تحميل موقع شغف

مقطتف من رواية بغداد للروائيّة نور أحمد

مقطتف من رواية بغداد للروائيّة نور أحمد

خصّت الروائيّة السوريّة نور أحمد موقع شغف بمقتطف من روايتها " بغداد  مع حبّي " التي ستصدر قريبًا عن دار زمكان في بيروت.

 

الفصل الأول: يسّار وزهرة الغاردينيا

 

الأمّ ترى أولادها بقلبها وعاطفتها، وتدافع عنهم، عن آرائهم، عن اختياراتهم، عن غضبهم، عن حزنهم، عن حبّهم، عن خيباتهم، عن أحلامهم، وعن كلّ ما يربطها بهم وبهم بها. هكذا هي أمّي ليلى، ليلى الأحبّ إلى قلبي… زهرة الغاردينيا.

بغداد 31 مارس/آذار 1969

في ذلك الصباح الممطر الدافئ الجميل، تسمّرت عينا ليلى في شرود جميل، كمن ينظر إلى عمره وإلى أشياء أخرى بعيدة ومضيئة في آن. وكان يسّار في عائلته مسك الختام وآخر العنقود كما يقال في العامية.

عندها استحضرت ليلى كلّ ما فيها من الحبّ والسلام الداخلي، رقّتها، وعذوبة روحها، صوتها العذب، كبرياءها، ومخيّلتها التي اختصرت فيها حياتها كأمّ لأربعة أطفال، خامسهم يسّار الأحبّ إلى قلبها.

استحضرت في تلك اللحظة السريعة الممتدّة بحجم عمرها رونقها كأنثى جميلة، كأمّ، كزوجة لرجل دبلوماسي من أهم الشخصيات العراقية في بغداد والعراق عمومًا. فقد عاشت في كنفه كزهرة غاردينيا فوّاحة ذات قلب دافئ وأبيض، كما يلقّبها يسّار دائمًا.

 

في ذلك الوقت، وعند كلّ وقت، كانت ليلى ترى في ملامح وجهه سماء بغداد التي تحمل غيوم الخير والمطر، وعراقة بابل، ورائحة الخبز العراقي الطازج في وجنتيه الجميلتين المكتنزتين، وجبينه الشامخ كحدائق بابل المعلّقة.

حين حملته إلى غرفة الولادة، كانت كمن يحمل أيّامه الجميلة وهي لا تزال في طفولتها وذكريات ريعان شبابها. وجدت في طفلها الخامس يسّار وعينيه الجميلتين اللامعتين الحالمتين، الجزء الخامس من شخصيّتها المحبّة للمعرفة، الجريئة، المتمرّدة، التي تعشق الوفاء وتكره الخداع والخيانة.

كانت متحمّسة لصوت بكائه المشتاق لدفء رائحة جسدها. حضنته داخل صدرها كمن يخبّئ ذاته، كمن يقتني جوهرة ثمينة. لمسته بيديها الناعمتين، فبدأ يهدأ ويحدّق بعينيها العسليّتين اللتين تشبهان موسيقى نينوى.

جاءه صوتها كهدهدة يمامة، وثغرها مبتسم وهي تقول:
«
أهلًا وسهلًا بحبيبي، بطفلي الجميل… ما شاء الله على جمالك وروعة خلق الله فيك. أنتَ سكرة قلبي يا يسّار، أنت أجمل هدايا الله».

 

خلقت ولادة يسّار شيئًا غير عادي في روح وقلب ليلى، رغم أنها كانت تحبّ أطفالها الأربعة حبًا لا مثيل له. لكن طفلها الخامس يسّار كان مختلفًا جدًا في مكانته في قلبها وروحها.

كانا مرتبطين ببعضهما بعمق من أوّل لحظة شعرت به يتحرّك في أحشائها. كان حبّها له وتعلّقها بذلك الطفل الجميل حبًا بلا حدود وأملًا كبيرًا به.

لقد رأت فيه ملامحها الملكية التي تشعّ ذكاءً وحنانًا وشغفًا. في الحقيقة، لم تكن ليلى تحمل طفلها فقط، بل كانت تحمل بين ذراعيها ذاتها التي تجسّدت في هيئة طفل جميل.

كانت امرأة جميلة جدًا، وكأنها الإلهة عشتار في جمالها وروعة روحها وحبّها الشديد لعائلتها.

 

كانت أمًا لأربعة أطفال: ثلاث فتيات جميلات وابن وسيم، ويسّار خامسهم، ابن بغداد العريقة، هدية الله للعائلة.

تزامنت ولادة يسّار مع بداية استقرار العراق، فكان هذا الطفل في حياة العائلة كأنه ملاك سلام وبداية مرحلة جديدة.

ليلى زهرة الغاردينيا، ليلى كما كان يسّار يسمّيها، من مواليد 25 آذار 1942، من أب عراقي وأم أردنية ذات أصول بريطانية. كانت مثقّفة درست علم النفس في جامعة بغداد، وتمتلك حدسًا وذكاءً اجتماعيًا لافتًا.

أما زوجها، السيد يشار، الدبلوماسي العراقي المرموق، فقد كان من مواليد بغداد عام 1938، وتولّى مناصب دبلوماسية عديدة بين 1960 و1990. عُرف بدهائه السياسي وقدرته على التفاوض وقراءة المشهد الدولي.

كان يُلقّب بـ"أبو أحمد"، ويُعرف بين زملائه بـ"المعلّم". امتلك ثقافة واسعة وعدة لغات، وشبكة علاقات قوية، وكان مثالًا للدبلوماسي الناجح.

 

كان يشار يقول لأبنائه:
«
أنتم أغلى ما أملك. أريدكم أن تكونوا أفضل نسخة من أنفسكم، وأن تعملوا لأنفسكم أولًا. إرضاء الآخرين غاية لا تُدرك، أما إرضاء النفس فهو ما يبقى».

وكان دائمًا يذكّرهم بالمحبّة، التسامح، والعمل، والامتنان.

 

عند وصول العائلة إلى منزلها الجديد في أثينا، شعر الأولاد بالقلق من التغيير، لكنهم حاولوا التكيّف مع حياتهم الجديدة في منطقة بلاكا.

كان المنزل يشبه بيوت بغداد بطرازه الواسع وشرفاته المفتوحة على الطبيعة، وأجوائه التي تجمع بين الغربة والألفة في آن.

قالت ريما:
«
هذا المنزل ينقصه أميرة، وأنا سأكون أميرة اليونان

فضحك الجميع، وأجابها والدها:
«
ستكونين أميرة، لكن عليك أولًا أن تقرئي عن الأميرة ماريا أوليمبيا».


أما يسّار، الطفل ذو الست سنوات، فكان يراقب كل شيء بعينين مليئتين بالدهشة، ويقارن بين العالمين الجديد والقديم، وبين أمه والغرباء.

وكان يقول لنفسه ببراءة طفولية:
«
أمّي أجمل… أمّي هي الأمان».


في تلك الليلة، وبينما كانت العائلة تستقر في أثينا، شعر السيد يشار بألم شديد بسبب حصى في الكلى، ونُقل إلى المستشفى بشكل عاجل.

وهكذا، بدأت أولى ليالي الغربة بثقل غير متوقّع، بين خوف طفل صغير وألم أبٍ ومخاض حياة جديدة.

 

مشاركة: