بعد الهزائم المتتالية التي مُني بها الجيش القاجاري أمام جيش روسيا القيصرية في أوائل القرن التاسع عشر، وإبرام معاهدتين: الأولى معاهدة غلستان سنة 1813م، التي أُلحقت بموجبها أجزاء من القوقاز بالإمبراطورية الروسية، والثانية معاهدة تركمانشاي سنة 1828م، التي أُلحقت بموجبها الأراضي الواقعة شمال نهر أرس بروسيا، وما أعقب ذلك من ملاحظة التخلف الاقتصادي والصناعي والثقافي لإيران مقارنة بالغرب، تهيأت الظروف لظهور «عقدة النقص القومي لدى أشباه الحداثيين الایرانیين» (1).وفي مثل هذه الظروف، جاء السياسي والكاتب الفرنسي ومنظّر لنظرية تفوق العرق الآري، الكونت دو غوبينو (1812–1882م ) إلى طهران سنة 1855م بوصفه أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية الفرنسية. وبعد مدة أصبح قائماً بالأعمال، ثم عُيّن وزيراً مفوضاً لفرنسا في إيران. وبعد ثلاث سنوات من الإقامة عاد غوبينو إلى فرنسا، ورجع إلى إيران مرة أخرى في عام1861م، بصفته وزيراً مفوضاً وبقی ثلاث سنین.
خالط غوبینو خلال مدة إقامته في إيران کبار رجال الدولة والخوانین وأهل البلاط والدراويش والتجار ودارسي الفلسفة ورواد المساجد، وسائر الفئات والطبقات والمشارب والمذاهب، وكانت له معهم مجالسة ومخالطة (2). تزامن وجوده في طهران مع وجود مانكجي، مبعوث الزرادشتيين الهند إلى إيران. ونظراً إلى أن «الزرادشتيين يكنّون العداء للعرب، ويعزون إليهم جميع الأضرار والمحن والمصائب التي حلّت بإيران» (3)، فقد وجد مانكجي في أفكار غوبينو وآرائه العنصرية القائمة ما يوافق هواه ويتفق مع ميوله، فنشأت بينهما صداقة وثيقة وعميقة.
كان غوبينو يعتقد أن الأعراق البشرية ليست متساوية، وأن العرق الآري هو أرقى الأعراق جميعاً. كما يرى أن الفرس هم أنقى فروع العرق الآري وأكثرها صفاءً (4).وكان يعتبر أن «الأصل السامي قابلٌ لجميع أنواع القبائح» (5). كما اعتقد أن انحطاط وتقهقر الحضارات الآرية بدأ نتيجة اختلاط الدم الآري النقي بدماء الأعراق الأخرى التي عدّها غير نقية، ومن بينها العرق السامي (6). وانطلاقاً من هذا التصور، فسر تخلّف الفرس وشقاءهم منذ سقوط الإمبراطورية الساسانية بأنه نتيجة امتزاج الدم الآري النقي بالدم العربي الذي كان يعدّه غیر نقي.
أول من تقبّل آراء غوبينو قبولاً كاملاً من دون تحفظ هو ميرزا فتح علي آخوندف (1812–1878م). ومع أنه لم يعش في إيران قط ويقيم في تفليس ، كان صديقاً مقرّباً لمانكجي، ومن خلاله كانت له صلات بغوبينو.وكان آخوندف، أو «آخوندزاده» كما يسميه فريدون آدميت، موظفاً في خدمة الدولة الروسية. وقد دعا الإيرانيين إلى أن «يظلوا دائماً مطيعين لأوامر إمبراطور روسيا ونواهيه، وأن يتعلموا تقاليد العبودية وآداب الإنسانية» (7). ولهذا السبب يعدّه بعض الباحثين خادماً مخلصاً للروس (8).كما يُنظر إليه بوصفه المؤسس والمنظّر الأول للنزعة القومية ذات التوجّه الإحيائي نحو إيران القديمة وتراث ما قبل الإسلام(9).
أما جلال الدين ميرزا (1827–1872م)، وهو الابن الخامس والخمسون لفتح علي شاه القاجاري، وكانت تربطه علاقات صداقة بمانكجي وغوبينو وفتح علي آخوندف. وقد عُدَّ، إلى جانب آخوندف، من المؤسسين الأوائل للقومية الفارسية.غير أنه توفي في السادسة والأربعين من عمره بسبب ما قيل إنه فساد في السلوك الأخلاقي وإصابته بمرض الزهري، ولذلك لم يتمكن من أن يخلّف وراءه آثاراً فكرية أو مؤلفات كثیرة.
أما ميرزا آقا خان الكرماني (1854 - 1896م) -الذي كان والد جدته لأبيه زرادشتياً واعتنق الإسلام لاحقاً- فقد ظهر على مسرح الأحداث بعد ذلك بعقدين أو ثلاثة. ومع أنه كان متأثراً بكتابات آخوندوف، إلا أنه كان أشد وأكثر حدة في هجومه على العرب، وكان يكنّ حباً جارفاً لإيران القديمة، وتعصب لا يوصف للدين الزرادشتي. ويمكن اعتباره من أشد أتباع غوبينو حماسةً، حیث تبنّى هذه الأفكار وروّج لها، وكتب في هذا الشأن عدداً كبيراً من الكتب والمقالات. وإذا قلنا إن تأثيره في ترسيخ القومية الفارسية أكثر بكثير من تأثير آخوندف، فلن یكون في ذلك أي مبالغة.
حتى قيام الثورة الدستورية سنة 1906م، لم تكن أفكار غوبينو تحظى بانتشار واسع أو رواج كبير بين النخب والمتعلمین. لکن وبعد الثورة الدستورية ، انتشرت هذه الأفكار بين أشباه الحداثيين، وبلغت ذروة نفوذها مع وصول رضا شاه إلى السلطة. وبما أن رضا شاه وصل إلى الحكم من خلال خطة بريطانية، وأن اردشیر جي ریبورترالجاسوس الأنجلیزي ومن الزرادشتيين الهند، وخليفة مانكجي في إيران کان مخولاً من قبل البریطانیة للبحث عن من یقوم بالانقلاب ، وبالتالي إختار رضاخان لتنفیذ الإنقلاب، لذلک رضاخان کان مدین له ویتبع أوامره. لقد عمل اردشیر جي ریبورتر على ترسيخ الأيديولوجيا القومية المستندة إلى أفكار غوبينو بوصفها الأيديولوجيا الرسمية للدولة الإيرانية. کما أصبح رضاشاه أکثر قومیاً ومتطرفاً من الآخرین.
ويمكن تلخيص أسس هذه الأيديولوجيا على النحو الآتي:
1- تفوّق العرق الآري على سائر الأعراق.
2- أن الفرس هم الآريون الخُلَّص وأنهم يمثلون أنقى فروع العرق الآري.
3- الإيمان بفرضية الانحطاط التي طرحها غوبينو، والقول بأن العصر السابق للإسلام كان أسمى عصور تاريخ إيران وأكثرها مجداً وعظمةً، لأن الدم الآري لم يكن قد اختلط بعد بدماء الساميين .
4- التعصب للديانة الزرادشتية بوصفها ديانة الآريين الأصليين.
5- معاداة العرب واعتبارهم سبب الشقاء والتخلف والمحن التي أصابت إيران.
6- الحطّ من شأن تاريخ إيران الإسلامي، وتجاهل منجزاته العلمية والثقافية.
7 - أن الفرس لا تربطهم أي صلة قرابة بالشعوب المحيطة بهم، بل إنهم أقرب إلى الأوروبيين، وتحديداً الفرنسيين.
وخلال هذه الفترة، لم يكن البريطانيون مكتوفي الأيدي، بل سعوا من خلال مؤلفاتهم وكتاباتهم إلى تعزيز هذه الأيديولوجيا وإسنادها من الناحيتين النظرية والتاريخية. غير أن العامل الذي كان له الأثر الأكبر في تنامي القومية الإيرانية ذات النزعة العرقية كان انتصار النازيين في ألمانيا ووصول هتلر إلى السلطة سنة 1933م، أي بعد ثماني سنوات من تولّي رضا شاه الحكم. فقد كان هتلر والنازيون، استناداً إلى تعاليم غوبينو، يعدّون أنفسهم والفرس منتمين إلى العرق الآري.وبعد سنوات قليلة، أصبح معظم المثقفين والكتّاب، بل وحتى كثير من عامة الناس، مقتنعين بأنهم والألمان ينتمون إلى عرق واحد. ولهذا السبب، سافر عدد من الشعراء والمثقفين إلى ألمانيا ـ حتى قبل وصول هتلر إلى الحكم ـ دفاعاً عما كانوا يرونه «إخوة لهم في العرق»، والمشاركةً في الحرب العالمية الأولی.
ومع مرور الوقت، أخذ رضا شاه يبتعد تدريجياً عن البريطانيين ويقترب من هتلر، وأصبح الحضور الألماني في الحياة الثقافية والسياسية، بل وحتى الاقتصادية في إيران، يتزايد يوماً بعد يوم. وكان هرتسفلد، الباحث الألماني وموظف السفارة الألمانية، يدرّس التاريخ ولغة الفرس القدیمة لبعض أشهر الكتّاب والمؤرخين الإيرانيين وأكثرهم نفوذاً. كما أرسل رضا شاه زوجته وبناته إلى هتلر مصحوباتٍ بالهدايا، في إطار السعي إلى توطيد العلاقات معه.وانضم بعض الإيرانيين أيضاً خلال الحرب العالمية الثانية إلى جهاز الغيستابو وإلى قوات الـ«إس إس»، وقاتلوا إلى جانب ألمانيا ضد قوات الحلفاء، بل أُصيب بعضهم بجروح في أثناء تلك المعارک.
كان القوميون يرون أن العرب والإسلام هما سبب ما حلّ بإيران من شقاء وتخلّف. ولهذا السبب سَعَوا إلى قطع الصلة بالعرب والإسلام. كان آخوندف يفكر في تغيير الأبجدية الفارسية، إذ كان يعدّ هذا الخط إرثاً خلّفه العرب الذين كان يصفهم بالهمج والوحوش. وقد حظي في هذا المشروع بدعم كامل من حكومة روسيا القيصرية.وبعد أن أخفقت هذه المحاولة، أُطلقت في عهد رضا شاه، وخصوصاً خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حركة أخرى ذات الهدف نفسه. وكان أنصارها يقولون: بما أن العرب هم سبب شقائنا وتخلّفنا، فينبغي إزالة المفردات والمصطلحات العربية من اللغة الفارسية، واستبدالها بألفاظ فارسية قدیمة.
إنتهجت الكتب الدراسية، ووسائل الإعلام الرسمية في الإذاعة ، والجامعات، والمجلات، والصحف، في نشر وترويج الأيديولوجيا العنصرية. كما وضع رضا شاه وجميع أجهزة الدولة ومؤسساتها إمكاناتهم في خدمة هذا التيار ودعموا نشاطاته وأهدافه. شيئاً فشيئاً تسلّلت هذه الأيديولوجية إلى أذهان ونفوس الكتّاب والشعراء والباحثين، فصاروا من أشدّ المدافعين عنه والمروّجين له. وكل من خالف مبادئ هذه الأيديولوجيا وأصولها يُوصم بأنه معادٍ لإيران، وخائن للوطن، ومحب للأجانب، وغير وطني، إلى غير ذلك من الأوصاف.
كما قام المؤرخون أيضاً بكتابة تاريخ إيران القديم وتاريخ العهد الإسلامي بناءً على ما کتبه غوبینو. فتمجيد العهد القديم والتعصب للديانة الزرادشتية، تجاهل المجازر التي ارتكبها ملوك ذلك العصر، والترويج لفكرة أن الإيرانيين اعتنقوا الإسلام بحد السيف، وتصوير الجرائم والمذابح المزعومة التي اقترفها العرب لتحقيق ذلك، واعتبار العرب سبباً لكل الشقاء. فأصبحت كتابة التاريخ مشوبةً بنزعة التعالي، وتأجيج الضغينة، ونشر الكراهية.
وخلال هذه الفترة، لم يكن الزرادشتيون بدورهم مكتوفي الأيدي، بل عملوا على تعزيز نفوذهم من خلال التقرب إلى أجهزة الدولة. فقد أُتيحت لهم مساحة واسعة للتحرك في مجال معاداة العرب وإظهار التعصب للديانة الزرادشتية والدفاع عنها. حتى أن تداولت شائعة بين الناس آنذاك مفادها أن رضا شاه قد اعتنق الديانة الزرادشتية.
وبما أن رضا شاه كان قريباً من هتلر، وكانت تربطه به علاقات وثیقة، فإنه لم يسمح لقوات الحلفاء باستخدام الأراضي الإيرانية لنقل القوات والإمدادات العسكرية إلى الاتحاد السوفيتي.ولهذا السبب شنّت قوات الحلفاء هجوماً على إيران، وبعد احتلالها للأراضي الإيرانية أُجبر رضا شاه على التنازل عن العرش، وتم تنصيب ابنه ملكاً على ایران.
أما محمد رضا شاه، فقد واصل تبنّي نفس الأيديولوجية التي كان يتبناها والده، بل بصورة أشد وأوسع نطاقاً. حتى إنه في عام 1973م، وأثناء وجوده في زيورخ، سأله أحد الصحفيين: لماذا تتعاملون مع عرب الأهواز بهذه القسوة؟ فأجاب : «ليس لدينا عرب، وإنما لدينا حفنة من الغجر.
وعلى الرغم من أن الأيديولوجية القومية في اواخرعهد ابن الشاه فقدت بریقها، بسبب حالة الصراع بين الدولة والمجتمع، لکن بما أن المشاعر القومية، ومعاداة العرب، والتعصب للديانة الزرادشتية، وتغظیم إيران القديمة والإشادة بها، أو ما يُعبَّر عنه إجمالاً بالنزعة الآرية متجذرة في اللاوعي الایراني، عادت إلى الظهور من جديد خلال العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة، واستعادت حضورها في الکثیر من الأوساط الفكرية والثقافیة.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا