أتردد على أمستردام منذ بداية الثمانينات، وكانت زيارتي الأولى لها عام 1980 صدفة. كنت حينها أعمل في شركة لصناعات البتروكيماويات، وكان عليّ حضور دورة تدريبية في مدينة كوفنتري في إنجلترا. لذلك استقلت الخطوط الهولندية إلى لندن، وأقمت في أمستردام يومين ضمن الرحلة. أعجبتني المدينة منذ الزيارة الأولى، وزرت خلالها متحف فان كوخ (1853 - 1890)، الفنان الذي تعلقت به في سن مبكرة، وجذبني إليه أسلوبه الخاص في الرسم، وفرشاته، وألوانه المميزة، فضلًا عن حياته المأساوية. وشاءت الأقدار أن تتكرر زياراتي لهذه المدينة عشرات المرات، إذ قادتني أعمالي اللاحقة في مجال النقل البحري والمقاولات إلى التعامل مع أكثر من شركة هولندية.
هولندا... بلد العلم والتجارة والفلسفة
لهولندا تاريخ عريق في مجالات العلوم والاقتصاد والفلسفة. ومع أن معرفتي بها عندما كنت يافعًا كانت تقتصر على كونها الدولة التي تصدر إلى الكويت دهن «كلارا» وراديوهات وتلفزيونات «فيليبس»، فإن اكتشافي لها لاحقًا كشف لي عن بلد يمتلك إرثًا حضاريًا كبيرًا. في مجال العلوم، تتميز هولندا بأن نحو اثنين وعشرين هولنديًا فازوا بجائزة نوبل، وكان معظمهم في مجالي الفيزياء والكيمياء. كما ينبغي أن نتذكر أن الميكروسكوب كان اختراعًا هولنديًا، وأن الفيلسوف سبينوزا كان يعمل في صقل الزجاج المستخدم في صناعة العدسات. والهولنديون شعب عريق في التجارة والاستكشافات الجغرافية، فهم الذين أسسوا مدينة نيويورك التي كان اسمها في البداية «نيو أمستردام»، ولا يزال أثر العمارة الهولندية حاضرًا فيها حتى اليوم. وعلى الرغم من صغر مساحة هذا البلد، فقد استعمر الهولنديون إندونيسيا لمئات السنين، ولهذا نجد أن لهم مساهمة كبيرة في مجال الاستشراق، وأن جامعاتهم انفتحت على الدراسات الإسلامية.
أمستردام وبداية النظام المصرفي العالمي
الهولنديون أمة تجارية، وكان لهم دور كبير في نشوء وتطور النظام المصرفي العالمي. بل إن أول بنك مركزي في العالم تأسس في أمستردام. حدث ذلك بصورة عفوية؛ إذ كان التجار يحملون نقودهم المعدنية إلى سوق أمستردام يوميًا، فاقترحت عليهم البلدية حفظها لهم مقابل خطاب يمنح للتاجر يوضح المبلغ الذي أودعه لديها. وبعد نجاح الفكرة، اقترحت البلدية استخدام هذا المخزون من العملات المعدنية لإقراض التجار الذين يحتاجون إلى السيولة مقابل فائدة، فتطور هذا التعامل ليؤسس أول بنك مركزي في العالم، وكانت تلك بداية نشوء وتطوير نظام مصرفي عالمي. حتى إن التجار البريطانيين لجأوا إلى هولندا للاقتراض عندما منع مجلس العموم البريطاني التعامل بالفائدة لأسباب دينية في القرن السادس عشر. ولعل القليل يعرف أن أول بنك تأسس في السعودية كان «البنك الهولندي»، الذي أُنشئ لخدمة الحجاج الإندونيسيين، وما زال يعمل تحت اسم «البنك السعودي الهولندي».
متحف فان كوخ... ذاكرة عائلية تتجدد
لعل أهم متحفين في هولندا هما متحف ريكس (Rijksmuseum) ومتحف فان كوخ. ولي قصة خاصة مع هذا المتحف الأخير. في عام 1997 زرته برفقة زوجتي وأبنائي الثلاثة، وكانت أعمارهم آنذاك 8 و7 و5 سنوات. ولإثارة حماسهم، أخبرتهم بأن من يجد أولًا في المتحف اللوحات التي لدينا نسخ منها في منزلنا في الكويت، سيفوز بجائزة مالية. تمكنت بهذه الفكرة من خلق حالة من الحماس بينهم، لكنها تحولت إلى ضجة مزعجة داخل المتحف. ومنذ يومين كررت المسابقة نفسها مع سبطتيّ صفية: بسومة وشوق، اللتين تبلغ أعمارهما 7 و5 سنوات. ونجحت الفكرة مرة أخرى في بث الحماس بينهما، فتحولت الزيارة إلى سباق انتهى بالبكاء، لكن الكبرى حسمت الفوز عام 2026، كما حسمه حمود عام 1997. أمستردام... مدينة أشعر فيها بأنني في بيتي لطالما شعرت بأنني في مدينتي عندما أكون في أمستردام، وساعد على ذلك وجود الصديقة ليفا يوريس (Lieve Joris)، التي أعرفها منذ أربعين سنة، والتي أصبحت صديقة لعائلتي. ليفا كاتبة بلجيكية تعيش في أمستردام منذ عقود، ولديها مؤلفات عديدة، من بينها كتاب عن الخليج، وآخر عن سوريا، وكتب أخرى عن رحلاتها إلى أفريقيا. لكنها غير موجودة حاليًا في أمستردام، فهي في سوريا منذ أكثر من خمسة شهور. وقد التقيتها في دمشق خلال زيارتي الأخيرة، وترافقنا لزيارة دير صيدنايا الشهير، الذي لا يبعد كثيرًا عن سجن صيدنايا الذي نافس الدير في الشهرة.
هولندا... نموذج للتسامح والتنوع
لاحظت خلال زيارتي الأخيرة مدى التسامح الذي يتميز به المجتمع الهولندي. فهناك نسبة عالية من النساء الهولنديات المسلمات المحجبات، حتى إنني وجدت محلات أزياء نسائية مخصصة للمحجبات. وفي زياراتي للعاصمة لاهاي، شاهدت تمثالًا لامرأتين محجبتين. فالمرأة المحجبة في هولندا تشعر بدرجة كبيرة من الراحة، ولذلك ليس مصادفة أن نشاهد كثيرًا من العائلات الكويتية والخليجية الأخرى تتردد على زيارة هولندا. كما أن الزائر العربي إلى هولندا يشعر بغربة أقل نتيجة وجود أكثر من مليون تركي ومغربي ومصري في هذا البلد الصغير نسبيًا، الذي تبلغ مساحته نحو 42 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانه نحو 18 مليون نسمة.
تاريخ من الحروب والصراعات الدينية
دخل الهولنديون تاريخيًا في حروب طاحنة مع الإسبان والفرنسيين، واتخذت هذه الحروب في كثير من الأحيان طابعًا طائفيًا؛ فالهولنديون من أتباع المذهب البروتستانتي، بينما كان الإسبان والفرنسيون من الكاثوليك. ومع ذلك، فإن حروب نابليون كانت قومية فرنسية أكثر من كونها دينية. وشهد القرن السابع عشر تفوق الهولنديين في مجال الفن، إذ تزهو متاحف هولندا وبلجيكا والعالم بلوحات كبار الفنانين، مثل رامبرانت (Rembrandt)، وفيرمير (Johannes Vermeer)، وفان دايك (Anthony van Dyck)، وروبنس (Peter Paul Rubens). والفنانان الأخيران بلجيكيان من مدينة أنتويرب (Antwerp)، التي تنتمي لغويًا وثقافيًا إلى البيئة الهولندية. وتمنح زيارة متحف الرايك (Rijksmuseum) فرصة لرؤية أعظم ما قدمه هؤلاء الفنانون من فن راقٍ وواقعي. وتعد لوحة رامبرانت «دورية الليل» (The Night Watch) واحدة من أهم الأعمال التي قدمتها الإنسانية في تاريخ الفن.
هولندا... بين اللغة والشركات العالمية
مع أنني أتردد على هولندا منذ بداية الثمانينات، فإنني لم أتعلم اللغة الهولندية، ويرجع ذلك إلى أن الغالبية العظمى من الهولنديين تتحدث اللغة الإنجليزية. ومع ذلك، أشعر بتأنيب الضمير لأنني لم أتعلم هذه اللغة، خصوصًا أنها تشترك مع الألمانية والإنجليزية في كثير من المفردات. كنت قد بدأت المقال بالتصريح بأن معرفتي الأولى بهولندا، عندما كنت يافعًا، ارتبطت بدهن «كلارا» وأجهزة «فيليبس»، لكن التعرف الحقيقي على هذا البلد يقودنا إلى اكتشاف شركات عالمية كبرى نستخدم منتجاتها يوميًا دون أن نعرف أنها هولندية. من هذه الشركات شركة «شل» (Shell) النفطية، وشركة «يونيليفر» (Unilever) للمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية، التي نستخدم الشاي الذي تسوقه، ونستهلك الصابون الذي تنتجه، ونأكل حلوياتها، من دون أن ندرك أنها شركة ذات جذور هولندية. كما تعد شركة «DSM» الهولندية من أكبر شركات التعدين والمطاط، بينما شركة «AkzoNobel» الهولندية-السويدية تنتج البتروكيماويات. أما الشركة الهولندية الأهم حاليًا فهي «ASML»، التي تعد الشركة الأولى عالميًا في إنتاج الآلات المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية (Chips) التي تدخل في مختلف الأجهزة والحواسيب، وتقترب قيمتها السوقية من 600 مليار دولار. ولم يكن وجود هذه الشركة وليد الصدفة، بل هو امتداد لتطور تقنية الطباعة الضوئية (Lithography) في شركة «فيليبس»، التي تأسست عام 1891، بدءًا من صناعة المصابيح الكهربائية وصولًا إلى تأسيس «ASML».
هولندا والعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل
تشكل شركتا «فيليبس» و«ASML» جسرًا مهمًا في تطور العلاقات الاقتصادية القوية مع إسرائيل، إضافة إلى التعاطف التاريخي لدى الهولنديين مع اليهود. فقد استقبل الهولنديون المهاجرين اليهود من إسبانيا بعد طردهم عام 1492، وازدهرت الجالية اليهودية في هولندا حتى أصبحت جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي. كما ازداد التعاطف مع اليهود بعد معاناة اليهود والهولنديين من الاضطهاد النازي خلال الحرب العالمية الثانية. ومع وجود تعاطف شعبي كبير مع الفلسطينيين، خصوصًا بعد أحداث غزة، فإن الحكومة الهولندية بقيت ضمن تحالفها الاقتصادي والعسكري والسياسي القوي مع إسرائيل. فالحكومة الهولندية تظهر انفتاحًا ولطفًا مع العرب، لكنها في الوقت نفسه حليف اقتصادي وعسكري لإسرائيل. وتعد هولندا من أكبر المستفيدين من الاستثمارات الإسرائيلية. ففي عام 2024 وحده، استلمت ما يعادل 44.9 مليار يورو من إسرائيل، كما استثمرت في العام نفسه أكثر من 27 مليار يورو، كان معظمها في مجال التكنولوجيا الحديثة. وهناك أيضًا تعاون علمي بين البلدين في مجال صناعة الحواسيب المتطورة، كما استثمرت هولندا مبالغ أكبر في إسرائيل خلال عام 2023. التكنولوجيا الإسرائيلية والحسابات الاقتصادية يلاحظ أن معظم الدول الصناعية المتقدمة تتنافس على الاستثمار في إسرائيل أو على جذب الاستثمارات الإسرائيلية إليها، نظرًا إلى مكانتها في مجال تطوير تكنولوجيا الحاسوب. ويرى كثيرون أن إسرائيل أصبحت من أكثر دول العالم تقدمًا في هذا المجال، وأن قطاع التكنولوجيا فيها استفاد من الظروف الأمنية والعسكرية المتوترة. كما أن الحرب على غزة والتصعيد مع إيران انعكسا، وفق هذا التحليل، على أداء البورصة الإسرائيلية، التي تضاعفت قيمتها خلال عامين. وتتنافس دول عديدة، مثل الهند والصين واليابان وعدد من الدول الأوروبية، على تطوير علاقاتها التكنولوجية مع إسرائيل، رغم الانتقادات الواسعة المرتبطة بالسياسات الإسرائيلية في المنطقة. فالمستثمرون ينظرون إلى التكنولوجيا الإسرائيلية باعتبارها قطاعًا واعدًا، بينما يرى منتقدو إسرائيل أن جزءًا من هذا التطور مرتبط بالصناعات العسكرية والحروب.
هولندا بين التعاطف الشعبي والمصالح الرسمية
تعد هولندا من الدول الرائدة في التبادل العلمي والتجاري مع إسرائيل. وعلى الرغم من التحول الشعبي المتزايد نحو التعاطف مع الفلسطينيين داخل المجتمع الهولندي، فإن الحكومة الهولندية ما زالت تحافظ على علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع إسرائيل. وهكذا تبقى هولندا بلدًا يجمع بين تاريخ عريق في الفن والعلم والتجارة، وبين شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تحدد موقعها في العالم المعاصر.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا