من أصلِ المعنى. تلك هي الدورةُ: إرثٌ، فتلوينٌ بالممارسة، فطبقةٌ تُضاف. وما من كلمةٍ أصدقُ مرآةً لها من "السيادة". ولأنّ معناها اليوم مُلتبِس، فلا سبيلَ إلى جلائِه إلّا بالنزولِ إلى قاعِ الكلمةِ حيث معناها الأوّل، ثمّ الصعودِ في دَرَجاتِها --عصراً عصراً، ومُفكّراً نهلَ من بئرِها وأضاف إليها --حتى العودةِ إلى الزمنِ الراهنِ لإدراكِ لونِه.
قاعُ البئر: المعنى الأوّل
في القاع، قبل الدولةِ والقانون، حمل الجذرُ العربيّ (س و د) معنىً معيشاً: السيّدُ، والسُّؤدد --الرِّفعةُ والمَهابةُ والتسيُّدُ على القوم. لم تكن "السيادة" يومَها سلطةً عُليا على إقليم، بل صفةَ شرفٍ في الرجلِ والقبيلة. حتى ابنُ خلدون، حين فكّر في السلطةِ في القرنِ الرابعَ عشر، لم يُسمِّها سيادةً، بل "مُلكاً" يَنبُع من "العصبيّة": قوّةِ الاجتماعِ قبلَ قوّةِ القانون. تلك مياهُ البئرِ الأولى، ومنها سينهَل كلُّ مَن جاء بعد، فيُلوّنُها بلونِ زمانِه.
الدرجةُ الأولى: حين تُرجِمت
ثمّ هبط على القاعِ معنىً وافد. ففي القرنِ التاسعَ عشر، يومَ احتكّت النهضةُ العربيّةُ بأوروبا، احتاج روّادُها إلى لفظٍ يُترجمون به مفهومَ "السيادة" الأوروبيّ -- سلطةً عُليا مُطلقةً لا تتجزّأ تستقرّ في الدولة. فوقع الاختيارُ على كلمةِ "السيادة"، فإذا بالمعنى الأوّل (السُّؤدد) يستقبل ضيفاً ثقيلاً يسكن معه. وهنا أوّلُ تلوين: إنّ الترجمةَ -- وهي من أعمقِ أفعالِ الثقافة -- صبغت الكلمةَ بصبغةٍ جديدة دون أن تمحوَ القديمة. ومنذئذٍ صارت "السيادة" تحمل نِصفَها سُؤدداً وكرامة، ونِصفَها ولايةً قانونيّةً على أرض.
وأيُّ صورةٍ هي التي حدّدت اللون؟ ليست دقّةَ التاريخ، بل صورةُ أمّةٍ تستردّ مجدَها بكلمة فرسمتها لنفسِها. فالأمم، كما بيّن رينان (Renan ) وبسطَ بعدَه أندرسون ( Anderson)، تتخيّل نفسَها تخيّلاً، ويفعل هذا التخيّلُ في حياتِها أكثرَ مما يفعل الواقع. هكذا صعدت الكلمةُ درجةً ثانية، محمولةً على صورةٍ مُتخيلة لا على حقيقة.
الدرجةُ الثانية: حين صارت للشعب
ثمّ جاءت الممارسةُ الدستوريّة، فنقلت "السيادة" من الحاكمِ إلى "الأمّة" و"الشعب". ولم يكن النقلُ تعريفاً في معجم، بل فعلاً ثقافيّاً سياسيّاً: مجالسُ تُنتخَب، ودساتيرُ تُكتَب، فأُودِعت في الكلمةِ طبقةٌ جديدة -- "سيادةُ الشعب" -- صارت بدورِها إرثاً يتلقّاه التالون كأنّه أصلٌ لا طارئ. وهكذا تَطّرِد الدورة: الممارسةُ تُلوّن، واللونُ يترسّب معنىً، والمعنى يُورَّث.
الدرجةُ الثالثة: الثابتُ والمتحوّل
لكنّ كلَّ لونٍ يستدعي ضدَّه، وهنا يبلغ البُعدُ الثقافيُّ أعقد صُوَره. فقد رأى أدونيس في الثقافةِ العربيّةِ الموروثةِ صراعاً دائماً بين "الثابت" -- سلطةِ الموروثِ التي تُقدّس الاتّباع -- و"المتحوّل" الذي يجرؤ على الإبداع. والكلماتُ ساحةُ هذا الصراع: فقد تتحجّر "السيادة" ثابتاً مُقدّساً يُرفَع شعاراً ولا يُسأَل عن مضمونه، وقد تنفتح متحوّلاً يُعاد التفكيرُ فيه.
ومن الثابتِ وُلِد نحوٌ مضادٌّ لسيادةِ الشعب: "الحاكميّةُ لله"، صاغها المودودي ثمّ سيّد قطب، رفضاً لأن تكون السيادةُ للبشر. ورأى محمد عابد الجابري في ذلك أثرَ محدِّداتٍ أعمق -- العقيدةَ والقبيلةَ والغنيمة. ويصحّ الأخذُ بتشخيصِه مع التحفّظِ على حُكمِه؛ فالموروثُ عُدّةٌ تُعاد صياغتُها لا قَدَرٌ يُكبّل، والدليلُ أنّ الكلمةَ لم تَثبُت على لونٍ قطّ، بل تلوّنت في كلِّ يدٍ أمسكتها. على أنّ في قولِه حقّاً: في الأزمنةِ المضطربة يَغلِب الثابتُ على المتحوّل، فتتصلّب الكلماتُ وتصير سلاحاً -- وذلك تفسيرُ كونِ "السيادة" في موسمِ الحروبِ أمضى وأخطر.
الدرجةُ الرابعة: زمنُ الاستقلال --حين صُرّفت الكلمةُ فعلاً
وتبلغ الدورةُ أوضحَ صُوَرِها في درجةٍ جديدة: زمنِ الاستقلالِ الأوّل، بين 1943 و1950، يومَ رحلت الجيوشُ الأجنبيّةُ عن المشرقِ العربيّ، فوقعت الكلمةُ -- لأوّلِ مرّة -- في أيدٍ تملك أن تُمارسَها. وهنا انقسم الناسُ فريقين: فريقٌ ظنّ السيادةَ لقباً يُنال يومَ يُرفَع العَلَمُ ويُعزَف النشيد، فاحتفل بها صفةً وراح ينام؛ وفريقٌ أدرك أنّها فعلٌ لا صفة، وأنّ رحيلَ الجنديّ الأجنبيّ بدايةٌ لا نهاية.
فما قيمةُ جلاءِ الجيوشِ إن بقيت أجهزةُ الانتدابِ ورجالُه في مواقعِهم؟ وما معنى استقلالٍ إن تظلّ فيه العُملةُ مربوطةً بعملةِ المُستعمِر، تُرفَع وتُخفَض بقرارٍ يُتَّخَذ في عاصمةٍ بعيدة؟ وأيُّ سيادةٍ لدولةٍ لا تَحمي نقدَها، ولا تُعاقب فاسِدَها، ولا تُطعِم شعبَها من أرضِها؟ تلك كانت أسئلةَ جيلٍ بأكملِه، طُرِحت في صحافةِ تلك السنواتِ بلغةٍ مباشرةٍ حادّة، لا تُجامِل ولا تَستجدي العاطفة.
وفي تلك السنواتِ تحديداً أُودِعت في الكلمةِ طبقتُها الأبقى: أنّ السيادةَ قدرةٌ تُبنى لا صفةٌ تُمنَح؛ وأنّ مقياسَها ليس الاعترافَ الخارجيّ، بل النقدَ المَحميَّ، والمؤسّسةَ القائمة، والفسادَ المردوع. هذه الطبقةُ -- "السيادةُ فعلٌ لا لقب" -- هي التي تُورَّث إلى اليوم، وإنْ نَسِيَ كثيرون مَن سَكَّها.
العودةُ إلى الباب: لونُ الزمنِ الراهن
بهذه الطبقاتِ كلِّها تُقرأ العودةُ إلى الزمنِ الراهن. فماذا فعلت الحروبُ المتتالية -- من 2011 إلى ربيعِ 2026 --بالكلمة؟ أضافت لونَها هي، وهو لونٌ قاتم. كشفت الموجةُ التي سُمّيت "ربيعاً"، حين انكسرت، هشاشةَ الكياناتِ وثوابتِها؛ ثمّ بدّدت الحربُ الأخيرةُ ما تبقّى: عواصمُ اكتشفت أنّ سيادتَها أمنٌ مُستعار، ودولةٌ بَنت "سيادةً مُمانِعة" رأت قرارَها يغتال على أرضِها، وجنوبٌ عاد إليه الاحتلالُ حتى ضفّةِ نهرِ الليطاني فاستحالت "السيادة" فيه كلمةَ فريقٍ ضدّ فريق.
فهل بقيت "السيادة" بعد هذا تعني ما كانت تعنيه؟ أم تُمارَس الكلمةُ اليومَ ممارسةً صدامية تُودِع في معناها طبقةً جديدةً مؤلمة؟ إنّ السؤالَ الذي يطرحه الزمنُ ليس "ما هي السيادة؟"، بل: أيَّ لونٍ تُضيفه هذه الأمّةُ إليها؟ أتَقبَلُها لقباً يُمنَح ويُسلَب، أم تصنع طبقتَها التاليةَ بيدِها؟
الدرجةُ التي يجب أن تُقطَع
إن كانت الممارسةُ هي التي تُلوّن الكلمةَ وتُودِع فيها المعنى، فالخيارُ مطروح: انتظارُ مَن يمنح "السيادة" لقباً، أو صناعةُ تتكون طبقتِها التاليةِ بالفعل. وهذا ما يصحّ أن يُسمّى السيادةَ الاستباقيّة المبادِرة: ألّا يُنتظَر اكتمالُ الدولةِ لتُمارَس سيادتُها، بل أن يقبض المجتمعُ -- منذ الآن، في غيابِ الدولةِ الكاملة -- على مصادرِ قوّتِه وفاعليّاتِه: نقدِه، وأمنِه، ومؤسّساتِه المدنيّة، وسرديّتِه عن نفسِه.
وهي مبادرةٌ ثقافيّةٌ بقدرِ ما هي سياسيّة؛ فمن يُمسك بسرديّتِه عن نفسِه كما يُمسك بنقدِه وأمنِه، يملك نصفَ السيادةِ قبل أن تُمنَح له. فالسيادةُ، إن كانت فعلاً لا مِلكاً، يكتب طبقتَها التاليةَ مَن يُمارسها قبل أوانِها. خُذِ الموقفَ، واعملْ، وتحمّلِ التبِعة، ولا تنتظرِ الإذن: تلك سيادةُ الفردِ قبل أن تكون سيادةَ الدولة.
خاتمة: شتاءٌ يُهيّئ ربيعاً
سمّى كثيرون ما جرى منذ 2011 ربيعاً؛ والأقربُ أنّه شتاء -- عواصفُ تُهيّئ لربيع. والشتاءُ، إذا فُهِم، مُقدّمةُ النهوضِ لا نقيضُه. ومعنى ذلك أنّ تجديدَ السياسةِ، في جوهرِه، عملٌ ثقافيّ: إعادةُ تلوينٍ واعيةٍ للكلماتِ الموروثة -- لا نِسيانَ للذاكرة، ولا أَسرَ لها، بل فاعليّةٌ بلا نِسيان. وهو ما عرّفه رينان ( Renan) حين جعل الأمّةَ "استفتاءً يوميّاً"، وابنُ خلدون حين جعل المُلكَ ثمرةَ اجتماعٍ حيٍّ لا لقبٍ موروث.
ننزِلُ مع هذا الغوص إلى قاعِ الكلمةِ فنجد سُؤدداً، ونصعد دَرَجاتِها فنجد في كلِّ درجةٍ يداً لوّنتها. والدرجةُ الباقيةُ أن تُقطَع بالفعل: أن تَقبِض الأمّةُ على مصادرِ قوّتِها ومعانيها معاً، فتُمسكَ بالكلمةِ من فعلِها لا من لقبِها. تلك هي المبادرةُ التي يبدأ بها كلُّ ربيع.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا