ولد نجيب محفوظ في القاهرة في حي سيدنا الحسين يوم 11 ديسمبر/كانون الأول عام 1911 في أسرة مصرية من الطبقة «المتوسطة». ولهذا الحي شأنه شأن أحياء وأمكنة أخرى عاش فيها ردحا من طفولته وشبابه وكهولته مثل العباسية و»درب القرازين» و»بيت القاضي» في الجمالية، وغيرها، أثر لا يخفى في رواياته. وهي إجمالا البيئة المصرية السياسية في تلك الفترة (حزب الوفد وسعد زغلول)، وكذلك الحياة الثقافية والاجتماعية والأفراح والمآتم والاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة السينما.. والنيل هو أحب الأماكن إليه بعد الحسين، وكان يستمتع وهو صغير بمنظر النيل، عندما كان يقف مع أمه فوق كوبري أبو العلا أو كوبري قصر النيل. وللنيل أثر في رواياته بداية من روايته التاريخية «كفاح طيبة» فـ«ثرثرة فوق النيل» خاصة، وبشكل أقل في «بداية ونهاية».
وهو يصور كل هذا تفاصيلَ وشواردَ، بذاكرة حية قوية في «مذكراته» كما رواها عنه رجاء النقاش، وحواراته؛ ويوظفها بمهارة في قصصه ورواياته. فقد كانت والدته وهي الأمية على دراية بالثقافة الشعبية، من فولكلور وأغاني ذلك الزمان، خاصة سيد درويش، مما استثمره محفوظ في أدبه. وهذه الثقافة ليست حديقة خفية مسورة، إنما هي مكمن سحر خبيء؛ يسرح فيه الخيال، وممارسة اجتماعية أساسها المشاركة والتبادل. إنها «روح الشعب» والتعبير عن الاستعداد للعيش معا في مصر ، بما يجعل الناس يتجاوزون الاختلافات في المعتقدات والمراجع والأذواق؛ وهي التي تخصب الثقافة، وتذكي حيويتها؛ وتضفي عليها معناها: «عانت والدتي من ولع غريب بالآثار، رغم تناقضه الظاهري مع تدينها. فإلى جانب ترددها الدائم على الحسين وولعها بالأماكن الإسلامية، كانت تهوى قضاء وقت طويل في «غرفة المومياوات» في المتحف المصري، وتتردد بالحماس نفسه على دير مارجرجس القبطي، وتعتبر زيارتها له «نوعا من البركة». وقد وصل تسامحها إلى درجة أن الراهبات كن يزرنها في بيتها عند مرضها، في مشهد أثار دهشة الجيران. ولم يكن ولعها بالآثار الفرعونية نابعا من تقدير ديني أو فني، فهي كانت تسميها «مساخيط، كانت مع والدي، ثم صارت جميع زياراتي التالية معها، لأنني كنت أصغر أبنائها والوحيد المتبقي في البيت بعد زواج إخوتي». أما والده فكان موظفاً في مصلحة التلغراف في منطقة القناة، ثم انتقل إلى القاهرة، وفيها تخرج أولاده الثلاثة في الجامعة»، وكان يتمنى أن يصبح ابنه نجيب وكيل نيابة أو طبيبا، لكن الابن خيَب أمله؛ فقد كان يحب سماع الأغاني والموسيقى، خاصة يوسف المنيلاوي وصالح عبد الحي وعبد الحي حلمي. ولم يكن والده مسيسا، لكنه كان يحب حزب الوفد وسعد زغلول. والكتاب الوحيد الذي قرأه بعد القرآن هو «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي، الذي كان صديقا له. ولم تكن هناك مناقشات سياسية بيننا، فوالدي وفدي وأنا كذلك، فلم يكن هناك مجال للجدل أو الاختلاف، ومن المحتمل أن يكون حبي للوفد نابعا من تأثير والدي وتأثير أستاذي الشيخ عجاج». كانت شخصية والده كما يقول» تتسم بقدر كبير من التسامح والمرونة والديمقراطية، وليس فيها استبداد أو عنف، ولا علاقة لها بشخصية «السيد أحمد عبدالجواد» بطل «الثلاثية». يقول: «أما والدي فربما أخذت منه في شخصية «السيد أحمد عبدالجواد» حُبه للفن فقط». ويذكر أن شخصية «سي السيد» كانت تنطبق أكثر على جار لأسرته «عَم بشير» الذي كان رغم طيبة طبعه، يعامل زوجته بقسوة..
في الثلاثينيات والأربعينيات، كان من عشاق نجيب الريحاني، وكان يواظب على مشاهدة مسرحياته التي تتمثل البيئة المحلية مثل: «كشكش بك» و«ألف ليلة وليلة» و«عمدة كفر البلاص»، و«حكم قراقوش»، فمسرحياته المقتبسة، ولكن بروح مصرية. كما كان أيام السينما الصامتة (بالأبيض والأسود) شغوفا بمتابعة أفلام شارلي شابلن وماكس ليندر. هذه البيئة هي التي برع محفوظ في تصويرها والتقاط تفاصيلها وشواردها مثل ظاهرة «الفتوة» التي كانت منتشرة في الحارات الشعبية، وهي أشبه بـ»عرْف» اجتماعي يكاد يكون معترفاً به. وهي في روايات محفوظ مثل «ملحمة الحرافيش» و»أولاد حارتنا» أقرب إلى صيغة حضرية للحرابة، قد تكون انتقلت لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية من البادية، أو الصحراء إلى المدينة (الحارة). و»الفتوة» صورة لـ»البلطجي» الخارج عن القانون، لكنه ينهض بـ»وظيفة» اجتماعية أساسها القوة لا المؤسسة، ويحل محل البوليس أو الحاكم باسم النخوة وحماية الضعفاء وفرض النظام في الحارة، وِفْق أعراف معمول بها؛ على الرغم من أن البوليس كان يستعين بـ»الفتوة» في الجرائم التي ترتكب في الحارة. وهي في أدب محفوظ علامة على هشاشة السلطة القانونية، أو غيابها، أو انحيازها الطبقي، وعجز الدولة عن وضع أسس عدالة مستقرة أساسها القانون، لا منطق القهر. ولعل هذا ما يجعلها أقرب إلى مفهوم «الحرابة الاجتماعية» التي نشأت خارج المدينة، في التاريخ العربي والمتوسطي (كورسيكا، صقلية، جنوب إيطاليا، المغرب العربي الكبير) وفي الأدب الذي أنتجته هذه البلاد. وهو أدب ينزع عامة إلى «أسطرة الباندِت» أو قاطع الطريق الشريف «البلطجي النبيل/ الشهم» في المخيال الشعبي، من حيث هو رمز لحرية الفرد «القوي». ومثاله عند محفوظ عاشور الناجي في «ملحمة الحرافيش» الذي يجمع بين القوة الجسدية و»الشرعية الأخلاقية؛ من دون أن يكون مجرما في وعي الجماعة الشعبية، أو ممثلًا للقانون، بل هو «حَكَمٌ قوي عنيف» بين الناس؛ يُرسخ الطاعة عبر الخوف أو «التخويف». و «شلة الحرافيش»، كما يسميها محفوظ، قد تكون بأثر من ظاهرة «الفتوة» وعامة الشعب، خاصة الحرفيين والطبقات الدنيا خلال فترات حكم المماليك والعثمانيين.
ولعل «أول من أطلق اسم «الحرافيش» على الشلة هو الفنان أحمد مظهر، صديق محفوظ وهو من الضباط الأحرار الأوائل على الرغم من أنه حين قامت الثورة كان خارج مصر. ومظهر من دفعة جمال عبد الناصر في الكلية الحربية. ويبدو أنه قرأ اللفظ في كتاب قديم للجاحظ، ووجدناه مناسباً لحالة الصعلكة التي كنا نعيشها». والحق لا أثر لهذه الكلمة في أدب الجاحظ، وإن وقف عليها ابن منظور في مادة «حرفش»: احرنفش الديك: تهيأ للقتال وأقام ريش عنقه، وكذلك الرجل إذا تهيأ للقتال والغضب والشر، واحرنفشت الرجال إذا صرع بعضهم بعضا. والمحرنفش: المتقبض الغضبان. واحرنفش للشر: تهيأ له.. والأقرب أن الكلمة ترجع إلى العصر المملوكي. وابن منظور عمل في ديوان الإنشاء في مصر، ولعله التقط الكلمة من هناك؛ أو ربما وجد لها أصلا في لغات العرب.
ومثالها «خان الخليلي» فقد كتبها تأثرا بموت صديق عزيز اسمه شوقي عاكف، «تربينا ونشأنا سوياً ومات هو بالسل، ولذلك تجد في الرواية دراسة عن السل وآثاره النفسية والصحية». ويذكر محفوظ أن أظهر مصادره في حياته وأدبه، هي «الوظيفة الحكومية». حيث عمل موظفاً لمدة سبع وثلاثين سنة، بعد تخرجه في الجامعة مباشرة، وتنقل خلالها في وظائف عدة في وزارة الأوقاف والجامعة ثم مؤسسة السينما التابعة لوزارة الثقافة. وارتقى وظيفيا حتى وصل إلى درجة «نائب وزير» في مؤسسة السينما ثم أُحيل إلى المعاش سنة1971.
ويعترف بأنه رغم إفادته القصوى من الوظيفة من حيث هي «متحف للنماذج البشرية»، ونقله تفاصيل كثيرة من شخصيات عرفها، إلى أدبه. غير أنه نوع من النقل الفني وليس نقلاً تسجيليا لـ»دهاليز الوظيفة الحكومية» في مصر وأسرارها وتفاصيلها في عصر ما قبل ثورة يوليو/تموز 1952، وما بعدها.
على أنها وإن وفرت له، باعترافه، مادة إنسانية عظيمة وأمدته بنماذج بشرية لها أكثر من أثر في كتاباته؛ كانت من حيث هي نظام حياة وطريقة لكسب العيش، ذات أثر ضار أو يبدو كذلك. «فقد أخذت الوظيفة نصف يومي ولمدة سبع وثلاثين سنة، وفي هذا ظلم كبير. ولكن الوظيفة في الوقت نفسه علمتني النظام، والحرص على أن أستغل بقية يومي في العمل الأدبي قراءة وكتابة…». وظل على هذه الحال حتى عندما اختاره ثروت عكاشة مديرا للرقابة، فقد اعتزل كتابة السيناريوهات؛ ومنع الرشوة في الجهاز الرقابي كما يقول.
ومن أمثلة هذا التوظيف بطل «القاهرة الجديدة»، فقد تعرف إليه وهو طالب؛ وتتبعه إلى أن حصل على وظيفة، ولكن «سقوطه» بدأ وهو طالب. وبطل «خان الخليلي» كان زميلاً له في إدارة الجامعة واسمه أحمد عاكف. والطريف ما يرويه محفوظ: «وقد جاء يشكرني بعد قراءته للرواية على محبتي له»، وهي التي جعلته يبقي على اسم «أحمد عاكف» كما هو كان تحديا منه، على الرغم من أنه كان يعمد إلى تغيير الشخصية ومصيرها؛ إلى حد أن صاحب الشخصية نفسها لا يتعرف إليها.
المصدر: القدس العربي
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا