تحميل موقع شغف

لطيفة العجلان: الفضاء والتجريد ومعرضها الفردي في غاليري فرانكلين باراش

لطيفة العجلان: الفضاء والتجريد ومعرضها الفردي في غاليري فرانكلين باراش

إنه شهر رمضان، ولطيفة العجلان تشعر بإرهاق شديد، لكنها تواصل الرسم. فقد عاشت أسابيع حافلة، تزامنت مع افتتاح معرضها الأخير في غاليري فرح فخري في ساحل العاج، إلى جانب معرضها الفردي الثاني بعنوان «على الطريق، تغيّر شيء ما» في غاليري فرانكلين باراش في نيويورك، والذي افتُتح في وقت سابق من هذا الشهر.

تظهر لوحاتها بوصفها مساحات للتفاوض، حيث يتعايش البناء الصارم مع الرهافة، وحيث يتسلّل المشهد السياسي الراهن إلى العمل من دون تصريح مباشر. ومن خلال الحديث مع العجلان، يتبيّن أن أعمالها لا تتعلّق بالتجريد فحسب، بل بالتجريد باعتباره منهجًا معيشًا. ففي الأعمال الجديدة المعروضة، ثمة إحساس بأن الفنانة تشارك تأملاتها الشخصية عبر هذه اللغة، متنقلة في العالم، تمتص المعاني وتعيد صياغتها عبر سياقات مختلفة.

في معرضها الجديد، يظهر توتر واضح بين أعمال تبدو أكثر حيوية من غيرها. ففي بعض اللوحات، تطفو ألوان نابضة بالحياة، وتتمدّد الأشكال وتتماوج ضمن صيغ ثُمانية الأضلاع، بينما تتّسم أعمال أخرى بالهدوء والتقشّف، مع تركيبات أخفّ وأكثر اختزالًا، ما يبرز قدرة العمل على الجمع بين الديناميكية والعمق الشعوري.

في هذا الحوار الصريح، تتأمل الفنانة مسار تجربتها المتطوّرة، ومعنى أن تكون رسّامة عربية اليوم، وكيف ما زالت نشأتها بين الولايات المتحدة والكويت تؤثّر في أعمالها.

 

التنقّل بين الأمكنة والثقافات

مع تنقّلك المستمر بين مناطق وسياقات ثقافية مختلفة، كيف شكّلت تجربتك مع المكان والزمن طريقة تفكيرك في الفضاء والبنية والانتماء؟

أرى نفسي كخلاطٍ يمزج باستمرار، أسافر وأمتص الأفكار والتواريخ واللغات البصرية من مناطق مختلفة. التنقّل بين الأماكن أثّر في طريقة تفكيري بالفضاء والبنية. أنا متأثرة بكيفية بناء البيئات وتراكمها وتنظيمها عبر الثقافات. بدل أن أنتمي إلى مكان واحد، أعتبر نفسي مواطنة عالمية. هذه العلاقة السائلة مع المكان تسمح لي بإنجاز أعمال غير مرتبطة بسياق واحد ثابت.

 

 

المدن المؤثرة في لغتها البصرية

خارج منزلك في الكويت، هل هناك مدن أو بيئات كامنة تحت سطح لغتك البصرية حتى عندما لا تُذكر صراحة؟ وأين حدثت أكثر تجاربك الفنية كثافة أو تأثيرًا؟

كان التحاقي بـ مدرسة معهد الفنون في شيكاغو ركيزة أساسية في ممارستي الفنية. لم أكن لأصبح الفنانة التي أنا عليها اليوم لولا أساتذتي والدروس التي تلقيتها هناك. كانت بيئة التعليم الفني جديدة عليّ، خصوصًا أنني نشأت في الكويت حيث كان التعليم الفني الجاد والنقاش النقدي محدودين. في المعهد انغمست في نظريات الفن، وقرأت نصوصًا لنقّاد كبار، وتعلمت التفكير بصرامة في عملي. زيارة متاحف شيكاغو كانت أشبه بطفل يدخل متجر حلوى؛ تجربة مبهرة ومربكة ومؤسِّسة في آن. هناك أدركت أن الفنون ليست مجرد اهتمام، بل مساحة أنتمي إليها حقًا.

 

 

الحضور العالمي ومنصات الفن الكبرى

عرضتِ أعمالك في منصات كبرى مثل Art Basel وهي مساحة تغيّر غالبًا نظرة الفنان إلى نفسه وعمله. هل غيّرت هذه التجارب علاقتك بممارستك الفنية؟

 

المشاركة في منصات مثل Art Basel وسّعت إدراكي لمكان ممارستي الفنية ضمن حوار عالمي أوسع. وجودي بين مقاربات متعددة للتجريد والرسم المعاصر جعلني أرى عملي جزءًا من محادثة مستمرة، لا تجربة معزولة. أشعر بالامتنان لالتقائي بفنانين من أجيال أقدم شاركوا خبراتهم بسخاء، وساعدوني على التفكير في الاستمرارية والالتزام الطويل بالممارسة الفنية.

وبوصفي رسّامة عربية شابة تعمل في الولايات المتحدة، أجد نفسي تدريجيًا داخل المشهد الفني في نيويورك. الوجود هنا يمنحني احتكاكًا دائمًا بالفنانين والمؤسسات والنقاش النقدي الذي يساهم في تطوري. وفي الوقت نفسه، يتيح هذا الحضور لأعمالي أن تقدّم للجمهور حساسية ثقافية مختلفة داخل التجريد، بما يخلق مساحة تبادل يكتشف فيها الفنان والمتلقي شيئًا جديدًا معًا.

 

 

 

الاعتراف المؤسسي ومسار العمل

 

حصولك مؤخرًا على تقدير من Art Cube وإعلانات التمثيل الفني يوحي بقراءة مؤسسية جديدة لأعمالك. ماذا يعني ذلك لك داخليًا؟

كان الاعتراف من Art Cube وإعلان التمثيل الفني بمثابة تأكيد هادئ وشكل مهم من التقدير. منحني ذلك شعورًا بالاطمئنان بأن الاتجاه الذي التزمت به — التركيز على البنية والمادة ولغة التجريد — يُفهم ويؤخذ على محمل الجد. وبوصفي فنانة دولية تعمل في الولايات المتحدة، شعرت أيضًا بنوع من القبول داخل عالم الفن.

وبالنسبة لي كفنانة عربية، يحمل هذا الاعتراف وزنًا إضافيًا، إذ لا يزال حضور الرسامين العرب العاملين في التجريد داخل السياق الأميركي نادرًا نسبيًا. لم يغيّر ذلك اتجاهي، بل عزّز التزامي بالعمل نفسه وببناء ممارسة فنية واثقة ضمن حوار عالمي أوسع.

 

 

التعاون مع فرح فخري

 

تمثيلك الجديد مع فرح فخري، وهي صاحبة غاليري عربية، يبدو ذا دلالة خاصة. ماذا يمثّل هذا القرار ثقافيًا ومهنيًا وشخصيًا؟

 

العمل مع فرح فخري يحمل معنى عميقًا على عدة مستويات. ثقافيًا، هناك فهم مشترك ينبع من العمل مع قيّمة فنية عربية من خلفية لبنانية–عاجية، وهوية تتحرك بين الثقافات مثل تجربتي تمامًا. هي تبني جسورًا بين المجتمعات، وهذا ينسجم مع ممارستي القائمة على الحركة والتبادل وتراكم التجارب الثقافية. يخلق ذلك مساحة يُفهم فيها خلفيتي كجزء طبيعي من رؤيتي، من دون الحاجة إلى شرحها أو اختزالها.

مهنيًا، يمثّل التعاون توافقًا في الرؤية والتفكير طويل الأمد حول نمو العمل وموقعه. من المهم بالنسبة لي العمل مع شخص يهتم ليس فقط بالظهور الإعلامي، بل ببناء ممارسة فنية عميقة ومستدامة.

أما شخصيًا، فأشعر بالاعتزاز لكوني جزءًا من شبكة نساء من منطقتنا يساهمن في عالم الفن بأدوار مختلفة، مع إحساس متبادل بالدعم والمسؤولية لتوسيع حضور أصواتنا في الحوار الفني العالمي.

 

أسئلة العمل الجديد

 

ما الأسئلة التي ترغبين أن يحملها مشروعك الفني الجديد؟

 

في هذه المجموعة الجديدة، يتركز اهتمامي على أسئلة الفضاء: كيف يمكن أن يكون مُشيَّدًا ومنفتحًا في آن، حاضرًا ومراوغًا في الوقت نفسه. أصبح عملي مؤخرًا منصبًا على كيفية تشكّل الفضاء عبر البنية والطبقات والفواصل الزمنية. وكيف يمكن للفراغ أن يحمل وزنًا يعادل الكثافة.

أفكّر أيضًا في كيفية حمل الفضاء للذاكرة والحضور الثقافي بطرق خفيّة، حيث توحي تغيّرات الحجم والإيقاع والمادة بشيء يُشعَر به أكثر مما يُوصَف. العمل بات أكثر حساسية لكيفية تنفّس الأشكال وتباعدها وعلاقاتها ببعضها، بحيث يتحوّل الفضاء نفسه إلى عنصر فاعل لا مجرد خلفية.

 

المصدر: صحيفة Artcurrently