تحميل موقع شغف

صفوان داحول لـ" شغف"... ماذا يفعل الزمن بوجهٍ لا يغادر اللوحة؟

صفوان داحول لـ" شغف"... ماذا يفعل الزمن بوجهٍ لا يغادر اللوحة؟

كيف يستطيع فنان أن يعود إلى الوجه نفسه قرابة أربعة عقود، من دون أن يرسم اللوحة نفسها مرتين؟

ربما يبدأ عالم صفوان داحول من هذا السؤال، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، يكتب الفنان السوري فصول مشروع يكاد يحمل اسماً واحداً: الحلم، تتبدل الأرقام بعد العنوان، تتغير وضعية الجسد، تكبر العين أو تنغلق، يظهر كرسي أو سرير أو صندوق، يختفي اللون ثم يعود بقدر ضئيل، لكن الشخصية تبقى هناك؛ امرأة تتخذ وجوهاً متعددة: حبيبة، أرملة، أم، وطن، ذات، ثم تتجاوز كل ذلك لتصبح شيئاً أشمل ــ الإنسان حين يبقى وحيداً أمام الزمن.

ولد صفوان داحول في حماة عام 1961، وتخرّج في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1983، قبل أن يتابع دراسته في بلجيكا ويحصل عام 1997 على الدكتوراه من المعهد العالي للفنون التشكيلية في مونس، عاد بعدها إلى سوريا ودرّس في كلية الفنون الجميلة، ثم استقر لاحقاً في دبي، غير أن هذا المسار الأكاديمي، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم الفنان الذي صنع واحداً من أكثر العوالم البصرية قابلية للتعرّف في الفن العربي المعاصر.

"الحلم" الذي طال أكثر من حلم

سلسلة الحلم مشروع بدأ في أواخر الثمانينيات واستمر في التطور عبر عقود، مستكشفاً الاغتراب والوحدة والشوق وما تتركه الأزمات في النفس والجسد، وقد أصبح "الحلم" مشروعه الأبرز والأطول عمراً، فيما ظلت الشخصية الأنثوية المتكررة محوراً لهذا العالم، تتغير ملامحها وفضاءاتها مع تغير الزمن وما يحيط بالفنان من حب وفرح وموت وحرب.

لكن "الحلم" ليس تدويناً لما يراه الفنان أثناء النوم، بل مساحة مفتوحة لاستيعاب الحياة نفسها.

في أعمال داحول، يمكن للحلم أن يحمل الحب، ثم الفقد، ثم الوحدة، ثم الحرب والمنفى والقلق. ومع كل مرحلة تتغير الشخصية، لا لأنها تستبدل هويتها، بل لأن الزمن يمر عليها كما يمر على الإنسان الحقيقي.

لهذا يبدو اختيار عنوان واحد متكرر ذكياً؛ فهو لا يمنح كل لوحة اسماً يشرحها ويغلق معناها، بل يتركها داخل سلسلة طويلة: الحلم 31، الحلم 80، الحلم 108، الحلم 177، الحلم 279…  

فتبدو الأرقام أشبه بترقيم صفحات في يوميات بصرية لم تُغلق بعد، وصولاً إلى أعمال أنجزها في عامي 2025 و2026.

هو لا يقول: هذه لوحة عن الحزن، أو عن امرأة نائمة، أو عن الحرب.

يقول فقط: حلم، ثم يتركنا أمام الصورة، امرأة واحدة… وألف هوية

في مركز هذا العالم تقيم امرأة.

وجه طويل، عينان واسعتان، جسد نحيل، أطراف تتجاوز النسب التشريحية المألوفة، مرة تجلس، مرة تنحني، مرة تضم جسدها، ومرة تظهر في لقطة قريبة تكاد تملأ اللوحة.

السؤال السهل: من تكون؟ لكن السؤال الأعمق: كيف أصبحت قادرة على أن تكون أكثر من شخص؟

الشخصية تحمل جذوراً شخصية وسيروية، لكنها تتجاوز حدود السيرة الفردية لتصبح نموذجاً إنسانياً أوسع. ومع امتداد السلسلة، ظهرت الشخصية في فضاءات أكثر انغلاقاً ووحدة، تبحث أحياناً عن مأوى أو تتكيف مع حيز يضيق حولها؛ وهي تحولات قرأتها دراسات نقدية بوصفها تعبيراً عن العزلة والاغتراب والأزمة.

لهذا يصبح اختزالها في زوجة أو حبيبة أو رمز وطني خطأً في القراءة، هي تحمل شيئاً من ذلك كله، لكنها لا تستقر عليه، وربما كانت هذه المرونة سبباً في بقاء "الحلم" حياً كل هذه السنوات.

عندما صار الأبيض والأسود أكثر قدرة على الكلام

تُعد هيمنة الأبيض والأسود ودرجات الرمادي من أبرز سمات أعمال داحول.

قد يبدو الأمر خياراً جمالياً، لكنه يتحول إلى طريقة تفكير بالصورة، لوحاته تستخدم ألواناً خافتة، ولا سيما الأبيض والأسود، بحيث تنتقل المشاعر عبر العين ووضعية الجسد والحركة والخط البسيط.

عندما تنسحب الألوان، لا يبقى أمام العين إلا التفاصيل الصغيرة: ميلان الرأس يصبح حدثاً، درجة الرمادي تتحول إلى إحساس، يد قرب الوجه تغيّر اللوحة بأكملها، الفراغ حول الشخصية يصبح قوة تضغط عليها. 

لهذا لا يبدو الأبيض والأسود نقصاً في اللون، بل تكثيفاً.

وعندما نرى عشرات الدرجات بينهما ندرك أن عالمه ليس ثنائياً؛ الحياة تجري في المنطقة الرمادية بين النور والظلام.

الجسد بوصفه حالة نفسية

الأجساد في لوحات داحول لا تُقرأ وفق التشريح الطبيعي وحده.

الرأس يكبر، الظهر ينحني حتى يكاد يصبح شكلاً هندسياً، الذراع تطول، الأطراف تتشابك، والجسد يطوي نفسه كي يتسع داخل فضاء ضيق.

تشير المصادر إلى حضور آثار التكعيبية، إلى جانب الفن الفرعوني والآشوري، في بناء شخصياته، لكن المهم ليس الاقتباس، بل ما يفعله به: فهو لا يستخدم تفكيك الجسد لاستعراض معرفة بتاريخ الحداثة، بل ليجعل الحالة الداخلية مرئية.

عندما يصبح الإنسان محاصراً، يتقلص جسده، عندما يخاف، يضم نفسه، عندما يفقد، ينحني. بهذا المعنى لا يرسم داحول امرأة حزينة؛ يجعل التشريح نفسه حزيناً.

العين هي العنصر المركزي في عالم داحول.

كبيرة، ممدودة، غير واقعية تشريحياً، لكنها لا تحتاج إلى الواقعية كي تؤدي وظيفتها فالعين ليست تفصيلاً في الوجه؛ هي حضور.

حتى عندما تبدو الشخصية غائبة أو صامتة، تظل العين قادرة على خلق علاقة مباشرة مع المشاهد.

وفي معرضه بدبي عام 2026، العين: نافذة إلى الروح، عادت العين إلى مركز المشروع، إلى جانب عناصر الانغلاق والذاكرة والهوية.

لكن العين لا تخبرنا دائماً بما تشعر به الشخصية؛ قد تكون خائفة، يقظة، فارغة، أو تراقبنا نحن أكثر مما نراقبها.

وهذا الغموض جزء من قوتها.

الصندوق… حين يضيق العالم

تتكرر في أعمال داحول فكرة المساحة المغلقة: غرفة، مربع، صندوق، درج، جسد ينحني ليبقى داخل الإطار.

ومع تطور "الحلم"، أخذت الشخصية تتكيف مع فضاءات أكثر ضيقاً، أو تبدو باحثة عن مأوى، بما يعمّق الإحساس بالعزلة والوحدة والأزمة. وفي الأعمال الحديثة عاد هذا الانغلاق بقوة عبر أجساد محصورة داخل بنيات هندسية مغلقة.

وهنا يولد سؤال يتجاوز التشكيل: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح العالم أصغر منه؟

شخصيات داحول لا توسّع المكان؛ بل تطوي نفسها كي تناسبه.

وهذه صورة يمكن قراءتها نفسياً واجتماعياً وسياسياً: الإنسان الذي يغيّر شكله كي يحتمل واقعه. لكن اللوحة لا تجبرنا على تفسير واحد.

سوريا التي لا تظهر في الصورة

لا يرسم داحول سوريا بعلاماتها المباشرة: لا مناظر دمشقية، لا آثار، لا رايات، ولا مشاهد قتال. ومع ذلك، تدخل الحرب والمنفى والاضطراب السياسي إلى اللوحة من دون أن يظهر أي منها حرفياً.

ومع الحرب السورية، اكتسبت عزلة الشخصية وفضاءاتها المقفرة ثقلاً جديداً، من دون أن تتحول اللوحة إلى تسجيل مباشر للصراع، وداحول نفسه يؤكد أن ما يحيط به، من حب وفرح وموت وحرب، لا بد أن يترك أثره في العمل.

هو لا يرسم الانفجار؛ يرسم ما يبقى داخل الإنسان بعد أن ينتهي صوت الانفجار.

لا يرسم المهاجر على الحدود؛ يرسم شعور الإنسان الذي لم يعد يعرف أين يقع بيته.

السياسة تدخل إلى اللوحة بوصفها أثراً نفسياً لا موضوعاً مباشراً.

لغة خاصة

ينتمي داحول إلى جيل جاء بعد رواد الحداثة السوريةـ لم يكن عليه إثبات وجود فن سوري حديث، بل إيجاد ما يمكن فعله بهذا الإرث.

تكوينه في دمشق ثم بلجيكا وضعه في تماس مع تقاليد مختلفة، بينما تكشف لغته عن أثر الحداثة الأوروبية والفن القديم معاً، لكن القيمة ليست في جمع المرجعيات، بل في اختفائها تدريجياً داخل لغة يمكن التعرف إليها فوراً: وجه، عين، جسد منطوٍ، رمادي، صمت، 

يبقى السؤال: ألا يتحول الرجوع المستمر إلى الشخصية نفسها إلى تكرار؟

لكن المسألة أقرب إلى استخدام شكل ثابت لمراقبة التغيير.

لو رسم كل عام شخصية مختلفة، لصعب رؤية ما فعله الزمن باللغة نفسها، أما حين يحتفظ بالعناصر الأساسية، يصبح الاختلاف الصغير مرئياً: العين تتغير، الفراغ يزداد، الجسد يتقلص، الصندوق يعود، اللون يختفي، ثم تتغير العلاقة بين الشخصية والعالم.

يمكن قراءة سلسلة "الحلم" كفيلم شديد البطء استغرق عقوداً في التصوير.

الوجه بقي، لكن الحياة لم تتركه كما كان.

الرجل الذي يرسم مرور الزمن

قد يكون وصف داحول بأنه "رسام الأحلام" صحيحاً، لكنه أقل ما يمكن قوله عن مشروعه

فالأهم ليس الحلم نفسه، بل الزمن الذي يعبره.

لو شاهدنا لوحة واحدة، نرى امرأة، لو شاهدنا عشر لوحات، نرى أسلوباً، لكن عندما ننظر إلى عشرات الأعمال الممتدة من الثمانينيات إلى اليوم، تظهر قصة أخرى: إنسان يتغير أمامنا ببطء.

الحب يمر من هنا، الفقد، الحرب، الهجرة، العمر، العزلة، الذاكرة، ثم يبقى الوجه.

لهذا لا يحتاج داحول إلى مئات الشخصيات؛ فهو لا يبحث في كل لوحة عن إنسان جديد، بل يعود إلى الإنسان نفسه ليسأله السؤال ذاته بعد سنوات: ماذا فعل بك الزمن منذ آخر مرة رأيتك فيها؟

وهنا يصبح "الحلم" أكثر واقعية من كثير من اللوحات التي تدّعي تسجيل الواقع؛ لأن صفوان داحول لم يقض أربعة عقود يرسم ما نراه حين ننام، بل ما تفعله اليقظة بنا.