ميّزت ملامحُ عديدة الاحتجاجات الشعبيّة السلميّة التي انطلقت، بين عاميْ 2010 و2011، في نحو عشرة بلدانٍ عربيّة. فعدا التضييق السياسي والقمع الأمني والفكري اللذيْن أجّجا نقمة الرأي العامّ حيال أنظمة الحُكم في تلك البلدان، اعتُبِر انتشار الفساد والركود الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشيّة للمواطنين، في عُمق الأسباب التي أضرمت شعلة ما سمّاه بعض الإعلام "ثورات الربيع العربي". ومنذ المراحل الأولى لتلك "الثورات"، برزت عودةٌ لافتة للمساجد التي لعبت دورًا في الصراع السياسي الذي اندلع في ساحات التظاهر؛ بحيث شكّلت "بيوت الله" المنصّات الأساسيّة، في بعض الدول المنتفِضة، لإطلاق الاحتجاجات ضدّ الأنظمة الحاكمة التي كانت قد حظّرت، وبشكلٍ شبه تامّ، نشاط أحزاب المعارضة وتجمّعاتها. قلنا "عودة لافتة للمساجد"، لكون التحرّكات والتعبئة الشعبيّة التي شهدتها دُور العبادة، لم تكن بالشيء الجديد في تاريخ الإسلام؛ فالجوامع والمساجد والزوايا والحسينيّات.. شكّلت في الاجتماع العربي- الإسلامي، غالبًا، الرافعة الأكثر فعاليّة لتحريك جموع الناس، من خلال التوظيف السياسي الذي كان "يتفاقم" في أوقات الأزمات والمحن، وأثناء الحراكات المطلبيّة.
استمرّ ذلك التوظيف السياسي للمساجد، على الدوام، نهجًا متَّبعًا من قِبَل جماعات الإسلام السياسي التي سعت، ولا سيّما في نهاية سبعينيّات القرن الماضي، إلى فرض سلطتها المطلقة على الجوامع، بخاصّة تلك الخارجة عن رقابة الدولة، والمُسمّاة "مساجد الجمعيّات" أو "المساجد الأهليّة". وإذا كان المسجد يُعَدّ، تاريخيًّا، المعقل المركزي للعمل الدعوي التبليغي، فإنّ خطبة يوم الجمعة تُعَدّ، بدورها، إحدى أهمّ أدوات هذا "النشاط الاتّصالي والتواصلي" للدين الإسلامي. فعلى مدى كلّ العصور الإسلاميّة، تقريبًا، مثّلت الخطبة إحدى الثوابت المستقرّة والمستمرّة في التجربة السياسيّة للإسلام، سلطةً وتجاذباتٍ وصراعاتٍ، ولم تشذّ "ثورات الربيع العربي" عن هذه القاعدة، حتّى وإنْ كان "الحراك المسجدي"، إذا جاز التعبير، قد التحق (بعد حين) بالاحتجاجات التي تفجّرت في الساحات العربيّة.
لقد شكّلت الخطبة، ومنذ بدايات الدعوة المحمّديّة، وسيلةً اتّصاليّة مميّزة للدين التوحيدي الجديد، بحيث ساهمت، وبفعاليّةٍ كبيرة، في بثّ مبادئ العقيدة الدينيّة وتعاليمها. وهذا الدور النشط، جعلها تحظى بمنزلةٍ مميّزة؛ إذْ، فُرِضَت الخطبة، وبنسقٍ منتظم لم يكن معروفًا من قبل، كجزءٍ واجب في أهمّ الصلوات الإسلاميّة، وفي مقدّمها "صلاة الجمعة" التي، وبخلاف سائر الصلوات، تسبقها الخطبة ولا تعقبها. ولـ"خطبة الجمعة" حظوتها الاستثنائيّة، أيضًا، لدى الفرد المسلم المؤمن؛ فهو يحفظ لهذه الخطبة، وبعد خمسة عشر قرنًا على ظهور الدعوة، المكانة الثابتة في حياته العباديّة والاجتماعيّة، وغالبًا ما كان لها الدور المهمّ في تشكيل وعيه وفكره وآرائه، والتأثير على توجّهاته ومواقفه وسلوكه.
فالخطبة، بعامّة، تمثّل خطابًا صادرًا عن فلسفةٍ اجتماعيّة وسياسيّة، وذلك بفضل الموقع الذي احتلّته، تاريخيًّا، في مختلف الأنظمة السياسيّة العربيّة والإسلاميّة. فهي رمزت، وطويلًا، إلى علامة السيادة والقيادة في الإسلام، واقترنت، على الدوام، بالحُكم والحُكّام؛ وبقيت خطبة الجمعة، على وجه التحديد، محلّ تجاذبٍ وصراع، وعكست حال المجتمعات الإسلاميّة وتنازعها من قِبَل الحركات السياسيّة والتيارات الفقهيّة المختلفة، ولا سيّما في العصور الأولى لظهور الدعوة. اليوم ومثلما كانت بالأمس، تشكّل خطبة الجمعة أحد أبرز تمثّلات الخطاب الديني الإسلامي، وعلى الرغم من كلّ ما شهدته (وتشهده) المنظومة الاتّصاليّة من تبدّلات وتحوّلات وتطوّرات على إيقاع الثورة الرقميّة، بقيت هذه الخطبة عصيّة على التغيير.
وهذا يفسِّر، إلى حدٍّ بعيد، حضورها الكثيف كمادّةٍ أساسيّة في النقاشات الإعلاميّة والعامّة، والتي ترى إليها، لا بدّ من القول، كخطابٍ "يلعب" في منطقة الخطر. لماذا؟ بالنظر إلى إساءة استخدامه وتوظيفه، في معظم الظروف والأوقات، لغاياتٍ، غالبًا ما تتخطّى الموعظة الحسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعريف بأمور الدين. فبطبيعة الحال، لا ينفصل خطاب يوم الجمعة، وككلّ أنواع الخطابات، عن سياق تخلّقه، ولا عن "الذات" التي أنتجته، ولا عن "الذات" التي تنقله، ولا عن "الذات" التي تتلقّاه، لأنّه، ببساطة، شبكة معقّدة من العلاقات (الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة..)، تتظهّر، من خلالها، الكيفيّة التي تُنتَج فيها المضامين.
يشتغل خطاب خطبة الجمعة في فضاءاتٍ متداخلة جدًّا، ويُنتِج رموزًا من الماضي والحاضر، على حدٍّ سواء. فمن منطلق أنّ الإسلام كلٌّ لا يتجزّأ، يُبيح خطباء الجمعة لأنفسهم أن يتناولوا أيَّ موضوعٍ، "يعتقدون" أنّه يمسّ حياة المسلم، من قريبٍ أو بعيد، ليس على هذه الأرض، فحسب، بل في الحياة الآخرة، أيضًا. فيندرج، في سياقه، الديني والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والمقدّس والمدنّس والمتعالي والأرضي؛ بحيث، تلجأ الخُطب، بشكلٍ عامّ، إلى الأصول الدينيّة وتراث السلف، في محاولةٍ لربط الكثير من المفاهيم والأفكار والقضايا الحديثة، بجذور التراث الإسلامي.
وممّا تقدّم، نتوصّل إلى استنتاج يدعونا للتوقّف عنده، مليًّا، والتساؤل عن الأسباب التي تجعل من خطبة الجمعة المعاصرة خطابًا صالحًا، لكلّ زمانٍ ومكان، والذي يسمّيه أحد المفكّرين الإسلاميّين "مأزق اللّاتاريخيّة". إذْ يفصح الأئمّة، على ضوء ذلك "الربط المفاهيمي"، عن آراء ومواقف ثابتة ثبات العقيدة، ويُطلقون الأحكام المطلقة والمبرمة في الكثير من الأحوال والمواضيع التي يتطرّقون إليها. وتصبح المسألة ذات حساسيّة بالغة (إن لم نقلْ خطورة)، عندما ترسم "السياسة" والصراع السياسي والموقف من الأنظمة الحاكمة والنزاع على خلفيّة الإيديولوجيّات المختلفة، ولا سيّما المتطرّفة منها، معالم الطريق الموصِلة إلى الجنّة. فهنا، تحديدًا، نلمس القابليّة الشديدة لبعض الأئمّة، في إعطاء "وصفاتهم الجاهزة" لكيفيّة إرضاء الله والابتعاد عن نار جهنّم!
ويندرج في هذا السياق، تأكيد الذات، سياسيًّا وحضاريًّا ودينيًّا، كنتيجةٍ حتميّة للخطاب الذي يُقرَن، غالبًا، بنبرةٍ انتقاميّة للجماهير المحرومة، فيعبِّئ لهويّةٍ تؤسّس لعلاقاتٍ وكيان، من خلال تأكيد الانتماء. لذا، يجهد خطاب الجمعة، وبإلحاح، في محاولة التأثير على المتخيَّل الجماعي للمتلقّي (المسلم)، فتشتغل هنا آليّاته وتقنيّاته لتستفزّ وجدان المستمع، وتُلهِب حنينه إلى عهدٍ ذهبي مضى وولّى. وعلى هذا المنوال، تنطلق عمليّة إقامة المقارنات الدائمة، بين أمسٍ مُشرق وحاضرٍ مُظلم، لتشكِّل الاستراتيجيّة الراسخة لدى خطباء الجمعة المعاصرين، مهما تفاوتت مستوياتهم وشخصيّاتهم وانتماءاتهم وكفاءاتهم.
وعليه، تركّز الخطبة المعاصرة، وفي كلّ المحطّات والمناسبات، على المسائل التي تعمّ فيها البلوى؛ فتحتلّ، مثلًا، مواضيع النُظم السياسيّة والتعايش مع الثقافات غير الإسلاميّة، حيّزًا كبيرًا في كلام الأئمّة، ولا سيّما عندما يستفيضون في التعابير والنعوت المنتقدة لـ"ثقافة الغرب" التي "تجتاح"، بأجهزتها المختلفة، بلاد الإسلام. ويكثر في مضامين الخُطب، إعمال مفهوميْ الحلال والحرام في كلّ تفصيلٍ يصادفه الفرد المسلم أو يعيشه في يوميّاته وفي حياته الشخصيّة والعامّة، ليُملي الخطيب عليه، بعد ذلك، نوع السلوك الواجب أن يلتزم به وشكله.
يُصاغ خطاب خطبة الجمعة، اليوم، بعباراتٍ تستحضر كلّ الرصيد الأخلاقي والاجتماعي والمعنوي للإسلام في ذهن أفراد الجماعة، وتحضّ المسلم على تنفيذ التكليف الإلهي له لنصرة الدين والمقاتلة في سبيله، في بيته كما في ساحات الوغى. من هنا، نخلص للاستنتاج أنّ خطبة الجمعة ليست خطابًا ناقلًا للتقوى فقط، بل هي تركيبٌ شامل ومعقَّد لرسائل مختلفة، منها المباشر جدًّا ومنها المضمر. وهي تهدف، أحيانًا، إلى تحقيق نوعٍ من الضبط الاجتماعي، ولكنّها غالبًا ما تسعى إلى التغيير الاجتماعي، عبر إحداث تحويلٍ في "مسار" معلومات الجماهير وعاطفتها واتّجاهاتها، وتظهير ذلك التحويل في السلوك العلني للمصلّين، خارج حرم المسجد. وبعد؟
"خطبة الجمعة" هي خطابُ أزمة وتعكس أزمةَ خطاب، في الوقت عينه. بحيث يعاني خطابها ما يعانيه الخطاب الديني الإسلامي، عمومًا، من مُكبِّلاتٍ عدّة تمنعه من أن يكون خطابًا مُنتِجًا للمعنى. إنّما هو خطابٌ يغذّي ويكرّس ما يشبه "الانفصام المرضي" (الفردي والجماعي)، بين معتقدات المؤمن وموجبات الممارسة الحياتيّة له. وإذا كانت خطبة الجمعة قد شُرِّعت، بحسب علماء الشريعة وفقهائها، لتذكير المسلمين بمقاصد شريعة دينهم، إلّا أنّ الممارسة في الواقع ابتعدت كثيرًا عن ذاك "الهدف". والأخطر، أنّ إمام يوم الجمعة ("صانع" هذا الخطاب) بات يُختار عشوائياً، ومن دون أن يكون صاحبه، بالضرورة، ذا شأنٍ سياسي مرموق، أو له رتبة دينيّة رفيعة، أو يتمتّع بدرجةٍ علميّة عالية.
علّامة أو مفتي أو شيخ زاوية أو شيخ كُتّاب أو موظّف في وزارة الأوقاف أو مجرّد ذكَرٍ بالغ يتمتّع "بالعقل والشرف"، باستطاعته، في هذه الأيّام، أن يقف على منبر رسول الإسلام ويقيم الصلاة الجامعة، بعد أن يخطب بالجموع والحشود. لم تعد إمامة الجمعة مقترنة، إذًا، بأيّ شكلٍ من أشكال السلطة أو الحُكم، بل، في يومنا هذا، يمكن أن يُلقَّب "إمام"، كلّ مَن يعتلي المنبر يوم الجمعة ويؤمّ بضع عشرات من المصلّين في "مسجدٍ أهلي" في أسفل عقار سكني في باريس، أو بضع مئات في قرية بناويط في صعيد مصر، أو عشرات الآلاف في المسجد الأقصى في القدس المحتلّة، أو الملايين في ساحات طهران.
كلمة أخيرة. إنّ ما يُقدَّم على منابر الجمعة المعاصرة، ليس نتاجًا ثقافيًّا فحسب، إنّما هو مُنتِجٌ لثقافةٍ معيّنة. وقد تكون خطبة يوم الجمعة، الوسيلة التي تُخبِرنا، أكثر ما يكون، كيف يُعاش الإسلام في.. "داره" اليوم.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا