لا يمكنك المرور بجانب مقهى النوفرة في دمشق القديمة دون أن تستحضر صورة الحكواتي في مخيلتك، ذلك الرجل ذو النظارة السميكة والطربوش الأحمر المتصدر للمكان، يروي الحكايات ويجسد أحداثها بصوت جهوري، فيما يحيط به المستمعون بشغف وترقب، وتتعالى أصواتهم بالحماس والانفعال تارةً، وتنطلق ضحكاتهم تارةً أخرى، وهم يتابعون أحداث قصص تاريخية وشعبية تناقلتها الأجيال عبر الزمن.
واليوم ورغم تغير الزمن والوسائل، مازلنا نبحث عن ذلك الشعور نفسه "شعور الانصات" إلى حكاية تأخذنا بعيداً عن واقعنا، وإذا كان رواد المقاهي قديماً يلتفون حول الحكواتي مترقبين فصول الحكاية التالية، فإننا اليوم نضع سماعاتنا وننصت إلى حلقات البودكاست، حيث تواصل الحكاية رحلتها بأدوات جديدة وروح قديمة.
الحكواتي... حارس الذاكرة الشعبية
"يا سادة يا كرام اسمعوا ما جرى في سالف العصر والأوان " كانت كفيلة لجذب انتباه الحاضرين وإعلان بداية رحلة جديدة من السرد والحكاية، فبصوته ذي النبرة المميزة وحركاته التعبيرية كان الحكواتي قادراً على تحويل المقهى إلى فضاءات تنبض بالحياة، يتداخل فيها التاريخ بالخيال وتلتقي فيها المتعة بالمعرفة.
وكان الحاضرون يستمعون بشغف لقصص الأبطال مثل عنترة بن شداد والزير سالم والظاهر بيبرس إلى جانب الحكايات الشعبية والأساطير، ولم يكن تفاعل المستمعين يقتصر على الإنصات فحسب بل كانوا يعيشون أحداث الحكاية بكل تفاصيلها، فينفعلون مع أبطالها ويترقبون مصائرهم.
وقصص الحكواتي لم تكن وسيلة للترفيه فقط، بل كان لها دور ثقافي واجتماعي مهم، حيث ساهمت في نقل القيم والعادات والتجارب الإنسانية، كما حافظت على جزء كبير من الذاكرة الشفوية للمجتمعات قبل انتشار وسائل الإعلام الحديثة، ومن خلال هذا الدور أصبح الحكواتي أحد أبرز حراس الذاكرة الشعبية ووسيط ثقافي لنقل الحكايات من جيل إلى آخر.
الحكاية مستمرة
لم تتوقف رحلة الحكاية عند المقاهي، فمع ظهور الصحافة ثم الإذاعة والتلفزيون بدأت أشكال السرد التقليدية تتراجع تدريجياً، فلم يعد الناس بحاجة الى الاجتماع في مكان واحد للاستماع إلى قصة، بل أصبحت الحكايات تصل إليهم عبر وسائل متعددة وفي أوقات مختلفة.
ولم يكن تراجع ظهور الحكواتي نتيجة قلة اهتمام الناس بالحكاية، بل جاء انعكاساً للتحولات الاجتماعية والتقنية التي شهدتها المجتمعات، حيث تغيرت أنماط الحياة ووسائل الترفيه، ليقتصر حضوره على المناسبات التراثية الشعبية والبرامج الرمضانية.
ورغم هذا التحول لم يختفِ شغف الاستماع إلى القصص، بل وجدت طرقا كثيرة للتعبير وتلقي المعرفة، فالحكاية بقيت حاضرة والوسيط هو الذي تغيّر.
البودكاست..حكواتي بثوب رقمي
وفي عام ٢٠٠٤ كان أول ظهور لمصطلح "البودكاست" وذلك عند دمج كلمتي iPod وBroadcast، ومن ثم أصبح من أكثر المحتوى الصوتي انتشاراً وجذباً للجمهور، وأعاد الاعتبار لقوة الصوت والسرد، وهما العنصران اللذان شكّلا جوهر تجربة الحكواتي قديماً.
ويمنحك البودكاست فرصة مرافقة الحكاية في أي مكان أثناء القيادة أو المشي أو القيام ببعض الأعمال اليومية، وكما تتنوع موضوعاته بين التاريخ والثقافة والعلوم والتجارب الإنسانية وقصص الحب، ما جعله مساحة للسرد المعاصر، وساهم في إحياء فن الحكاية بصيغة تتناسب مع العصر الحديث، وتؤكد أننا ما زلنا نبحث عن القصة مهما تغيرت الوسائل.
وتقول الدكتورة الاجتماعية وصانعة المحتوى بشرى عوض لموقع "شغف" أن الإقبال على البودكاست لا يرتبط بالتطور الرقمي فقط، بل يعكس حاجة إنسانية قديمة إلى الاستماع والتماهي مع تجارب الآخرين.
وتوضح أن منصات التواصل الاجتماعي غيرت طريقة تلقي الناس للقصص، إذ أصبح كثيرون يجدون أنفسهم في حكايات وتجارب يرويها أشخاص لا يعرفونهم في الأصل.
وترى عوض أن الناس كانوا في الماضي يلجؤون إلى جلسات السمر أو الروايات والقصائد، أو إلى شخص قادر على الإصغاء إليهم واحتوائهم، ولكن اليوم يميلون إلى المحتوى الصوتي السريع، مثل البودكاست ومقاطع مثل "حكايات الجدة" القصيرة بحثاً عن القصة التي تشبههم.
وترى عوض أن البودكاست هو امتداد عصري لفن الحكواتي، فكما كان الحكواتي يجمع الناس حول قصة واحدة ، يتيح البودكاست اليوم الاستماع إلى تجارب إنسانية وخبرات وآراء متنوعة تسهم في تطوير الوعي الثقافي والاجتماعي حتى النفسي لدى المستمع عندما يقدمها أشخاص يمتلكون المعرفة والقدرة على السرد العميق.
الراوي الرقمي يصنع الثقة بصوته
وتلفت الباحثة الاجتماعية إلى أن تأثير البودكاست لا يرتبط بالمحتوى وحده، بل بالصوت والهوية الرقمية لصانع المحتوى أيضاً، إذ بات كثير من الأشخاص يبنون علاقة وجدانية مع شخصيات يتابعونها عبر المنصات الرقمية.
وتوضح أن بعض الأصوات تمنح المستمع شعورا بالراحة والطمأنينة، بينما تلعب الهوية الرقمية والانطباع الذي يصنعه الشخص عن نفسه دوراً مهماً في بناء الثقة والمصداقية، وهو ما يفسر التأثير المتزايد لكثير من صناع المحتوى في ظل ما يعرف بعلم النفس الرقمي .
الحكاية وإن تغيّر الراوي
وبالرغم من اختلاف الزمن والوسائل فإن الحكاية ماتزال تؤدي الدور نفسه، فهي تمنحنا فرصة للتعلم والتأمل والتعاطف مع الآخرين، وإذا كان الحكواتي قد جمع الناس قديما في مقهى أو في حمام السوق الدمشقي حول قصة واحدة، فإن البودكاست يجمعهم اليوم عبر سماعاتهم حول قصص وحكايات مؤثرة.
ومن مقهى النوفرة إلى منصات البودكاست، تغير المكان والزمان وتبدلت الوسائل، لكن الحكاية بقيت محافظة على سحرها، ومازلنا كما كان أجدادنا قبل مئات السنين، نبحث عن راوٍ يأخذنا إلى عالم آخر، ويمنحنا لحظات من التأمل والراحة، تبدلت المنصة لكن الحاجة إلى الحكاية والإصغاء سيبقى مستمراً.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا