تحميل موقع شغف

كلهم يكتبون… فمن القارئ؟!

كلهم يكتبون… فمن القارئ؟!

يدخل كثيرون إلى منصات النشر كل صباح وهم يحملون رغبة عارمة في أن يقولوا شيئًا. يكتبون خاطرة، أو تعليقًا، أو مقالًا، أو رأيًا، أو قصة قصيرة، ثم يغادرون وقد اطمأنوا إلى أنهم شاركوا في صناعة المشهد الثقافي. وفي المقابل، يقل عدد الذين يمنحون النصوص ما تستحقه من وقت، ومن صبر، ومن إنصات. هكذا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة تستحق التأمل؛ فالمحتوى يتكاثر بسرعة مذهلة، بينما تتراجع القراءة العميقة بخطوات هادئة، وكأن الكتابة أصبحت غاية مستقلة، بعدما كانت امتدادًا طبيعيًا لرحلة طويلة مع القراءة.

هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة سبب واحد. لقد تراكمت عوامل كثيرة حتى أصبح النشر فعلًا يوميًا متاحًا للجميع، بينما بقيت القراءة عملًا يحتاج إلى وقت وإرادة ومزاج هادئ. الكتابة اليوم لا تنتظر موافقة محرر، ولا تحتاج إلى دار نشر، ولا تمر عبر بوابة ناقد. يكفي أن تمتلك حسابًا في منصة اجتماعية حتى تصبح صاحب منبر، وأن تضغط زر النشر حتى تجد كلماتك طريقها إلى مئات وربما آلاف الأشخاص. وهذه ميزة كبيرة من جهة، لأنها منحت أصواتًا كثيرة فرصة الظهور، وكسرت احتكار النشر، ووسعت مساحة التعبير. غير أن الوجه الآخر لهذا المشهد يدفع إلى أسئلة أكثر تعقيدًا، لأن سهولة الكتابة لم يصاحبها نمو مماثل في ثقافة القراءة.

كانت الكتابة في مراحل سابقة تأتي غالبًا بعد سنوات من مصاحبة الكتب. كان الكاتب يتشكل ببطء، ويتغذى على مكتبات كاملة، ويختلف مع مؤلفين، ويعود إليهم، ويكتشف أخطاءه معهم، ويكوّن ذائقته من خلال هذا الاحتكاك الطويل بالنصوص. أما اليوم، فكثير من التجارب تبدأ من الصفحة البيضاء مباشرة، وكأن القراءة محطة يمكن تجاوزها. ولهذا نرى نصوصًا كثيرة متشابهة في الفكرة والإيقاع والصورة، لأن مصادرها واحدة، وهي ما يتداوله الجميع في المنصات ذاتها، لا ما تراكم في الكتب من خبرات ورؤى وأساليب.

القراءة العميقة لا تمنح الكاتب معلومات فحسب، وإنما تمنحه قدرة على الشك، وعلى المقارنة، وعلى اكتشاف الفروق الدقيقة بين الكلمات. وهي تعلمه أن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل فكرة، وإنما بيت كامل يسكنه المعنى، وأن كل جملة تحمل مسؤوليتها الجمالية والفكرية. وعندما تضعف القراءة، تصبح الكتابة أكثر استعجالًا، وأكثر ميلًا إلى الجمل السريعة التي تحقق انتشارًا واسعًا، لكنها لا تترك أثرًا طويلًا في الذاكرة.

ومن يراقب المحتوى المنشور يوميًا يلاحظ أن كثيرًا منه يعيد إنتاج الأفكار نفسها بصياغات مختلفة. فكرة تنجح، فتتكرر عشرات المرات. عبارة تنتشر، فتولد منها مئات العبارات المشابهة. قصة تحقق تفاعلًا، فتظهر بعدها نسخ كثيرة تحمل الروح نفسها. وهكذا تتحول الكتابة من فعل اكتشاف إلى فعل محاكاة، ومن مغامرة معرفية إلى سباق على الحضور. وهذا لا يحدث لأن أصحابها يفتقرون إلى الموهبة بالضرورة، وإنما لأنهم لم يمنحوا أنفسهم فرصة تكوين مخزون قرائي يحميهم من التشابه.

الكاتب الذي يقرأ كثيرًا لا يخشى الصمت. يعرف أن أيام القراءة ليست انقطاعًا عن الكتابة، وإنما هي جزء منها. يعرف أن الصفحة التي يطويها اليوم ستظهر غدًا في جملة أكثر نضجًا، وأن الكتاب الذي يؤجله سنوات قد يفتح له بابًا لم يكن يراه. ولهذا كانت العلاقة بين القراءة والكتابة أشبه بعلاقة التنفس بالحياة؛ إحداهما تغذي الأخرى، وكل محاولة للفصل بينهما تنتهي إلى نصوص متعبة مهما بدت براقة في لحظتها الأولى.

ومن المؤسف أن ثقافة الأرقام أسهمت في تغيير معنى النجاح الأدبي. صار كثيرون يقيسون قيمة النص بعدد الإعجابات، وعدد المشاركات، وسرعة الانتشار، بينما بقيت الأسئلة الأكثر أهمية بعيدة عن الاهتمام. ماذا أضاف هذا النص إلى قارئه؟ ماذا سيبقى منه بعد أسبوع أو عام؟ وهل يستطيع أن يعيش خارج المنصة التي نُشر فيها؟ فالنص الجيد لا يعيش على سرعة تداوله، وإنما على قدرته على العودة كلما عاد إليه القارئ.

وقد انعكس هذا كله على الذائقة الثقافية. فالذائقة لا تتكون تلقائيًا، وإنما تُربى بالتدرج، وبالاحتكاك بالنصوص الرفيعة، وبالمقارنة بين التجارب، وبالوقت الذي يقضيه القارئ مع الكتاب من دون استعجال. أما حين تصبح القراءة مجرد مرور سريع على عشرات المنشورات، فإن العين تعتاد الإيقاع المختصر، ويصبح النص الطويل عبئًا، ويغدو التأمل رفاهية مؤجلة. عندها تتغير معايير الجودة، ويصبح أكثر النصوص قدرة على الاختصار هو الأكثر نجاحًا، حتى لو كان أقلها عمقًا.

ولا يقتصر أثر ذلك على الأدب وحده. فالفكر أيضًا يحتاج إلى قارئ صبور، وإلى عقل يحتمل التعقيد، ويقبل أن تتغير قناعته بعد رحلة طويلة من البحث. أما القراءة المتقطعة، فإنها تميل إلى اقتناص الجمل المنفصلة عن سياقها، وإلى التعامل مع المعرفة بوصفها عبارات جاهزة للاقتباس. وهكذا نفقد مهارة الربط، والتحليل، وبناء الرأي، ونكتفي بمواقف سريعة تشبه سرعة المنصات التي وُلدت فيها.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن بعض الكتّاب الشباب أصبحوا يقرأون ردود الأفعال أكثر مما يقرأون الكتب. ينتظرون التعليقات، ويراقبون نسب الوصول، ويتابعون حركة الخوارزميات بدقة، بينما تتراجع علاقتهم بالمكتبة شيئًا فشيئًا. ومع مرور الوقت، تبدأ الكتابة في الاستجابة لما يطلبه الجمهور، لا لما يحتاج الكاتب إلى قوله. وعندما يحدث ذلك، يصبح الكاتب أسيرًا لمعادلة صعبة؛ يكتب ليُرى، ويكرر ما نجح سابقًا، ويخشى المغامرة، لأن المغامرة قد تكلفه بعض الأرقام.

ومن جهة أخرى، فإن القارئ نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية. فالمطالبة بنصوص قصيرة دائمًا، والرغبة في الحصول على الأفكار في دقائق معدودة، والانتقال المستمر بين الصفحات، كلها عادات أعادت تشكيل العلاقة مع المعرفة. الكتاب يحتاج إلى جلسة كاملة، وإلى ذهن حاضر، وإلى رغبة في الحوار مع مؤلف قد يكون رحل منذ مئات السنين. وهذه العلاقة الحميمة لا تستطيع الشاشات السريعة أن تعوضها مهما تطورت.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد. فما زالت هناك جماعات قراءة تنمو بصمت، وما زالت معارض الكتب تستقبل آلاف الزوار، وما زالت المكتبات تحتفظ بسحرها القديم، وما زالت الكتب الجيدة تجد قراءها ولو بعد حين. وهناك جيل شاب يقرأ بجدية، ويبحث عن المعرفة من مصادرها، ويملك فضولًا حقيقيًا، لكنه يحتاج إلى نماذج تشجعه على الاستمرار، وإلى خطاب ثقافي يحترم عقله، ويقدم له القراءة باعتبارها متعة واكتشافًا، لا واجبًا ثقيلًا.

وربما آن الأوان لأن نستعيد مكانة القراءة في الحديث عن الكتابة. فالكاتب الذي لا يقرأ يشبه موسيقيًا يرفض الاستماع إلى الموسيقى، أو رسامًا لا يدخل المتاحف. الإبداع لا يولد من الفراغ، وإنما ينمو من حوار طويل مع ما كتبه الآخرون، ومع ما تركوه من أسئلة وإجابات واحتمالات. وكل كتاب نقرؤه يضيف نافذة جديدة إلى وعينا، حتى لو اختلفنا مع صاحبه.

ولا يعني هذا أن كل من يكتب مطالب بأن يصبح أديبًا كبيرًا، ولا أن النشر المفتوح مشكلة في ذاته. على العكس، إن اتساع مساحة التعبير مكسب ثقافي مهم، لكنه يحتاج إلى ثقافة موازية تعيد الاعتبار للقراءة بوصفها فعلًا مؤسسًا، لا نشاطًا ثانويًا. فكل مجتمع يكثر فيه الكتّاب ويقل فيه القراء، يواجه خطرًا خفيًا يتمثل في تضخم الأصوات مقابل تراجع الإصغاء، وفي كثرة الآراء مقابل قلة المعرفة، وفي حضور الكلمات مقابل غياب أثرها.

وربما يكمن السؤال الأهم في النهاية خارج الكتابة نفسها. هل ما زلنا نملك القدرة على الجلوس مع كتاب ساعات من غير أن نفتش عن الهاتف؟ وهل ما زلنا نمنح الأفكار فرصة كي تنضج داخلنا قبل أن نسارع إلى إعلانها؟ وهل ما زلنا نؤمن بأن القراءة ليست استهلاكًا للنص، وإنما مشاركة في صنعه، لأن القارئ الجيد يضيف إلى الكتاب من خبرته وأسئلته وتأويلاته بقدر ما يأخذ منه؟

كلما ازداد عدد الذين يكتبون، ازدادت حاجتنا إلى قراء حقيقيين. فالكتابة التي لا تجد قارئًا متأملًا تفقد جزءًا من رسالتها، والقراءة التي تصنعها العجلة لا تمنح الثقافة جذورها. وبين الكاتب والقارئ علاقة أعمق من تبادل الكلمات؛ إنها علاقة تحفظ للغة حياتها، وللفكر امتداده، وللذائقة قدرتها على التمييز. وحين يعود القارئ إلى مكانه الطبيعي، ستستعيد الكتابة شيئًا من هيبتها، وستصبح كل كلمة أكثر استحقاقًا لأن تُكتب، وأكثر جدارة بأن تُقرأ.

مشاركة: