في هذا الحوار مع الفنان التشكيلي والشاعر سمعان خوّام لا يبدو الفن مجرد ممارسة جمالية أو تقنية تتعلّق بالخطوط والألوان، بل يتحوّل إلى طريقة في العيش، وإلى شكل من أشكال مواجهة العالم أو الانسحاب منه في آنٍ واحد. فالفن هنا ليس نتيجة قرار مسبق، بل حالة تتكوّن بين لحظة استيقاظ العين على الضوء، ولحظة إغلاقها على عزلة كثيفة قد تتجاوز الواقع نفسه. بين النافذة المفتوحة على الخارج، والكُوّة التي تُغلق على الداخل، يتشكّل سؤال الفن بوصفه توترًا دائمًا بين الانكشاف والاختفاء، وبين الرغبة في القول والرغبة في الصمت.
يقدّم خوّام رؤيته للفن بوصفه تجربة غير مستقرة، لا تخضع لقواعد نهائية ولا تنتمي إلى مدرسة واحدة، بل تعيش على هامش التجريب المستمر، حتى لو كان هذا التجريب أقرب إلى «مخاطرة داخلية» أو إلى نوع من الانتحار الرمزي، كما يصفه. فاللوحة ليست مساحة آمنة، بل حقل اختبار لصوت داخلي يتبدّل باستمرار، وقد يتحوّل أحيانًا إلى صدى غامض أو نعيق داخلي لا يمكن ضبطه. وهنا يصبح الإبداع ليس بحثًا عن شكل جميل، بل محاولة لالتقاط صوت أو صمت جديد، خارج الاستهلاك الجمالي المعتاد.
وفي مواجهة الأسئلة الكبرى حول الحروب والنكبات والواقع المضطرب في المجتمعات العربية، لا يقدّم الفنان الفن بوصفه خلاصًا أو وسيلة لتغيير العالم مباشرة، بل مساحة تأمل قاسية أحيانًا، لا تعد بشيء ولا تَعِد بالنجاة. فاللوحة لا توقف حربًا، ولا تؤجل موتًا، لكنها قد تصبح نافذة مؤقتة أو جدارًا آخر يُعلَّق عليه المعنى بدلًا من أن يُعلَّق عليه الأمل. بهذا المعنى، لا يتحول الفن إلى هروب، بل إلى شكل من أشكال التعايش مع العبث، أو إعادة ترتيب العلاقة مع الواقع دون ادعاء السيطرة عليه.
أما في علاقته بالمدارس الفنية والتيارات الجمالية، فيبدو خوّام أقرب إلى فكرة التفكيك المستمر منها إلى الانتماء، مستحضرًا روح الدادائية بوصفها تمرينًا دائمًا على كسر الموروث وإعادة النظر في كل ما يبدو ثابتًا. وحتى السريالية، في حضورها أو غيابها، ليست بالنسبة إليه إطارًا جاهزًا، بل احتمالًا مفتوحًا بين نقد الواقع وإعادة تشكيله، دون ادعاء امتلاك إجابة نهائية عن معناها المعاصر.
ويتقدّم هذا الحوار أيضًا نحو سؤال العلاقة بين الفنان والمتلقي، وبين الفردي والجماعي في العمل الفني، ليضع الخطاب الفني في منطقة حساسة تتغيّر فيها المعاني بتغيّر موقع المتكلم، وتتحول فيها اللوحة أو القصيدة إلى كائن مفتوح على التأويل، لا يمكن احتكاره أو ضبط دلالاته. فالفن، كما يظهر في هذا السياق، ليس رسالة ذات اتجاه واحد، بل فضاء قابلًا لأن يُساء فهمه، أو يُعاد امتلاكه من قبل أي عين تنظر إليه، حتى لو كانت عينًا غير متوقعة.
وبين الريشة والكتابة، بين اللون والكلمة، يعيش الفنان حالة تباعد مقصود أو قلق مستمر، كأن كلًّا منهما يسحب الآخر بعيدًا بدلًا من أن يلتقيا. وهذا الانفصال ليس نقصًا، بل خيار جمالي وفكري يتيح لكل ممارسة أن تحافظ على توترها الخاص، وعلى مساحتها الخاصة من الصمت أو الصراخ.
هكذا، لا يقدّم هذا الحوار صورة مكتملة عن فنان بقدر ما يفتح مساحة من الأسئلة حول معنى الفن نفسه: هل هو بناء أم تفكيك؟ هل هو شكل من التعبير أم شكل من الانقطاع؟ وهل يمكن للفن أن يظل حيًّا من دون أن يبقى معلّقًا على حافة عدم اليقين؟
---
1- بعد كل هذا الحراك في عالم الألوان والخطوط واللوحات، كيف تختصر الفن؟
الفن مرتبط بلحظة استيقاظي: هل أفتح النافذة على العالم الخارجي وأرسم أو أكتب، أم أغلق حتى فتحة العين الساحرة في الباب، وأغوص في عزلة، حتى لو وصل الطوفان إلى باب مشغلي؟
---
2- هل اللوحة هي التي تفرض نفسها على المبدع؟
في حال انشغلت باللوحة لنفسي، فأنا محكوم بالتجريب، وبالبحث عن صوت أو صمت جديد، أو بأن أردد صوت نعيق الغراب المعشّش في رأسي.
---
3- نحن نعرف أن الشعر والرواية والفنون الكتابية عمومًا قائمة على التأثر والتعلّق بنصوص سابقة، هل تأثرت لوحاتك بتيار فني أو بمدرسة فنية معينة؟
حاولت، ولا أزال أحاول، أن أخلق لغة خاصة بي. نجحت وفشلت مرارًا. ورغم أنه من السهل أن تنتمي إلى مدرسة تشكيلية أو لغوية واحدة، فإنني من مريدي التجريب والحرية المطلقة، رغم أنها تكون أحيانًا نوعًا من الانتحار.
---
4- في ظل الحروب والنكبات والكوارث الطبيعية والاقتصادية التي تمر بها بلادنا، وتحديدًا المجتمعات الشرقية، هل يصبح الفن متنفسًا وكوّة في الجدار للهروب من الواقع؟
اللوحة أو الشعر لن يوقفا حربًا، ولن يؤجلا موتًا. أفضل أن أغلق كوة الهروب بتعليق لوحة لساها، أو أن أحشرها بورقة كُتب عليها ما كُتب.
---
5- لطالما تجسدت السريالية في الفن التشكيلي، برأيك هل السريالية اليوم تبدأ بتشكيل واقع جديد أم بنقد الواقع؟
لست مطلعًا بما يكفي على المدرسة السريالية الحديثة لأجيب بصراحة، لكنني من مؤيدي تجربة الدادا في التفكيك الدائم لكل موروث، أو لكل حاضر يرغب في أن يتحول إلى موروث.
---
6- تقول في أحد حواراتك السابقة: «الخطاب المتعلق بالفن له علاقة دائمًا بصاحب الخطاب». ألا تعتبر اليوم أن الفن عمل جماعي بين المبدع والمتلقي؟ وفي ظل الإبادات والحروب، ألا يوجد للشعوب صوت في عمل المبدع؟
لأن خطابي يتغير لعدم ارتباطه بأيديولوجية محددة، (ثورة اللامنتمي ليبقى لا منتمي)، ولأنني أرفض أن تكون اللوحة أو القصيدة صوتًا لمنطق متداول، بل صرخة في وجه كل شيء ولا شيء. ولأن الصرخة لا تهدم جدارًا، فربما أفضل أن يكون العمل على شاكلة نافذة تطل على مشهد يختاره الناظر منها. فإن أحب مجرم ما لوحتي أو قصيدتي دون علمي، فكيف أمنعه؟
---
7- نعرف أن بيكاسو في بداياته اعتمد اللون الأزرق، اليوم هل يمكن للفنان اعتماد لون واحد ليعبّر؟ وهل يمكن لفكرة واحدة أن تعيش في لوحات الفنان دون الوقوع في التكرار؟
اللون كفالة نفسية. فالأزرق، هل هو لون السماء أم لون الحزن؟ وكما يجوز للأسود أن يكون لون الحقل والزهور. أما التكرار، فأحيانًا يكون مفيدًا بوصفه تمرينًا، وأحيانًا يكون نتيجة حالة مرضية، لذلك فهو مرتبط بالشخصية الفنية، وليس إعاقة للفن. فإن رسم الفنان لوحة فيها ألف وجه، فهل هذا تكرار أم تشكيل فني؟
---
8- متى يصبح الالتزام عبئًا ثقيلًا على اللوحة وريشة الفنان؟
لا يوجد شيء خارج الالتزام، رغم محاولاتنا اليومية للهروب منه. لا يستطيع الفنان أن يؤجل لوحة أو قصيدة، أما من يمارس الفن كهواية، فربما يستطيع.
---
9- يقول إميل سيوران: «حياة المرء كفارة مولده». هل يحاول سمعان خوّام تفادي دفع هذه الكفارة في أعماله؟
أن تدفع ثمن ما رغبت بأن تكونه، ولأن لا شيء يدوم، فلا أبالي بفكرة الكفارة.
---
10- بين الريشة والقصيدة، أين يقف اليوم سمعان خوّام؟
كلما اقتربت من اللوحة ابتعدت عن الكتابة، والعكس صحيح. أرغب في ألّا يلتقيا، كعاشقين عن بُعد، لا يجب أن يكتمل ما بينهما قبل موت الفنان.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا