تحميل موقع شغف

لماذا أسّسنا شغف

لماذا أسّسنا شغف

" لماذا أسسنا "شغف "

 

حامد الحمود العجلان

 

 

وأنا أكتب الجواب، لا أكتبه للقراء فقط، إنما أنا بنفسي احاول  أن أجد الجواب لنفسي. ولعلّ أسهل جواب أن اختاره هو ان تأسيس منصة إعلامية إلكترونية تهتم بالفنون التشكيلية والثقافة بشكل عام،هو بسبب وجود  فراغ في هذا المجال.

و سيكون هذا أسهل الأجوبة، كما أنه الأقل مخاطرة، فلن يكون هنالك افتتاحية تدعم رأياً سياسياً وتفضله على الآخر، كما أنه ليس هناك حاجة أن ترتبط "شغف" أو أن تنسق مع جهة سياسية أو دولة أو حزب. فمن هذه الناحية لن تكون هناك مخاطر من إثارة فريق سياسي ضد آخر. وسنتجنب العبث في السياسة لكن لن نتجنب النشر في الفكر السياسي. ثم إن السياسة مرتبطة بالأدب. و علاقة "شغف" بالفكر السياسي هي أقوى من نشر قصيدة قديمة للسياب أو أدونيس أو عبد المعطي حجازي او جورج حاوي. لذا لن نكون محايدين إذا ما تعلق الموضوع بحرية الرأي والاهتمام بصفاء و مصداقية  الفكر السياسي الذي تطمح "شغف" أن تقتدي به عقول و عواطف الناطقين باللغة العربية. فالثقافة و الفنون التشكيلية هي نشاط سياسي بوسائل اخرى.

ونحن محقون أن قلنا أنّ هنالك فراغ في مجال النشر الثقافي. فخلال الثلاثة عقود الأخيرة تستطيع القول ان الصفحات  الثقافية في الصحف السياسية إما ضعفت أو تلاشت. فكاتب هذه السطور من الجيل الذي نشأ عندما كانت الصحف  اللبنانية والمصرية والعربية الأخرى أكثر عطاء في المجال الثقافي. فلا شك أنّ المهتمين بالثقافة شعروا بالفقدان عندما غاب ملحق النهار الأسبوعي، وشعرنا بالأسى بعد أن فقدنا " الحياة " بصفحاتها الثقافية والفكرية. فهذا هو لب الموضوع، لكن على القارئ أن يعرف كذلك من هو وراء هذا المشروع. فكاتب هذه السطور ليس بفنان ولا أديب وإنما دخل مجال الكتابة بالرغم عن نفسه.

فأول مقال نشرته كان في صحيفة " اوتلوك" التي يصدرها الطلاب في الجامعة الأمريكية، وكان ذلك في مارس(آذار) 1972، وكان بعنوان " انتخاباتنا كانت عشائرية ". ولم أكن أقصد انتخابات نيابية وإنما قصدت انتخابات مجلس الطلبة في الجامعة الأمريكية. ونسيت المقال لكن الدكتورة رغدة الزين - زوجة الصديق جهاد الزين  – وجدته لي. فكنت في زيارة لهم في بيروت منذ حوالي عشرين عاماً، وكنت حينها أنشر في صفحة قضايا في النهار اللبنانية، فذكرت لها عنوان المقال والتاريخ التقريبي، وبعد أن غبت حوالي الشهرين، أخبرتني أنها قد وجدته بسهولة. وبعد أن قرأه الصديق جهاد علّق قائلاً: يا صديقي حامد، هذا صالح للنشر غداً. وكان يقصد أن الأمور لم تتغير. لا بين وعي الطلاب في الجامعة الأمريكية ولا في وعي المجتمع اللبناني. فالطائفية والعشائرية والمناطقية ما زالت تشكل الوعي السياسي للمواطنين. وما يصح في لبنان يصح في الكويت والعراق وسوريا ومصر والجزائر والمغرب وكل أجزاء الوطن الكبير. وأصحاب فكرة تأسيس " شغف " يؤمنون بأنّ الإهتمام  بالثقافة والفنون التشكيلية يرتقي بالوعي الجمعي.

 

هذا ولكل شخص تاريخ لأسباب ميوله للقراءة، والذي قد يكون مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو عاملاً. ولا أستطيع التحدث عن ميولي للقراءة دون التحدث عن أخي الأكبر عبد الكريم الذي انتقل إلى رحمة الله منذ أكثر من عشر سنوات.

هذا ومع أن المرحوم عبد الكريم لم يكمل دراسته الثانوية إلا أن شغفه في القراءة غير محدود. وقد نشر أكثر من مرة في صحف أدبية لبنانية مثل " الأديب " التي كان يصدرها المرحوم الشاعر اللبناني ألبير أديب خلال الفترة (1942 - 1983)، وكانت " الآداب " لا تفارق بيتنا في الكويت. وكنت أنا وأختي سناء ننتظر الملحق الأدبي للنهار. والمرحوم عبد الكريم هو الذي أدخل إلى بيتنا " نقد الفكر الديني " لصادق جلال العظم في الستينيات و" الثابت و المتحول " لأدونيس في السبعينات. وكنت في الثانوية عندما قرأت " مأساة إبليس " في كتاب صادق جلال العظم. ومن أخي عبد الكريم عرفنا عن الاستشراق قبل أن يتحدث عنه ادوارد سعيد، فكان كتاب " تاريخ القرآن " للألماني ثيودور نولدكه (1836–1930) في بيتنا منذ عشرات السنين. حتى أن رسالة أختي سناء للدكتوراه كانت عن الاستشراق وكتبتها دون أن تعلم عن  كتاب ادوارد سعيد. فقد كتبت رسالتها في نفس الوقت الذي أصدر ادوارد سعيد كتابه. أمّا

 "مذكرات امرأة لا مبالية" لنزار قباني فقرأته وأنا طالب في الثانوية، وإلى الآن أستغرب كيف كان المجتمع الكويتي منفتحاً في الستينات. حينها كانت المكتبات منتشرة في الكويت مع تواجد نخبة من القراء من الكويتيين وجميع أنحاء العالم العربي. وكنا نرى كتباً في بيتنا مثل مأساة الحلاج وتاريخ الإلحاد في الإسلام ومنطق الطير و المثنوي، وهي على التوالي للمستشرق الفرنسي ماسينيون وعبد الرحمن بدوي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي.وهي كتب لا أستطيع أن أتحدث عنها مع أصدقائي لا في الثانوية، ولا بالجامعة الأمريكية ببيروت، ولا في جامعة ميشيغان، ولا حتى في جامعة اكستر عندما قدمت دراستي العليا في نقد ما يسمى الاقتصاد والتمويل الإسلامي. فمكتبة الأخ عبد الكريم في السياسة والفلسفة و الأدب تشعرني احياناً اني لم استفد منها بالقدر الكافي. و قد اضافت لها اختي سناء كتبها في الأدب الإنجليزي. فعرفت منها عن ادباء مثل سامويل بكيت و جيمس جويس و سكوت فيتزجيرالد الذي ترجم شعر عمر الخيام من الفارسية إلى الإنجليزية.

وعندما تخرجت ببكالوريوس في الهندسة، حاولت أن أغني طبيعة عملي بشركة صناعة البتروكيماويات بأن أصبحت عضواً نشطاً في جمعية المهندسين. فكنت في هيئة تحرير مجلة " المهندسون " التي تصدرها جمعية المهندسين الكويتية. ولقائي بالجمعية بالدكتور أسامة الخولي، الذي شغل سابقا عميدا لكلية الهندسة في جامعة القاهرة و سفيراً لمصر في موسكو كان الأهم. حينها كان الدكتور أسامة يعمل مستشاراً في معهد الأبحاث العلمية في الكويت.لقد  كان عالمًا جليلاً نال الدكتوراه في الهندسة الكيميائية من الكلية الملكية في لندن عام 1951 وهي السنة التي ولدت فيها. وشجعني الدكتور أسامة أن أجمع في كتاباتي بين الهندسة والعلوم والاجتماعية، وأعتقد أني نجحت إلى حد كبير في هذا المجال.

لكن انتقالي من النشر في مجلة"المهندسون" إلى "الحياة " ثم إلى

"القبس" أضاف لي الكثير. كما أن خبراتي في العمل في البتروكيماويات ثم إلى المقاولات والنقل البحري والبحث العلمي، وسفري السنوي أكثر من أربع مرات في السنة لأكثر من عشرين سنة لأوربا في رحلات عمل عزّز من تجربتي. وكنت حريصاً على زيارة المتاحف في كل مدينة أزورها، لذا حرصت أن يزور أبنائي المتاحف. و لم يكن صدفة أن تتخصص ابنتي لطيفة بالفنون التشكيلية، وأن أصحبت تزعجنا إلى حد ما عندما نكون أنا وزوجتي معها في نيويورك بإصرارها على زيارة كل متحف وغاليري. ولا بد أن تكون للطيفة الأثر الكبير في أن تكون "شغف" مهتمة بشكل كبير في الفنون التشكيلية.

وهذه ليست المحاولة الأولى التي أحاول فيها أن أصدر صحيفة، فالمحاولة الأولى كانت في روتردام في هولندا. وكنت سأصدرها مع صديق تونسي في عام 2011، لكن سقوط النظام الديكتاتوري وعودته لتونس ثم تقلده منصبا قياديا هاماً  عطّل المشروع. كما عطّل المشروع أن تكلفة المشروع –اكتشفت متأخرا - كانت أكبر من قدراتي.

ولابد أن أشير إلى أن تجربتي في " القبس " ككاتب ومستشار وصداقتي برئيس تحريرها ومحرريها وفريق من اصدار "القبس" المميز الشهري " القبس الثقافي " أعطاني الخبرة وزاد من ثقتي على أن أصبو إلى إصدار صحيفة مهتمة بالثقافة والفنون التشكيلية. لكن هذه الفكرة ما كانت ستصل إلى إنجاز على ارض الواقع دون لقائي في بيروت بالأستاذة بثينة عوض والأستاذ نبيل مملوك. فلبثينة أكثر من عشرين سنة خبرة في العمل الصحفي في دمشق وبيروت. وتجربة بثينة في التحقيقات الصحفية في ظل نظام الأسد الإرهابي يمكن تحويلها إلى رواية. كما أن لنبيل خبرة وقدراته في العمل الإعلامي والصحفي.

لكن " شغف " لن تنجح دون دعم و التآزر  مع أهدافها من قبل أصدقائنا المتميزين بثقافاتهم وعلمهم وتجاربهم في لبنان والكويت والعالم العربي. ولحسن الحظ فإن من بينهم شعراء وأدباء ومؤرخين وعلماء اجتماع وروائيين وفنانين تشكيليين. فهي لهم قبل أن تكون لنا، ونجاحها سيكون بسببهم و لوفائهم لأهداف "شغف".

 

Hamed.alajlan@gmail.com

مشاركة: