لم يبدأ سامي محمد من قاعة فنية فاخرة، بل من أحياء الكويت القديمة، ومن الطين والصخور البحرية. وُلد في الأول من أكتوبر 1943 في حي الصوابر بمنطقة شرق، ونشأ في أسرة متواضعة؛ كان والده خياطاً ماهراً يصنع البشوت ويطرّزها بالزري، فيما تولّت والدته رعاية الأسرة خلال غياب الأب المتكرر في رحلاته إلى مدن الخليج.
في العاشرة من عمره، كان سامي يجمع الطين والصخور من البيوت الطينية وشاطئ البحر، ثم يحوّلها إلى طيور وحيوانات صغيرة. لم يكن يعرف آنذاك أنه يضع يديه على أول خيط في مسيرة ستجعله واحداً من أبرز النحاتين الكويتيين.
التنمّر لم يوقفه
لم تكن طفولته سهلة. التحق بمدرسة الصباح عام 1949، لكنه تعرّض للتنمر من الطلاب الأكبر سناً، فأخرجته والدته من المدرسة. وبعد ثلاث سنوات، عاد إلى التعليم، ليجد في الفن مساحة مختلفة تماماً عن المدرسة.
في عام 1956، انتقلت عائلته إلى كيفان، وهناك بدأ الفن يأخذ موقعاً أكثر وضوحاً في حياته. تلقى تدريباً على يد الفنان والخزاف المصري شوقي الدسوقي، وشارك في مشروع نحتي عن العدوان الثلاثي على مصر، فنحت شخصيات لجنود وضحايا مدنيين. وكانت مكافأته الأولى حين منحه الشيخ عبد الله الجابر جائزة تقديراً لمشاركته.
من المرسم إلى القاهرة
عام 1960، بدأ محمد تدريبه الجدي على النحت لدى النحات المصري أنور السروجي. وبعد عامين فقط، ترك المدرسة الثانوية لينضم إلى «المرسم الحر» التابع لوزارة التربية، كفنان متفرغ.
ثم جاءت القاهرة لتفتح أمامه باباً جديداً. ففي عام 1966، حصل على منحة حكومية والتحق بكلية الفنون الجميلة، حيث درس الرسم والنحت والتشريح وتاريخ الفن. وهناك تعمّق في دراسة الجسد الإنساني، وتأثر بتجربة مايكل أنجلو، كما كان النحات المصري جمال السجيني أحد أبرز أساتذته وأكثرهم تشجيعاً له على البحث عن صوته الخاص.
ولم تتوقف الرحلة عند القاهرة. بين عامي 1974 و1976، واصل دراسته في نيوجيرسي، حيث توسعت خبرته في النحت وعلم التشريح، ووجد في زيارة متحف رودان فرصة متكررة للتأمل في تجربة أحد كبار النحاتين.
حين دخل الألم إلى منحوتاته
في بداياته، اقترب محمد من الجمال والحياة والأسرة، وتأثر لفترة بأسلوب هنري مور، خصوصاً في الأشكال العضوية والمنحنيات والإيقاع.
لكن شيئاً انكسر بعد عام 1978.
بدأت الحروب والصراعات التي تصدرت الأخبار تفرض نفسها على تجربته. تحوّل الإنسان في أعماله من جسد يحتفي بالحياة إلى جسد مهدد، محاصر، ومهمّش. وبدلاً من البحث عن الجمال وحده، صار النحت عنده وسيلة لمواجهة القسوة.
لم يكن هذا التحول وليد السياسة وحدها. فقد حمل الفنان منذ طفولته ذاكرة مبكرة للعنف؛ حادثة كادت تودي به عندما علق ثوبه بعجلة شاحنة، ومشهد ذبح جمل عام 1969، ثم تجربة أكثر قسوة خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين عاد إلى بلاده لرعاية والدته وشاهد آثار الدمار بعينيه.
النحت في مواجهة القمع
كان سامي محمد يرى الفن مسؤولية عامة، لا مجرد مساحة للتعبير الشخصي. لذلك انشغل بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، ورفض تحويل الفن إلى دعاية أو عزلة عن المجتمع.
ومن أعماله المبكرة «الجوع» عام 1970، الذي يكشف بوضوح عن هذا المنحى الإنساني والاجتماعي. كما كان منخرطاً في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967، إيماناً منه بأن الفنان جزء من المجال المدني وليس مراقباً من خارجه.
بين الرعب والسلام
يمكن قراءة تجربة سامي محمد من خلال ثنائية واضحة: **الإنسان المقهور في مواجهة الإنسان الحر**.
في أعمال مثل «الصناديق ونداء الاستغاثة»، و«الاختراق»، و«عصر البلاء»، و«رباعية الرعب»، و«قف»، و«الرماديون»، يظهر القلق والخوف والقمع كأنها أجساد لها كتلة وملامح.
لكن الوجه الآخر لتجربته أكثر إشراقاً. ففي سلسلتي «السدويات» و«الصحراويات» تظهر الرغبة في السلام والحياة والبهجة، فيما تبدو سلسلة «الإنسانية والسدويات» محاولة للجمع بين طرفي تجربته: الألم والأمل.
آخر النحت.. دار مفتوحة للناس
لم يكتفِ سامي محمد بإنتاج الفن، بل أراد أن يترك له بيتاً أيضاً. وفي عام 2024 أسس «دار مريم»، وهو متحف وفضاء فني ممول ذاتياً ومفتوح للجمهور، يضم أعماله المتاحة.
هكذا، امتدت تجربته من طفل يصنع الطيور من طين البحر في الصوابر، إلى فنان جعل من الجسد الإنساني شاهداً على الحروب والقمع والكرامة.
**لم ينحت سامي محمد الحجر فقط؛ نحت ذاكرة جيل كامل، ووضع الألم الإنساني أمام العين كي لا يصبح النسيان ممكناً.**
رحل الفنان التشكيلي الكويتي سامي محمد، أحد أبرز رواد الحركة التشكيلية في الكويت والخليج، تاركاً إرثاً فنياً حافلاً بالإنجازات والتكريمات المحلية والعربية والدولية.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا