حين تدخل إلى مقهى الروضة، وما إن تجتاز بابه الخشبي العتيق، حتى تشعر كأنك تعبر إلى طبقة أخرى من دمشق؛ دمشق التي لا تُقاس بالزمن وحده، بل بالذاكرة أيضاً، هناك، على الجهة اليسرى، يجلس الروائي خليل صويلح على كرسيه المعتاد، يتصفح الجرائد ويرتشف الشاي بهدوئه المعروف، كأن الزمن لم ينجح يوماً في انتزاعه من هذا المكان، أو كأن المكان نفسه صار جزءاً من سيرته وكتابته.
حتى عندما اندلعت الثورة السورية، وأصبحت المدينة تعيش على إيقاع القصف والخوف والترقب، أصرّ على البقاء والكتابة تحت أصوات الانفجارات وتهديد قذائف الهاون التي كانت تسقط على دمشق، ظلّ وفياً لطقسه اليومي، كما ظلّ وفياً لمدينته التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد فضاء للسكن، بل مادةً حيّة للسرد، وخزاناً للذاكرة، ومختبراً دائماً للحكايات.
في أعماله، لا يكتب خليل صويلح دمشق بوصفها خلفية للأحداث، بل بوصفها كائناً حياً يتنفس ويشيخ ويقاوم النسيان، شخصياته غالباً تبدو عالقة بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والفقدان، بين الواقع وما يتخفى خلفه من طبقات خفية، لهذا تبدو كتابته مشغولة دائماً بأسئلة الهوية، والعزلة، والتحولات التي تصيب الإنسان حين تتغير المدن من حوله.
واليوم، بعد أن تحررت البلاد، يعيش خليل الطقس ذاته؛ يلتقي بالعائدين، يحتفي بوجوه غابت طويلاً ثم عادت، ويواصل جلوسه في الركن نفسه، كأن شيئاً في هذا المكان بقي يقاوم كل التحولات.
ومعه تدرك أن العلاقة بين الكاتب ومدينته ليست علاقة عابرة، أحياناً لا يعود السؤال كيف سكن الكاتب المدينة، بل كيف سكنت المدينة الكاتب، وربما لهذا يبدو خليل صويلح واحداً من أولئك الذين لم يكتبوا دمشق فقط، بل سمحوا لدمشق أن تكتبهم أيضاً.
في هذا الحوار، نحاول الاقتراب من عالمه؛ من الكتابة، والمدينة، والذاكرة، ومن الأسئلة التي ظلت ترافق مشروعه الأدبي عبر السنوات.
لو احترق كل ما كتبتَ وبقي كتاب واحد فقط من مكتبتك الشخصية، أي كتاب تختار أن ينجو؟ ولماذا؟
ـ سأختار كتاب "ضد المكتبة" لأنه يختزل كل الكتب التي تركت وشماً فوق الجلد بما فيها الشرارات الأولى لمسودات رواياتي.
ما أكثر فكرة كنت تؤمن بها في العشرين من عمرك وتبدو لك اليوم ساذجة؟
- فكرة العدالة وانهيار الديكتاتوريات
هل تشعر أحياناً أن القارئ يعرفك أكثر مما يعرفك أصدقاؤك؟
ــ قارئ مجهول أفضل من صديق يتصيّد الأخطاء
ما الشيء الذي أخفته عن القراء طوال هذه السنوات رغم أنك كتبته بطريقة غير مباشرة في أعمالك؟
- الغراميات المجهضة
هل تخاف من أن تتحول حياتك الشخصية نفسها إلى مادة روائية عند الآخرين؟
- لكل شخص صندوقه الأسود الذي يصعب اختراقه من قبل الآخرين
لو طلب منك أن ترسم خريطة دمشق من ذاكرتك فقط، ما الأماكن التي ستظهر أولاً؟ وما الأماكن التي ستتعمد محوها؟
- مقهى الروضة، شارع العابد ومحيطه، محطة الحجاز، ساحة المرجة، باب شرقي، ثم سأدير ظهري للعشوائيات.
هل المدن التي نغادرها تموت فعلاً أم أنها تستمر في الكتابة من خلالنا؟
- في هذا المقام لطالما رددت قصيدة قسطنطين كافافيس عن المدينة "لن تجد بلاداً أخرى، لن يرسو قاربك على شاطئ آخر، فحيثما ذهبت.. ستتبعك هذه المدينة كظلك.
وستجد نفسك تضيع في ذات الشوارع، وستكبر في ذات الأحياء، ويشيب شعرك في ذات الأزقة".
أيهما أكثر حضوراً في رواياتك: دمشق الحقيقية أم دمشق التي اخترعتها الذاكرة؟
- في رسم صورة دمشق روائياً، أعمل كطوبوغرافي في فحص تضاريس المدينة ومعارجها، واستعادة الأماكن التي خبرتها عن كثب بتحديقة مختلفة.
هل هناك شارع أو مقهى أو بيت دمشقي تشعر أنه كتب جزءاً من أعمالك أكثر مما كتبته أنت؟
- أظن أنني لم أمنح حي ساروجة ما يستحق رغم حضوره في أكثر من رواية لي، فهذا الحي شهد حرائق متتالية ابتلعت آلاف الوثائق النادرة، ومنه انطلقت منجنيقات هولاكو في تدمير المدينة، وفي أحد تفرعاته تحوّل قصر أحمد علي العابد أول رئيس للجمهورية إلى دكاكين لتصليح الأحذية.
هل مررت بتجربة كرهت فيها القراءة لفترة طويلة؟
- لا، القراءة مهنة مقدّسة بالنسبة لي، أو كما يقول بورخيس: أتخيّل الجنّة على هيئة مكتبة.
ما أكثر كتاب شعرت بعد قراءته بالغيرة من صاحبه؟
- لا كتاب واحداً، ففي كل وردية قراءة أكتشف كتاباً ملهماً، وأحياناً عبارة في كتاب تخلخل طمأنينتي، رواية "دون كيخوته" لسرفانتس تميمة في الكتابة العابرة للأزمنة.
هل هناك كتاب تمنيت لو أنك أنت من كتبه؟
- كتب لا تحصى، أتأرجح بين رواية غابرييل غارسيا ماركيز "ليس لدى العقيد من يكاتبه"، و"ساعي بريد نيرودا" لانطونيو سكارميتا.
لو اضطررت إلى إغلاق مكتبتك والاحتفاظ بعشرة كتب فقط، بأي معيار ستختارها؟
- لم أعش هذا الاختبار، ولا أظن أن عشرة كتب تكفي، وفي حال اضطررت لخوض هذا الاختبار سأختار وليمة من روايات جوزيه ساراماغو، ومؤلفات الجاحظ والتوحيدي.
في رواياتك حضور دائم للندم والذاكرة، هل الندم وقود للكتابة أم مرض مزمن للكاتب؟
- نندم لكي نرمم عثرات الطريق، فوراء كل لحظة ندم حفرة ينبغي ردمها، الندم نوع من الاستغاثة.
إذا أتيح لك حذف سنة كاملة من حياتك، هل تفعل؟
- لا، لن أفعل، لا يوم بلا معنى مهما كان حجم الهلاك والأسى.
ما أكثر ندمٍ شخصي تحول لاحقاً إلى مادة أدبية؟
- اشتغلت على ثيمة الندم كوجع جماعي لا كوجع شخصي في روايتي "اختبار الندم"، بقصد تفكيك لحظة سورية حرجة أفرزتها سنوات الحرب والانهدامات النفسية للكائن السوري.
هل الكتابة محاولة لفهم الماضي أم للهروب منه؟
- في الكتابة تختلط الأزمنة وتشتبك المصائر، وتالياً، لا يمكن عزل آثام الماضي عن ارتباكات اللحظة الراهنة. ما يفعله الروائي هو توثيق الألم في المقام الأول.
ما الجملة التي حذفتها من إحدى رواياتك وندمت لاحقاً على حذفها؟
- ارتكبت حماقات كثيرة في كتابة روايتي "ورّاق الحب" لجهة تقشير طبقات المكاشفة، لو أعدت كتابتها اليوم، ربما سأفتش عن طرق جانبية في معالجة بعض المواقف، عموماً، هذا ما يحدث في المسودات الأولى قبل ترميمها بعبارات أقل خشونة.
متى تعرف أن الرواية انتهت فعلاً؟
- عندما تكتمل المتاهة، حيث لا طريق للنجاة.
هل تثق في المسودة الأولى أم تعتبرها مجرد فوضى ضرورية؟
- المسودة الأولى هي المسودة الأخيرة تقريباً، عدا بعض الترميمات الطفيفة، فالمهم حالة الرضا عن الجملة الأولى في الرواية، فهي التي تحدد مسالك النصّ اللاحقة.
ما أكثر صفحة أتعبتك في حياتك الأدبية؟
- لا صفحة واحدة، إنما الرواية كلها، أعيش حالة مستمرة من القلق الدائم، في روايتي "احتضار الفرس" كنت غارقاً في كيفية هندسة المقابر الجماعية ولملمة الأعضاء المبتورة للموتى، وزيارة الراوي لقبر أمه لعدم تمكنه من حضور جنازتها.
لو مُنعت من الكتابة نهائياً، ما المهنة التي يمكن أن تمارسها دون أن تشعر بالخيانة لنفسك؟
- مهنة القارئ.
أي صوت من أصوات دمشق القديمة تخشى أن يختفي إلى الأبد؟
- يصعب تخيّل مدينة بلا أصوات وروائح واستغاثات، وإلا كنّا حيال مقبرة.
ما أكثر شيء لا يفهمه الناس عن حياة الكاتب؟
- العيش في حياة موازية، بصحبة الشخصيات التي ابتكرها كما لو انها حقيقية.
هل تعتقد أن الرواية قادرة على النجاة من عصر الفيديو القصير؟
- لا خطر على الرواية من الوسائط الأخرى، لأنها معدة ضخمة لهضم كل الأجناس الأخرى، بدليل عودة دور النشر إلى طباعة الروايات الكلاسيكية، ما زالت "آنّا كارنينا" لتولستوي تتجوّل في المكتبات.
لو استيقظت غداً دون ذاكرة، هل ستعود إلى الكتابة أم ستبحث أولاً عن حياتك السابقة؟
- روائي بلا ذاكرة؟! عقوبة بمنتهى درجات العسف، كمن يُستدرج إلى منصة الإعدام
ما السؤال الذي كنت تتمنى أن يطرحه عليك صحفي ولم يحدث ذلك حتى الآن؟
- هل تبكي في وحدتك؟
بعد كل هذه السنوات من الكتابة، ما الذي ما زال يدهشك في العالم؟
- لم يتوقف الكوكب عن إدهاشي يوماً، فمفردات الموت والقتل والوحشية والكراهية والعنف والحروب متوفرة في صيدليات العالم المجنون أكثر من أدوية الصداع.
خليل صويلح: ماذا بقي من الكاتب السوري بعد أن تغيّرت البلاد؟
- متسوّل حنان وعناق وألفة في بلاد تبيع الخراب بالجملة والمفرّق.
هل تعتقد أن الكاتب السوري الذي بدأ الكتابة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي هو الشخص نفسه الذي يكتب اليوم؟
- ما كان حديقة متخيّلة في الأمس، صار مستودع أنقاض وخردة وحطام عاطفة.
هل غيّرت الأحداث نظرتك إلى دور الأدب نفسه، أم ما زلت تؤمن بالوظيفة ذاتها للرواية؟
- ما حدث، أن الحرب قادتنا برسن إلى حظيرة متخمة بعلف العنف، لطالما فكّرت أن أكتب رواية عشق خالصة، لكن الحرب صادرت كل ما عداها، ولا أظن أننا سننجو قريباً من هذا الحطام.
هل أصبحت الكتابة أصعب أم أكثر ضرورة؟
- الكتابة النوعية صعبة على الدوام بصرف النظر عن المحتوى.
عندما تكتب سوريا اليوم، هل تكتب مكاناً حقيقياً أم بلداً أصبح موجوداً في الذاكرة أكثر مما هو موجود على الأرض؟
- لم أغادر البلاد كي اخترع ذاكرة لها، لقد أهدتني الحرب أربع روايات ما كان لها أن تُكتب لولا الغرق في جحيمها وجهاً لوجه.
ما الذي خسرته دمشق ثقافياً ولا يمكن استعادته بسهولة؟
- خسرنا ثقافة العناد، الكتابة من موقع الضد، الآن تحولت الثقافة السورية إلى دلو فارغ، وبئر مهجورة، وشعارات جوفاء، ومنصة للاعبي السيرك، كمن يطوي شراع سفينة ممزّقاً، أو طريقاً تتناوبه الحفر والمطبات والمنعطفات الخطرة، فما حدث فعلاً، ليس حادثاً مرورياً عابراً بقدر ماهو مأزق معرفي أصاب الجسم الثقافي السوري في الصميم، نعبر شارع المتنبي، نتوقّف امام صالة سينما الكندي نتفقد ما بقي في الأرشيف البصري للبلاد بعد تحويل الصالة العريقة التي شهدت أعظم عروض الأفلام العربية والعالمية إلى "مركز ثقافي" للدروس الشرعية، هذه الانعطافة الحادة تختصر المشهد الثقافي في البلاد ومحاولات إزاحة كل ما هو حداثي لمصلحة ثقافة عقائدية تقوم على الاستحواذ، وذلك باختراع أسماء بلا نسب إبداعي صريح، والعمل على هدم البنية التحتية للثقافة بمقترحات بديلة وهشّة تنطوي على جهل في تقويم المشهد.
هل ما زالت المدينة التي تسكن رواياتك موجودة فعلاً؟
- دمشق الآن مدينة أخرى، لم اختبر الكتابة عنها بعد، على الأرجح سأحتاج إلى وقت أطول في اكتشاف أسرارها.
إذا كان عليك أن تشرح دمشق لشاب لم يعرفها قبل التحولات الكبرى، من أين تبدأ الحكاية؟
- سأستعير ما قاله ابن عساكر "دمشق تُكتب كما تُبنى"، ذلك أن مؤرخ دمشق لم يدافع عنها بالسيف في مواجهة تهديدات الزمن والاندثار، بل دافع عنها بالكلمات لامتلاكه سلطة إعادة تمثيل المكان، دمشق اليوم لا تحتاج إلى حكواتي المقهى بقدر حاجتها إلى علم الاجتماع.
هل خرج المثقف السوري من السنوات الماضية أكثر حرية أم أكثر عزلة؟
- حرية في الوقت المستقطع ريثما تكتمل أسباب التمكين لنصّ مستعار ومستبد، أفضّل الإقامة في العزلة.
هل تعتقد أن الثقافة السورية دفعت ثمناً أكبر مما نتخيل؟
- كانت الثقافة السورية أسيرة أصفاد مرنة، ولغة مراوغة، أما الآن، فتجري تدريبات على إدخالها القفص العقائدي، لكي تتعلم "عجين الفلاحة".
في لحظات التحولات الكبرى، هل شعرت أن الأدب عاجز عن ملاحقة الواقع؟
- ليس من مهمة الأدب تمثيل الواقع كما هو بقدر اهتمامه باختراع واقع مشتهى
هل ما زال الكاتب قادراً على التأثير في المجال العام كما كان في السابق؟
- لقد تهاوت صورة المثقف عموماً تحت ضربات معاول السلطات المستبدة ودفنه في قبر ضيق بلا كفن.
هل ينبغي للرواية أن تؤرّخ أم أن تترك مهمة التاريخ للمؤرخين؟
- تعتني الرواية اليوم بموقع عالم الاجتماع أكثر من عنايتها بعمل المؤرخ، نقرأ الطبري مثلاً، لا كمؤرخ، إنما كروائي مؤجل تبعاً لمنسوب التخييل لديه.
بعد كل ما شهدته سوريا، ما القصص التي لم تُكتب بعد؟
- معظم ما كُتب من قصص يدخل في باب التوثيق أو الثأر من خصم متخيّل، أما ما هو روائي بالكاد نجده في متون السرد، وتالياً ما أنُجز مجرد فزعة بدوية في إطاحة الخصم.
هل تخشى أن تتحول المأساة نفسها إلى "موضة أدبية"؟
- حسب بعض الإحصاءات، أفرزت الثورة السورية وآثام الحرب نحو 400 رواية! لكن فحصاً دقيقاً سيطيح معظمها بسبب فقر الدم التخييلي والاعتداء العلني من جيوش الهواة على وليمة الدم المستباحة كما لو أنها نسخة من "موائد الرحمن" الرمضانية.
كيف تنظر إلى الأصوات السورية الشابة التي تكتب اليوم؟
- معظم الكتابات الروائية القديمة والجديدة تنتمي إلى مفهوم الفزعة، روايات مكتوبة بحبر مستعار وغبار معارك طائشة، وأوهام شهرة.
ما النصيحة التي لم يقدمها أحد لك في بداياتك وتتمنى لو سمعتها؟
- لا يحتاج الكاتب الأصيل إلى نصائح، سيكتشفها بنفسه عبر قراءة الآخرين، وتراكم التجربة، وخيانة الوصايا.
لو عاد بك الزمن إلى بداياتك في الحسكة، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟
- لو لم أغامر بمغادرة المكان الأول باكراً، لما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم بالتأكيد.
هل تشعر أن الكتب التي كتبتها أنقذت شيئاً من الذاكرة السورية؟
- هكذا أتوهّم، أقله حين يوقفني قارئ في الشارع ويبلغني أنه قرأ إحدى رواياتي بإعجاب.
ماذا تعلمت من الخسارات التي لا تُعوّض؟
- كل خسارة هي ربح لاحق، ما أخسره اليوم يعلمني درساً للغد.
هل يصبح الإنسان أكثر حكمة أم أكثر هشاشة مع التقدم في العمر؟
- أكثر هشاشة بمراحل، الهشاشة جرعة إضافية في استعادة الإنسانية المفتقدة.
إذا كان عليك أن تكتب جملة واحدة تلخّص ما حدث لسوريا خلال حياتك، ماذا ستكون؟
- هذه ليست بلاداً، إنها متحف للأنقاض.
ما الذي ما زلت تؤمن به رغم كل شيء؟
- الحب بوصفه علاجاً لكل الأمراض المزمنة.
وماذا بقي من خليل صويلح نفسه بعد كل هذه التحولات؟
- شخص في غرفة الإنعاش يراقب أنبوب السيروم وهو ينحدر نحو الأسفل نقطة نقطة.
يضعك بعض النقاد في سلالة أدبية تمتد من محمد الماغوط إلى حيدر حيدر وخيري الذهبي. هل ترى نفسك امتداداً لهذا النسب الأدبي أم أنك حاولت الهروب منه منذ البداية؟
- لدي آباء كثر، هناك صلة قرابة شعرية مع محمد الماغوط.،حين قرأته باكراً رسم منعطفاً عميقاً في ذائقتي كقارئ، في الكتابة الروائية سعيت لتشييد نص مختلف عن طريق تهجين أكثر من جنس إبداعي فوق قماشة واحدة.
ما الذي تعلمته من محمد الماغوط ولم تتعلمه من أحد غيره؟
- أن تكون نافراً.
في أعمال حيدر حيدر نجد البحر والتمرد والأفكار الكبرى، وفي أعمالك نجد المدينة والذاكرة والتفاصيل الصغيرة، هل هي خيارات جمالية أم أن لكل جيل هواجسه الخاصة؟
- أتيتُ من باب الشعر أولاً، لذلك ذهب نصّي نحو الكثافة والاختزال وتقطير الجملة، بالإضافة إلى استثمار جماليات الحياة اليومية، ونسف الحكاية المكتملة بالمحو، أو كما يقول ميلان كونديرا" تتمثل الرؤية الجمالية بأنها لا تتحدد فقط فيما كتبه المؤلف بل في ما حذفه أيضاً".
هل تشعر أن الرواية السورية أنجزت قطيعة مع الأجيال السابقة أم أنها ما زالت تدور في فلكها؟
- لا قطيعة نهائية في الأدب إلّا أن أسئلة الألفية الثالثة وضعت الرواية السورية الجديدة في معترك الراهن، واشتغل الروائيون الجدد على تجرّع الهزائم والخيبات بالتقسيط على عكس ما فعلته الأجيال السابقة لجهة اليقين والشعارات النارية والسرديات الكبرى، لنقل إذاً، أن القطيعة تتمثل بفحص الهويات الصغرى والبيئات المهملة قبلاً وزجها في مهب العاصفة.
تبدو دمشق في أعمالك أقرب إلى شخصية روائية منها إلى مكان، متى تتحول المدينة من خلفية للأحداث إلى بطل للرواية؟
- لا قيمة للمكان وحده إلّا في دروس الجغرافيا، علينا الاشتغال عليه أنثروبولوجياً بقصد أنسنته واكتشاف الجمال النائم في ثناياه، ارتطمت بدمشق روائياً من موقع المشّاء لا كحامل أختام للأنساب العريقة.
هل تكتب دمشق كما هي أم كما تخشى أن تختفي؟
- أكتب دمشق التي عرفتها لا كشوارع وحارات سد، بل كفضاء مديني وعمائر وصنائع. هكذا صحبت ابن خلدون أكثر من مرّة في تفكيك معنى العمران البشري.
هل تثق بالذاكرة أم أنك تعتبرها أكبر روائي عرفه الإنسان؟
- الذاكرة تتناسل عشوائياً مثل هبوب الكمأة، فكلما استللت مشهداً، سيحضر مشهد آخر يمحو ما دونته قبلاً أو أنه يُكتب على نحو آخر أكثر دقة في الرواية التالية.
أي ذاكرة تهمك أكثر: ذاكرة الأفراد أم ذاكرة المدن؟
- تتحدد خصوصية روائي عن آخر بذاكرته الفردية أولاً بوصفها المدماك الأساسي في العمارة الروائية.
في رواياتك تحضر الكتب والمكتبات والمخطوطات بكثافة لافتة، هل يمكن اعتبار مشروعك الروائي محاولة للدفاع عن الكتاب في عصر يتراجع فيه حضوره؟
- ليس دفاعاً عن الكتب، بقدر ما هو رد جميل لمن أنقذ حياتي من الوحشة، وبسبب طول العشرة تسلل هؤلاء الأنبياء إلى رواياتي ليس كضيوف طارئين، بل كأصحاب بيت، وكشخصيات حيّة تصقل هشاشة العيش وبؤس الزمن بشعرية اتكئ عليها في وقت الضيق.
هل هناك كتاب ظل يطاردك سنوات طويلة ولم تستطع التخلص من أثره؟
- تحضرني الآن رواية "بدرو بارامو" للمكسيكي خوان رولفو. 75- اتجوّل في شوارع الحياة اليومية بمكتبة في رأسي.
هل تشعر أحياناً أن المكتبة التي تعيش فيها أكبر من الحياة نفسها؟
- اتجوّل في شوارع الحياة اليومية بمكتبة في رأسي.
ما العنصر الذي تعتقد أنه جعل القارئ يتعرف إلى نص خليل صويلح حتى لو حُذفت منه التواقيع والأسماء؟
- تحطيم القوالب ونسف القواعد الراسخة.
لو طلب منك ناقد أن تختصر مشروعك الروائي كله في ثلاث كلمات فقط، ماذا ستكون؟
- "أكتب لكي أنجو".
لو اجتمع اليوم محمد الماغوط وحيدر حيدر وخيري الذهبي على طاولة واحدة وقرأوا أعمالك، ما الملاحظة التي تتمنى أن تسمعها منهم؟ وما الملاحظة التي تخشى سماعها؟
- (لا إجابة)
يُقال إن لكل كاتب مدينة سرية لا تظهر كاملة في كتبه، ما المدينة التي أخفاها خليل صويلح عن قرائه طوال هذه السنوات؟
- مدينة اللذة والشهوات.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا