لا يبدو عنوان مجموعة شجرة مقطوعة بشفرة حلاقة ( مرفأ للثقافة والنشر - 2024 )مجرد استعارة صادمة بقدر ما يشكّل مفتاحًا لقراءة المشروع الشعري الذي تقترحه نور درويش. فمنذ العنوان، تدخل الشاعرة في مواجهة مع المنطق المألوف للغة، وتضع القارئ أمام صورة لا تسعى إلى تفسير نفسها، بل إلى إنتاج أثرها الجمالي. إنها كتابة تؤمن بأن الشعر لا يصف العالم، بل يعيد اختراعه.
عندما سلّمني ناشر المجموعة، محمود وهبة، النسخة الأولى الخارجة لتوّها من المطبعة، قال بثقة: «اقرأها... ما بغشّك يا نبيل». لم تكن العبارة مجاملة عابرة، بل كانت تعكس يقينًا بوجود تجربة تستحق التوقف عندها، وهو ما تؤكده القراءة منذ النصوص الأولى.
لا تنتمي نور درويش إلى ذلك النوع من شعراء قصيدة النثر الذين يستبدلون الوزن بالسرد، أو يبنون القصيدة على الحكاية اليومية. على العكس، تبدو حريصة على تفكيك السرد كلما أوشك أن يتكوّن. فالنصوص تبدأ وكأنها تتجه نحو مرويّة، ثم تنقلب عليها، تاركةً القارئ في قلب الصورة الشعرية لا في نهاية الحدث. ولهذا فإن القصيدة عندها لا تبحث عن الحكاية، بل عن الطاقة الكامنة في اللغة نفسها.
تعتمد الشاعرة على اقتصاد لغوي واضح، لكنها في الوقت نفسه تنتج كثافة دلالية عالية. فالجملة الخبرية، التي تبدو في ظاهرها تقريرية، تُنزَع من وظيفتها الإخبارية لتصبح أداة للرؤية والتخييل. إن ما يهم الشاعرة ليس نقل الواقع، بل إعادة ترتيبه داخل شبكة من الصور التي تتجاور فيها المفارقة والانزياح والإيحاء.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه المجموعة هو قدرة المخيلة على الإمساك بالعالم من زواياه الهامشية. الأشياء اليومية، الزمن، الجسد، الصوت، جميعها تتحول إلى عناصر في بناء شعري لا يقوم على الوصف، بل على إعادة إنتاج العلاقات بينها. وإذا استعرنا إحدى صور الشاعرة، أمكن القول إن القصائد تنسج "ظهر العالم"، أي ذلك الجانب الخفي الذي لا تكشفه اللغة المباشرة.
ولا تحضر السياسة في هذه النصوص بوصفها خطابًا أو موقفًا معلنًا، وإنما بوصفها أثرًا وجوديًا يترك بصمته على الجسد واللغة معًا. ففي قولها:
«الصوت لا يسعه فم/ يشاغب حتى يصير دم»
لا يصبح الدم نتيجة للعنف فحسب، بل نهاية طبيعية لصوت لم يعد يحتمل حدوده. إنها صورة تختزل علاقة الإنسان المعاصر بالاختناق، وتحوّل الاحتجاج إلى استعارة شعرية مكثفة.
الأمر نفسه ينسحب على تعاملها مع الزمن، إذ لا تتعامل معه بوصفه تسلسلًا كرونولوجيًا، وإنما باعتباره مادة حسية قابلة لإعادة التشكيل. تقول:
اليوميات خيطٌ قطنيّ/ ينظف العمر فيه أسنانه ص 16.
هنا تخرج اليوميات من كونها سجلًا للوقائع، لتصبح أداة يستهلك بها الزمن الإنسان ببطء. إنها صورة تجمع بين الطرافة والقسوة، وتكشف قدرة الشاعرة على استخراج الشعر من أكثر التفاصيل اعتيادية.
ما يميز تجربة نور درويش أيضًا هو أنها لا تراهن على الغموض بوصفه قيمة في ذاته، ولا على البلاغة بوصفها زينة لغوية. إن نصوصها تتقدم عبر منطقها الداخلي، حيث تولد الصورة من الصورة، والجملة من الجملة، في حركة تجعل القصيدة أقرب إلى نسيج عضوي منها إلى بناء هندسي محكم. لذلك تبدو القراءة فعل اكتشاف مستمر، لا محاولة لفك شيفرة مغلقة.
تمثل شجرة مقطوعة بشفرة حلاقةتجربة تستحق التوقف، لأنها لا تكرر ما أنجزته قصيدة النثر العربية خلال العقود الماضية، بل تحاول أن تجد مسارها الخاص داخل هذا الأفق. إنها كتابة تثق بالمخيلة أكثر من ثقتها بالوقائع، وبالصورة أكثر من الحكاية، وبالاقتراح أكثر من اليقين.
وربما في هذا تحديدًا تكمن قيمة هذه المجموعة؛ فهي لا تمنح قارئها أجوبة جاهزة، بل تدفعه إلى إعادة النظر في اللغة نفسها، وفي قدرتها على أن تكون مكانًا آخر للعالم، لا مرآةً له فحسب.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا