تحميل موقع شغف

شوقي بزيع لـ«شغف»: الشعر ليس مراسلًا حربيًا

شوقي بزيع لـ«شغف»: الشعر ليس مراسلًا حربيًا

 

ينطلق تقييم أو رسم الواقع الشعري والأدبي في العالم العربي خصوصًا والعالم عمومًا من خلال الزمن الذي أعطاه المفكّر الفرنسي بول ريكور  بعدًا ومعنى انساني، فالزمن الذي تأثر بجملة متغيرات وأحداث من الحربين العالميتين الأولى والثانية وقبلهما الثورة الصناعيّة والثورة التكنولوجيّة وسقوط الثنائيّة القطبيّة المتمثلة بسقوط الاتحاد السوفييتي وتكريس منطق العولمة وثورة الذكاء الاصطناعي، عكس تأثّره على الأدب والشعر تحديدًا، وفي العالم العربي جملة تحوّلات طالت القصيدة من ولادة قصيدة التفعيلة مرورًا بقصيدة النثر وصولًا إلى ربط الأدب بالذكاء الاصطناعي وبالحروب والمتغيّرات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في المحيط العربي، ونزوح عدد كبير من الشعراء في لبنان والعالم من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية، لكن وللمفارقة أن الشاعر الذي سنحاوره اختار أن يحاور الزمن ويفاوضه وأن يبقي ثيمات مثل المرأة والمكان والسنّ والموت والحياة أحجار دومينو يطرحها على شكل قصائد ومؤخرًا دخل بقوّة وبصيغة مستمرّة حقل البحث وخرج بكتابين نقديين بحثيين يوثّقًان حياة المبدعين مع الحب كحالة وجدانيّة مفهوميّة والزواج كمؤسسة اجتماعيّة يتوسل منها المرء السكون والاستقرار، هو شوقي بزيع الشاعر الذي صاغ قمصان يوسف بعيدًا من الرواية الدينية التقليديّة ورثى الغبار كما رثى ايمن والكثير من الشعراء وكتب صوت فيروز بأحرف موزونة فيها من رائحة الأرض والسماء، وهاجر مع الكلمات ليقرأ بشكل اشكالي أبرز القضايا الأدبيّة الحديثة.

كان لـ" شغف " حوارًا معه في أوّل خطوات انطلاقتها ليطلّ على الرواية والنقد والشعر والحرب والذكاء الاصطناعي والكثير من القضايا الأدبيّة والمجتمعيّة.

 

 

 

1-         لماذا تركت الشعر وحيدًا؛ هل وجدت مساحتك في النقد والبحث

وهل نراك في حقل الرواية يومًا ما؟

 

لا أعتقد أنّني أنا الذي تركت الشعر، فلا أحد يترك الشعر والفنّ بملء إرادته، لأنّ الشعر لا يقاوم ولصيق بدورة الدم والشرايين وجزء من تكوين المرء، لكنّه يذهب ويأتي على حين غرّة دون استأذن، وقد خذلت شياطين الشعر العديد من الشعراء العرب على مرّ العصور والأزمنة، وكانوا يتعاقدون مع شيطان آخر في حقبة شبابهم.

لا أعرف لماذا تركني الشعر، لكنّه كان مرتبطًا بالمقهى الذي كنت أكتب به " مقهى الدبيبو"، والذي أقفل أبوابه فقد كان يهيّىء لي الصورة والخيال والفكرة، وقد كتبت عنها قصيدة، واعتبرت فيها أنّي امتلك صخرة اللغة وهو له صخرة الروشة، وقلت أني لا أدري متى تخذلك صخرة الروشة وترمي بنفسك كالمنتحرين وأنا لا أعلم متى تخذلني صخرة اللغة، لكن المفارقة أني كتبت 17 مجموعة، وبالرغم من تقدمي في السن لكني على يقين أنه سيعود لي.

بالنسبة لكتابة الرواية، لا أرى نفسي كاتب رواية وأعتقد أن الحياة أقل من تقسيمها إلى نوعين أو غرين اساسيين في الأدب سواء الشعر أو الرواية.

سأظل مخلصًا للشعر وفاتحًا ذراعيّ له وإذا كتبت عملًا سرديًّا سيكون سيرة ذاتيّة، وأنا أساسًا مفتون بلغة النثر سواء في الصحافة أو العمل الأدبي، لكنّ هجرة الشعر لم تحرضني على كتابة النثر بقالب الرواية أو القصّ.

 

 

 

 

2-         مع استمرار الاحتلال والعدوان الاسرائيلي على لبنان...هل ما زال الشعر يحرّضك على قول ما لم تقله ؟

 

حتّى الاحتلالات والنكبات التي نعيشها لم تستطع إعادتي إلى الشعر، لأنّ الشعر إذا أراد الحضور سيحضر بمعزل عن موضوعاته، قد يحضر في الاسءلة الوجوديّة أو الحب أو الجنوب أو الحرب، وما كتبته سابقًا عن الجنوب يغطّي كل ما نعيشه الآن، إلى حدّ أن الأمسية التي أقمتها قبل أيّام في مسرح مترو المدينة وجدتني أقول ما ينطبق على اللحظة الراهنة، من خلال قصائد " البيوت"، "سأحمل صوتك المكسور إلى قريتي"، " دير قانون النهر" وغيرها كأنّي أكرّر ما حصل سابقًا، وهذا يؤكد أن زمن الشعر ليس منقطعًا أو منبتًّا عن الماضي أو المستقبل.

الشعر ليس مراسلًا حربيًّا يغطي المواجهات والاستهدافات اليوميّة، الشعر يتفاعل مع المرء والحالة من الداخل، فقصيدة الصوت التي كتبتها بعد استشهاد بلال فحص كتبتها بعد عام كامل من استشهاده لكنّها خرجت طازجة، ولمّا كتبت مرثيّة الغبار كتبتها على مدى ثلاث سنوات، وشعرت حينها أنّي غير متكلّف وأقوم بمحاورة دراماتيكيّة بين الطفل الذي داخلي والشاب الذي أنا عليه في سنّ الأربعين، فيما الحرب تفصل بيننا بهوّة كبيرة وكلّ منا يلوّح للآخر ويسأله ماذا فعلت بي.

 

 

3) في ظل وجود الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي هل برأيك الحركة الأدبيّة تتأثر بهذا التقدم وهل يمكن على المدى المنظور أن يكون هناك تطبيعا بين الذكاء الاصطناعي والأدب؟

 

أنا من جيل لا علاقة له بالتقنيات المستحدثة، ولم أتكيّف مع الذكاء الاصطناعي ولا بمحرّكات البحث، ما زلت أؤمن بالكتاب كمرجع، ولا زلت أؤمن من واجبي أن أجد علاقات بين الكتب التي أقرؤها والمعارف التي أحصّلها، وهذه الشبكة يجب أن تكون على قدر من التجانس، ولا أحب النوم على حرير التقنيات، ولا الاتكال على أحد للقيام بمهمّة، ولا أقرأ الا الكتب الورقيّة.

أمّا علاقة التقنيات بالأدب، فهي يمكن أن توفر لنان هيكل الأدب الخارجي، لكنها لا توفر النار والروح والدفء والحرارة التي توفرها الموهبة والجهد الانساني، والتكنولوجيا لا تتقدم طرديًّا مع الأدب، فالأدب لا ينسخ بعضه، فالنصوص الرائعة تتجاور، والأدب هو العودة إلى الوراء للبحث عن ينابيع اللغة وعن الطفولة والأطفال هم شعراء العالم الكبير، لكن كل هذا لا يعني وجود طلاق بين المجالين، والأدب لا يعيد توليد الأمور بشروط الآخر أو المجالات المغايرة بل بشروطه هو.

 

 

4) ما هي القصيدة التي تتمنى أن تعيد كتابتها مرّة جديدة؟

ليس هناك من قصيدة إلّا وأتمنّى أن أعيد كتابتها مرّة جديدة، لكنّي لم ولن أفعل ذلك، لأنّ الشعر رمزًا للنقصان، فالقصيدة لا تمثّل الكمال، والقصيدة تمثل حالتها، لكن من قال أنّ ما كتبناه على الورق سيكون أفضل ممّا رميناه في سلّة المهملات، ولهذا أشعر دائمًا أن البديل قد يكون أسوأ ممّا كتبناه، فلا يقين في الأدب

 

 

5)لماذا ارتأيت الابتعاد عن عالم الرواية والقصص وبقيت وفيًّا للشعر؟

أرى دائمًا أنّ الانسان يتجلّى بنوع واحد من الأدب مع احترامي لمن يوزّع تجربته بين الشعر والرواية .

 

 

6) في أحد لقاءاتك قلت أنك لو استطعت لحذفت ثلث شعرك، هل هو نوع من التبرؤ أو الحرص على التجربة؟

ما قلته هو نوع من الشعور بأنّ ثمّة قصائد قطفت قبل أوانها، فإذا اعتبرنا الشعر فاكهة وهو فاكهة الروح بالمناسبة، فهناك قصائد قطفت قبل أوانها وقصائد قطفت بعد أوانها، في الحالين أشعر بأن هذه القصائد يمكن تلافيها، وهذا الموضوع اشكاليّ، لأنّ كلّ قصيدة هي مصادفة وتأتي بغتة دون وعي لها، لهذا أقول أنّي لم أتبرّأ من أي قصيدة أو أي عمل شعري.

 

 

7 ) كيف تقرأ تجربتك بعد هذا العطاء ،من عين  الناقد او القارئ المتذوق للشعر؟

لستُ أنا من يقرر ويحاكم شعري وتجربتي.

 

 

8) بعد هذا الكم الهائل من التكريمات والشهادات المستحقة، ما هو التكريم الاسمى الذي تسعى اليه اليوم كشاعر؟

موضوع التكريمات والجوائز حمّال أوجه ككثير من القضايا في الحياة، أذكر أنّي في سن السادسة عشر كرّمت على مقالات كتبتها وكنت في مطلع شبابي، حينها أجرت شركة أرامكو مسابقة لكتابة مقالة عن تجربة الشركة الواقعة على شاطىء الزهراني وأذكر أنّي فزت بالجائزة الثانية على مستوى لبنان، هذه الجائزة بالنسبة لي تعادل جائزة العويس برمزيّتها لأنّها أعطتني دافعًا للكتابة، وكذلك الأمر فيما يخص جائزة الشعر الأولى في الجامعة اللبنانيّة عام 1972

في أي حال، الجوائز هي حوافز ومحطّات تدفعنا إلى المزيد من العطاء، وقد تكون نومًا على الحرير، وقد تضع نقطة على سطر التجربة.

 

 

 

9) انت حاليا تعمل على مشروع بحثي حول الحب ومفهومه وارتباطه بالأدب هل هذا البحث قابل للتطوير وهل ستعالج الموضوع انطلاقا من تجربة انسانية او من زاوية بحثية؟

أنا من أكثر شعراء جيلي اهتمامًا بثيمة الحب، والمحاولة المستحيلة لفك هذا اللغز، وهذه التجربة الأم ومنطلقها، وثلث ما كتبته من شعر يتحلّق حول سؤال الحب، وبعدها وجدتني اهتم بهذه الثيمة من خلال مقالاتي في صحيفة الشرق الأوسط، وحوّلت معظمها لمؤلفات، وأصدرت قبل أربع سنوات كتاب " زواج المبدعين ثراء المتخيّل وفقر الواقع " واستلهمت عنوان من تجربة تأخري في الزواج، وسلّطت الضوء على تجربة الزواج وما تعنيه للمبدع، وهو محاكاة بين ما نريده أن يكون وما بين الواقع، وما زلت عند رأيي هي مؤسسة مبيدة للمكان الذي يصدر عنه الشعر، أمّا الكتاب الثاني هو " المبدعون عشّاقًا فتنة اللاممتلك وسحر المنادى الغائب"، طرحت فيه انتصار الحب على الزواج والمحلوم به على الواقع المعاش، ووجدت بعد تقديمات بحثيّة، انماط عشاق انتصروا للحب ورفضوا الزواج،ووجدت الأفضل تناول الحب من منطلق بحثي وتحليلي وتناولت الحب وعلاقته بالأسطورة والدين وتجليات الحب في الشعر والحداثة، وأتمنى أن يحظى بالصدى  الكافي، وسيكون الأهم على مستوى الشمول.

 

 

10) ما الذي جعل الرواية برأيك تزيح الشعر عن خشبة القراءة ؟

أنا أوافق أن الشعر يتراجع منذ ثلاثة عقود قياسًا بالرواية، لكن هذا لا يعني أنّ الشعر في حالة ضمور، فالشعر هو أب الفنون، وهناك فنون تتغذى من الشعر، ومنها السرديّة، وهناك فنون تحاول قتل الشعر بالمعنى الفرويدي، لكن الشعر يعبر عن القلق الوجودي الانساني.

ما دام الموت قائمًا ونريد أن نقمعه بصيغة رمزيّة فالشعر موجود، أمّا الرواية تحررت من الشعر، فالحياة صارت سريعة والانسان يسعى الى الشبع في مختلف أوجهه  وهو ما لا يمكن تحقيقه في العالم الرأسمالي، لذلك الرواية فن سهل يأنس اليه البشر، والرواية يستخدم فيها أدوات لبناء حيوات موازية يمكن الانسحاب منها في حالات الهلاك، ويمكن أن يتماهوا معها في حالة النشوة والانتصار.

 

 

 

 

11) كيف تصف واقع القراءة العربية بكلمة؟

للأسف معدّل القراءة في العالم العربي هو الأقل بسبب انشغال الناس بالأوهام والحرب والقتل والعنف والبحث عن اشباع الغرائز، وهو واقع لا يترك للقراءة إلا النذر القليل من الوقت، وإذا  توفر سيكون لقراءة ما يشبع الغرائز ككتب الطبخ والأبراج والسحر، لهذا لا أشعر أبدًا في الأفق ما يبشّر بالخير.