تحميل موقع شغف

نجيب محفوظ والثلاثيّة (1/3): منهجيّة السياق وأدواته

نجيب محفوظ والثلاثيّة (1/3): منهجيّة السياق وأدواته

تشكّل رواية «بين القصرين» لنجيب محفوظ، وهي الجزء الأوّل من مشروعه الروائي الأغرّ «ثلاثيّة القاهرة»، عتبة أساسيّة ومنوالًا يُستعان به لنسج المشهد والكتابة المبنيّة على «اللصق»، أي لصق الموجودات والأماكن والأشكال والحركة كما هي، دون اللجوء إلى التلخيص أو الاختزال. فالمشهد عند محفوظ لا يأتي بوصفه إطارًا للأحداث فحسب، بل يتحوّل إلى مساحة أساسيّة تتجمّع فيها التفاصيل وتتداخل فيها حركة الشخصيّات مع المكان والزمان.

والحقّ أن غاية محفوظ كانت تتوزّع على منحيين. الأوّل، الإبقاء على جعل القرّاء، بمختلف خلفيّاتهم الثقافيّة والمعرفيّة، سواسية خلال تلقّيهم لسياقات النص الممتدّ على طول 584 صفحة. فمحفوظ لا يفترض معرفة مسبقة بالتفاصيل التي يقدّمها، ولا يترك الكثير من عناصر المشهد معلّقة في ذهن القارئ، بل يميل إلى تقديمها بصورة واضحة ومباشرة، بما يجعل المتلقّي أمام سياق مكتمل يمكنه أن يتابعه من داخله.

فضلًا عن ذلك، جاءت الحوارات عاملًا مساندًا للمشهد، وهي تكاد تكون مسوّدات أو «ورق» ـ كمصطلح سينمائي/تلفزيوني ـ لتجهيز المخرج للكادر وتصوير المشاهد. فالحوار لا ينفصل عن المكان والحركة والشخصيّة، بل يأتي في سياق يتيح للمشهد أن يتكوّن أمام المتلقّي بصورة متكاملة، وكأن الرواية، في بعض مواضعها، تقدّم مادتها البصريّة والحركيّة إلى جانب مادتها السرديّة.

هذا الإسهاب المدروس الذي اعتمده نجيب محفوظ لم يكن سوى سيلان كتابي أوقعه، في بعض المواضع، في شرك مزاحمة المتلقّي، حين وصف، مثلًا، هواجس ياسين وما يعتلجه من عقد وأزمات، بعد ورود كل الإشارات الدالّة على سلوكه وصفاته. فالتفاصيل التي سبق أن قدّمها السرد تكون، أحيانًا، كافية لتمكين القارئ من الوصول إلى الشخصية وفهم دوافعها، إلا أن محفوظ يعود إلى وصف ما يدور في داخلها، فيمنحها مساحة إضافيّة من التفسير.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى «السيد أحمد عبد الجواد»، التاجر المتخبّط بين الاستبداد المنزلي والمرونة المجتمعيّة. فالشخصيّة تتحرّك داخل تناقض واضح بين صورتها في البيت وصورتها في المجتمع، وهو تناقض يقدّمه محفوظ من خلال التصوير والمتابعة الدقيقة للسلوك. ورغم ذلك، أتى محفوظ بعلم النفس من خلال زرع شخصيّات مأزومة تحت سقف بيت واحد وظرف اجتماعيّ واحد، لتصبح الأسرة فضاءً تتجاور فيه الأزمات والطباع المتناقضة، وتظهر فيه الشخصيّات من خلال علاقتها ببعضها البعض.

وانقضاضه على نظام الأبوّة جاء مضمرًا من خلال التصوير. فهو لا يقدّم الأمر، بالضرورة، في صيغة موقف مباشر أو خطاب معلن، وإنما يترك بنية البيت وطبيعة العلاقات داخله وحركة الشخصيّات تكشف عن هذا النظام وما يفرضه من سلطة وأدوار. وهنا يعود محفوظ إلى أداته الأساسيّة: التصوير، حيث يتقدّم المشهد على الحكم المباشر، ويُترك للمتلقّي أن يرى ما يحدث داخل هذا البيت وأن يتعامل معه.

وعودتنا الدائمة إلى فعل التصوير واللصق والنقل تعني أن المشهد، بتفاصيله التي تضرّ وتعالج، يعيدنا إلى جوهريّته ومكانته في هذا المشهد. فكل تفصيل تقريبًا يستعيد وظيفته ضمن السياق العام، ولا يعود المكان مجرّد خلفيّة للأحداث، كما لا تصبح الحركة مجرّد انتقال بين مشهد وآخر، بل تتضافر الموجودات والأشكال والحركة لتكوين العالم الذي تتحرّك داخله الشخصيّات.

وبالرغم من ذلك، فإن منهجيّة التماهي مع المشهد قد أثارت، في بعض المواضع، نفورًا، خصوصًا حين ارتأى محفوظ التوغّل في حقبة مصر السياسيّة. إذ يصبح الإسهاب، في هذه الحالات، أكثر حضورًا، ويأخذ السرد مساحة واسعة في متابعة السياق السياسي، بما قد يخفّف من اندفاع المشهد الروائي ويضع المتلقّي أمام تفاصيل متراكمة قد تتجاوز حاجته إلى فهم الحدث.

أخذ نجيب محفوظ على عاتقه، في هذا الجزء، أن يكون مرشدًا يتعامل بوضوح مع تقنيات الرواية، من المشهد المصاحب للمكان والزمان وصولًا إلى تكوين الشخصيّة الثابتة، دون أن ينسى نسج بيئة تضمّ السياق كلّه. وهو بذلك لا يكتفي بتقديم الشخصيّات منفصلة عن محيطها، بل يضعها داخل بيئة اجتماعيّة وسياسيّة وطبقيّة وثقافيّة تتفاعل معها وتؤثّر فيها.

وفي هذا السياق، يترك محفوظ للمتلقّي خيار تصديق ما يقدّمه أو محاولة فهمه أو نقد السلوك الفردي بعيدًا من الظروف وحالة تكوّن المجتمع سياسيًّا وطبقيًّا وثقافيًّا. فالسياق، في «بين القصرين»، ليس مجرّد خلفيّة للأحداث، وإنما جزء من الطريقة التي تتشكّل بها الشخصيّات وتظهر من خلالها تناقضاتها وأزماتها وعلاقاتها بالآخرين. ومن هنا تبدو منهجيّة «اللصق» والتصوير والنقل إحدى الأدوات التي اعتمد عليها محفوظ لبناء عالمه الروائي، عالمٍ يقدّم تفاصيله بكثافة، ويترك للمتلقّي، في النهاية، مساحة التعامل معها وفهمها ونقدها.