أفتح باب القصبجي في دمشق كما أفعل في يوم عادي، يرنّ الجرس الصغير عند المدخل، فأدخل إلى المكان الذي لم أعد بحاجة إلى تأمل تفاصيله كي أعرفها أعرف الطاولات، ورائحة المكان، وأعرف أين سأجد خالد خليفة.
كانت تلك واحدة من جلساتنا المعتادة، غير أن شاباً لم أكن أعرفه كان يجلس إلى طاولة خالد، كانا يضحكان، ولأن خالد يعرف أنني لا أجيد التعامل مع الغرباء، سارع بطريقته التي يجيد بها تذويب المسافات بين الناس، إلى القول: ستحبين هذا الشاب كثيراً.
كان اسمه رامي غدير، هو من اللاذقية، وأنا أيضاً من اللاذقية، يلفّ سجائره بيديه ويشرب العرق، ويبدو منذ اللحظة الأولى كما لو أنه لا يحتاج إلى مقدمات طويلة.
حين بحثت عن مكان يشبهني
سألني خالد لماذا لا أجلس في مقاهي اللاذقية، كان جوابي صريحاً: لأنها لا تتمتع بأي خصوصية.
كنت أردد دائماً أن للأماكن رائحة نألفها فتأسرنا، ولم أكن أقصد الرائحة وحدها، بل ذلك الشيء الذي يصعب أن تمنحه اسماً: مزيج الوجوه والأصوات والجدران والذكريات، والطريقة التي تشعر فيها بأن كرسياً ما ينتظرك، وأنك لا تحتاج إلى تفسير وجودك فيه.
قال رامي: إذن تعالي إلى قصيدة نثر... ستجدين شيئاً مختلفاً.
مزحة صنعت مكاناً
لم أكن أعرف أن تلك الجملة العابرة على طاولة في القصبجي ستمنحني لاحقاً مكاناً آخر في مدينتي.
في أواخر عام 2007، خرجت فكرة قصيدة نثر من مزحة بين رامي غدير وصديقه بريء خليل، قبل أن تتحول سريعاً إلى مشروع حقيقي، لم يفكر الاثنان في مقهى تجاري بالمعنى المألوف، بل في مساحة ثقافية صغيرة تتيح للناس أن يلتقوا ويتحدثوا ويقرأوا بعيداً عن ثقل المؤسسات الرسمية.
وصف رامي المكان لاحقاً بأنه "مساحة صغيرة من الحرية"، فيما تحدث بريء عن رغبة مبكرة في تأسيس مشروع ثقافي، قبل أن تجد الفكرة شكلها العملي في هيئة مقهى.
زقاق ضيق يقود إلى "قصيدة نثر"
في زيارتي التالية إلى اللاذقية، قررت البحث عنه، اجتزت ساحة الشيخ ضاهر، ثم دخلت أحد الأزقة الضيقة، لفتني فندق قديم بدا كأن الزمن تركه هناك، ونسي أن يأخذ منه جماله، تابعت الطريق، وفي نهاية المسافة وجدت نفسي أمام مكان لا يشبه الصورة المعتادة للمقهى.
كان الاسم وحده ــ قصيدة نثر ــ كافياً لإبطاء الخطوة.
المكان صغير: مكتبة، كتب، كراسٍ، طاولات ومشروبات، لكن وصفه بهذه الطريقة يظلمه.
طاولات خشبية مربعة، وجدران تتوزع عليها الألوان: الأصفر والأحمر والأزرق، فيما بقي السقف أبيض،لوحات لفنانين، وصور، وأوراق كبيرة تحمل قصائد تتبدل من وقت إلى آخر، ومكبر صوت صغير للموسيقى، وجرائد يومية عند المدخل.
وعلى أحد الجدران مساحة يترك الزائر عليها ما يريد: فكرة، جملة، ورقة صغيرة، شيئاً من نفسه.
وبحلول عام 2011، كانت المكتبة تضم نحو ألفي كتاب، ما جعل المكان أقرب إلى مؤسسة ثقافية ارتدت هيئة مقهى.
الجلسة الأولى... وإحساس قديم بالألفة
جلست للمرة الأولى وشعرت، على نحو يصعب تفسيره، بأنني أعرف المكان منذ زمن.
بدأ رامي يحكي كيف حدث كل شيء، ولدت الفكرة في سهرة، بعد فيلم شاهده مع صديقه، وانتهيا إلى نتيجة بسيطة: يجب أن نفعل شيئاً في هذه الحياة؛ ليس ضرورياً أن يكون عظيماً أو استثنائياً، يكفي أن يكون ممتعاً. ومن المزاح جاءت فكرة المقهى، ثم جاء الاسم.
لم يكن معهما رأس مال كافٍ، لكنهما بدآ، ومن فكرة صغيرة ظهرت الطاولات والمكتبة والألوان والقصائد، وبدأ الناس يأتون.
جلست أراقبهم، كاتب في زاوية، طالب يقرأ رواية، وشخصان يتبادلان الحديث والضحك؛ أمام أحدهما كأس نبيذ، والآخر صائم. صيادو سمك، مثقفون، طلاب جامعات، فنانون.
اختلافات يصعب جمعها في مكان واحد، لكنها بدت هنا أمراً طبيعياً.
وهذه تحديداً كانت خصوصية قصيدة نثر التي كنت أبحث عنها من دون أن أعرف.
الثقافة هنا بلا أبواب مغلقة
لم يكن المقهى نادياً مغلقاً للمثقفين، صحيح أن مارسيل خليفة مرّ من هنا، وأن شعراء وكتاباً مثل مرام المصري ومنذر المصري ولقمان ديركي ارتبطوا بأمسياته، وأن خالد خليفة أقام فيه ورشة مجانية لكتابة السيناريو، لكن الرجل الذي جاء ليشرب قهوته أو صياد السمك لم يكن أقل انتماءً إلى المكان من الكاتب الذي جاء ليقرأ نصه. وبات لي، أنا أيضاً، كرسي في اللاذقية.
صرت أذهب إلى قصيدة نثر كي أكتب، وألتقي الأصدقاء، وأراقب المدينة من داخله، كنت أعرف تلك الراحة التي تمنحك إياها الأماكن حين تتوقف عن كونك زائراً فيها. وكان خالد خليفة جزءاً من ذاكرة المكان منذ وقت مبكر.
خالد خليفة... بين طاولتين ومدينتين
كتب رامي لاحقاً أنه عرف خالد منذ عام 2008، حين كان يأتي إلى قصيدة نثر، وأن لخالد طاولة شبه مخصصة يفتح عليها حاسوبه ويبدأ بالكتابة.
ومن تلك العلاقة نشأت صداقة طويلة تجاوزت حدود الطاولة والمقهى.
وهكذا اكتملت الدائرة بالنسبة إليّ بصورة غريبة: عرفت رامي على طاولة خالد في القصبجي بدمشق، ثم اكتشفت أن خالد نفسه كان يملك طاولة أخرى عند رامي في قصيدة نثر باللاذقية، كأن المدينتين كانتا تتبادلان الأصدقاء.
مع عام 2011، لم يعد ممكناً لأي مساحة تسمح بالكلام أن تبقى خارج ما يحدث في سوريا.
دخلت السياسة إلى الطاولات، وبدأت المدينة تتغير، وتوجد شهادات من تلك الفترة تضع قصيدة نثر ضمن الأمكنة التي التقى فيها ناشطون وشبان في بدايات حراك اللاذقية، لكن الحرب لم تغيّر الأحاديث فقط؛ غيّرت الوجوه أيضاً.
بدأ الأصدقاء يغادرون: إلى أوروبا، إلى لبنان، وإلى مدن وبلدان لم يكونوا يعرفون إن كانت محطة مؤقتة أم حياة جديدة، وما بدأ احتفالاً بالحياة اليومية تحول، مع الوقت، إلى أرشيف للغياب.
بحلول عام 2016، كانت الصحافة تكتب عن قصيدة نثر بوصفه المقهى الذي يحتفظ بصور شباب غادر كثير منهم سوريا.
الأشياء الصغيرة التي تركها الرواد ــ الأوراق والصور وحتى النباتات ــ ظلت شاهدة على حياة كاملة كانت تجري هنا، بقيت الوجوه على الجدران، بينما تفرّق أصحابها في العالم.
أبي يكتشف المكان
صار للمكان معنى آخر حين أخذت والدي إليه. قلت له: سأصطحبك إلى مكان جميل... إلى ذاكرة.
دخل متفاجئاً من وجود مكان كهذا في اللاذقية، واتجه مباشرة إلى المكتبة، كان مهووساً بالقراءة، فأخذ يتفقد الكتب واحداً تلو الآخر، بعد ذلك لم يعد يحتاج إليّ كي يأتي، أصبح يرتاده يومياً.
ربما كانت هذه إحدى الصفات النادرة لـقصيدة نثر: كل واحد يعثر داخله على مكانه الخاص.
ثم جاء اليوم الذي تغيّرت فيه علاقتي بالمكان كله، دخلت بعد وفاة خالد خليفة.
كانت صور الوجوه ما تزال على الجدران، لكن واحدة منها أوقفتني.
خالد.
صورته معلقة وعليها شريط أسود، لم تكن بالنسبة إليّ صورة روائي معروف رحل، كانت صورة الرجل الذي كان ينتظرني عند طاولتنا في القصبجي، والذي قدّم إليّ رامي ذات يوم، وهو يضحك، وقال إنني سأحبه كثيراً.
توقفت أمام الصورة، ومنذ ذلك اليوم قررت ألا أدخل قصيدة نثر مجدداً.
المكان الذي تعرفت إليه بسبب خالد صار يحمل الدليل الأكثر قسوة على غيابه.
ودّع قصيدة نثر خالد بطريقته، اجتمع أصدقاؤه هناك بعد رحيله، غنّوا كما كان يحب، ورقصوا كما كان يحب أن يرى أصدقاءه يحتفلون بالحياة، وبقيت صورته معلقة على الحائط.
وبحسب ما أتذكر من تلك الأيام، طلبت الأجهزة الأمنية إزالة الصورة، لكن رامي رفض.
لا أستطيع فصل هذه الحكاية عن خالد نفسه، كان رجلاً يحب الأصدقاء والطعام والسهر والضحك، ويصعب تخيل أن يكون الوداع الذي يليق به صمتاً رسمياً بارداً، أكثر من أغنية وأصدقاء يرفعون كؤوسهم ويتذكرونه.
كتب رامي بعد رحيله عن صداقتهما، مستعيداً خالد الذي عرفه منذ عام 2008، والذي تحول من زبون إلى واحد من أقرب أصدقائه، وكتب عن موته باعتباره طعنة تأتي من أقرب مسافة ممكنة.
لكن ربما كان رامي قد شرح قصيدة نثر قبل ذلك بكثير، حين كتب عن مدينته.
فاللاذقية بالنسبة إليه ليست مجرد بحر ومدينة؛ لها قمرها ومزاجها الخاص. ونساؤها، كما يحب أن يقول، لهن مزاج شتاء المدينة: ليالٍ ممطرة، وبحر عالِ الموج، وصباحات دافئة بعد ليلة عاصفة.
"قصيدة نثر"... مزاج مدينة
هكذا أفكر في قصيدة نثر اليوم، ليس مجرد مقهى ثقافي، ولا مكتبة، ولا مكان أقيمت فيه أمسيات لكتاب وشعراء معروفين.
إنه مزاج من نوع خاص وجد نفسه في مدينة بدت أحياناً معزولة عن العالم، فصنع لنفسه كراسي وحيطاناً وكتباً وزواراً يشبهونه.
وعلى تلك الحيطان بقيت وجوه الذين رحلوا، بعضهم غادر البلاد، وبعضهم غادر الحياة، وبقي المكان يفعل الشيء الوحيد الذي تجيده الأماكن التي نحبها: يتذكر.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا