(١)
رواية الكاتب الصيني ماي جيا (Mai Jia) "هكذا الحياة"، تصف لنا التحولات التي حدثت في الصين منذ بداية القرن العشرين وإلى أوائل القرن الحالي من خلال ما حدث من تحولات على حياة شخصيات كانت تعيش في قرية صغيرة على نهر الـ "اليانغتسي". تبدأ الرواية في القرية كما تُروى من قِبَل طفل في العاشرة من عمره، وتختتم عندما يبلغ فيها الطفل الثانية والستين.
ومثل هذه القرية لا يوجد مثيل لها في الوقت الحاضر؛ فالتحولات التي طرأت على مثل هذه القرى حولتها إلى قرى كبيرة أو مدن صغيرة خلال العقود الستة الماضية. وقليل من زوار الصين يعرف مثل هذه القرى، حتى الذي يتردد على الصين منذ بداية الثمانينيات لم يكن يسمح له بزيارة غير العاصمة بكين وشنغهاي وكانتون التي أصبحت غوانجو. لذا يعتبر كاتب هذه السطور من المحظوظين الذين زاروا مقطعات في الصين فيها مثل هذه القرية الموصوفة في "هكذا الحياة".
فقد زرتُ الصين في أغسطس 1988 لمُدّة تزيد على ثلاثة أسابيع ضمن وفد من شركة المواشي والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية. وقد ضمَّ الوفد، إضافة إلى كاتب هذه السطور، المرحومين: الدكتور عبد الرحمن سلمان والدكتور حامد الحديدي. وكنا نتجول في الصين مع فريق اقتصاديصيني ضمَّ أحياناً أكثر من سبعة أشخاص، وأغلب تنقلاتنا كانت بالقطار وفي باص صغير، وكنا نزور مدناً وقرى كبيرة وصغيرة. وعندما كنا نتجول في شوارع هذه القرى، كان الأطفال يلحقون بنا لمشاهدة بشر غير صينيين لأول مرة.
ومن خلال جولتنا في الباص الصغير، كنا نزور ونمر من خلال عشرات القرى، وكنا نقصد هذه الأماكن لأن غرض زيارتنا كان لتقييم الاستثمار في مشاريع زراعية في الصين، وكنا نسافر مئات الكيلومترات إلى أو عبر قرى ومدن، وكنا نشاهد الصين التي وصفها ماي جيا في "هكذا الحياة"؛ كنا نشاهد النساء تزرع الحقول حاملة الأطفال على ظهورهن. وعندما نصل إلى قرية نمر من خلال أسواق القرية ونشاهد فيها صينيين على الدراجات الهوائية وقد حمل كل منهم على دراجته ست دجاجات وأربع بطات. وأذكر أنه في أحد الفنادق في مدينة صغيرة كنت آخذ الدراجة الهوائية وأسوقها بنفسي في خضم عشرات من سكان المدينة، وكان بعضهم عندما يشاهدني ينبهر غير مصدق لما رآه أو شاهده.
وبالإضافة إلى بكين، زرنا مدينتي جنان (Jinan) وتشينغداو (Qingdao) في مقاطعة شاندونغ (Shandong) . وفي مدينة جنان تسلقت جبل أو مرتفع يبلغ ارتفاعه 300 متر يسمى "جبل بوذا". وخلال تسلقي التقيت بشاب صيني مثقف يتحدث الإنجليزية، وجرى حديث بيننا عن السياسة وتاريخ الصين، وتطرقت فيه إلى شخصية "ماو تسي تونغ" ووصفته بأنه كان مثقفا، فكان رد الصيني بأنه كان سياسيا أكثر منه مثقفا. وفي نفس المقاطعة شاندونغ زرنا مدينة تشينغداو (Qingdao) التي ساهم في بنائها الألمان في القرن التاسع عشر، وما زال أثر العمارة الألماني فيها ظاهراً، وامتد التأثير الألماني لتصبح هذه المدينة أهم مدينة في الصين في صناعة البيرة.
كما زرنا ميناء ومدينة تشينهوانغداو (Qinhuangdao) في مقاطعة هوبيه (Hebei)، ومن العاصمة بكين أخذنا القطار إلى مدينة هوهوت (Hohhot) في منغوليا الداخلية (Inner Mongolia). وفي هذه الرحلة التي استمرت أكثر من عشر ساعات، تناولت مع المرحوم د عبد الرحمن سلمان (أبو فواز) الخبز والجبن العكاوي الذي كان قد أحضره معه من الكويت، ثم أكلنا البطيخ الذي اشتريناه من خلال شباك القطار. وأذكر أني علقت أن الزائر لا يدرك عدد سكان العاصمة ودراجاتها الهوائية إلا بعد أن يتجول في محطة القطار. وفي مدينة كوفو(Qufu) دعانا عمدة المدينة إلى الغداء وكان كريماً في مأدبته لدرجة أنه كان من ضمن المأدبة عقارب مقلية والتي لم أتقبل تناولها، لكني عرفت أن سعر الكيلو منها يعادل مائة مرة سعر كيلو لحم الغنم. وترجع شهرة مدينة كوفو لكونها مسقط رأس الفيلسوف كونفوشيوس (Confucius) وفيها معبده الذي بُني قبل 500 سنة من الميلاد. وخلال الرحلة علمنا أن الصينيين يفضلون أكل لحم الخنزير على لحم الغنم كون الأخير له رائحة غير مرغوبة. وأرى أن كل لحم له طريقة في الطبخ، وأن أفضل من يطبخ لحم الغنم هم العرب والإيرانيون والأتراك. ومن ذكرياتي عن هذه الرحلة أني استغربت عندما علمت من أبي فواز أنه أحضر معه خبز وجبن عكاوي، لكن عندما أصبحنا في القطار من بكين إلى منغوليا الداخلية، خاطبته: " أبو فواز ... الله يخليك عطنا الخبز والجبن ". وكانت هذه الرحلة الثانية لأبي فواز للصين. فقد زار الصين قبل ذلك بسنتين ضمن فريق من شركة المواشي لتوقيع عقد لشراء أغنام صينية للكويت.
الحقيقة أنني شعرتُ بميزة وأنا أقرأ "هكذا الحياة" لماي جاي لأكثر من سبب؛ فكثير مما وصفه الكاتب كان أقرب لخيالي من قارئ آخر، كما أني وجدتُ أن الراوي في القصة، والذي لا يبوح باسمه، قد ولد في أول الخمسينات من القرن العشرين، مما جعلني شريك له في الفترة الزمنية التي يعيشها.
(٢)
يبدأ زمن الرواية في بداية الستينات من القرن الماضي عندما كان عمر الراوي عشر سنوات، لكن شخصيات الرواية الرئيسية كانت قد بدأت حياتها في العشرينات من القرن العشرين. فالعقيد (الشخصية الرئيسية في الرواية) التحق بجيش جمهورية الصين عام 1935 (وكان ذلك قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية بـ 21 سنة).
يتأخر الراوي في التصريح باسم القرية، لكنه يصفها وصفاً وفقا لوصف جده بأنها تقع على سفح سلسلة جبال، يعتقد السكان أن أصلها تنين أسطوري، أما القمة التي تقع فوق القرية فيطلق عليه " مؤخرة النمر ". وعندما يصرح باسم القرية نعرف أنها "شوانغجيا" (Shuangjia)، ويبلغ عدد سكانها حوالي 5000 شخص، يرجعون إلى عائلتين، يرافقهم السكن بالقرية الأشباح. فالأشباح وإن كانت غير موجودة بأجسامها، إنما هي دائما موجودة في عقول كثير من السكان خاصة كبار السن. ومعظم الشخصيات الرئيسية في الرواية لا نعرفها من خلال أسمائها، إنما من خلال صفاتها، أو من خلال " علوقة " باللهجة الكويتية. فأصدقاء الراوي هم: النمر القزم والأعمى الصغير، واللقيط، والزرافة. أما جدَّه فهو العرّاف العجوز وصديقه الشرطي العجوز.
أغلب شخصيات الرواية تعيش في فترة الستينات؛ وهي الفترة التي عانى فيها الصينيون من الثورة الثقافية التي أطلقها القائد ماو لإزالة "الشوائب" من الفكر الشيوعي الذي وصل إلى حكم الصين عام 1949. وأكثر من عانى من ظلم هذه الثورة الثقافية كان هم المثقفين. وأذكر أنه عندما سافرت ضمن الوفد في أغسطس 1988، أني تمكنتُ من العثور على قصة بالإنجليزية لكاتب صيني شهير، وأذكر أني قرأت القصة في رحلتنا بالقطار من العاصمة بكين إلى منغوليا الداخلية. ولم أتمكن من إيجاد هذه القصة في مكتبتي بعد هذا الزمن، لكني أعتقد أنها للروائي مو يان المولود عام 1955، ويوصف " بأنه واحد من أشهر أدباء الصين، وأن أعماله من أكثر الأعمال التي لا تفضل السلطات الصينية نشرها". وما زلت أذكر غلاف القصة، وأنها كانت ناقدة للثورة الثقافية.
رواية "هكذا الحياة" تتكون من حوالي 470 صفحة، وقرأتها في ستة أيام مع أني أقرأ ببطء. ولا بد أن ترجمة الدكتور يحيى مختار ساهمت في انسيابية الكلمات والانغماس بتلقائية في الرواية، التي إضافة لكونها عمل أدبي رائع، فهي تعطي القارئ مختصرا لتاريخ الصين منذ بداية القرن العشرين حتى عام 2014. فالعقيد – الشخصية الرئيسية في الرواية - يقع في أسر اليابانيين عام 1943، عندما كان ضابطا في جيش جمهورية الصين، الذي دخل في حرب مع القوات الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن الشخصيات التي لابد أن تجذب القارئ في الرواية هي شخصية جدّ الراوي. فبالإضافة إلى خوفه من الأشباح الشريرة، والذي يتجنبها بالتردد على المعبد وزيارة المقابر، يصرح بآراء لها معان عميقة؛ فيصف بعض الناس بأنهم كلحاء الشجر، " لحاء الشجرة العتيقة سميك للغاية لكن جلد الشخص عديم الحياء هو الأكثر سمكا في العالم ". ويصف الراوي بعض التجارب التي مرَّ بها بأنها تشبه الندوب التي خلفتها مكواة نار احترق منها لحمي، ولا يفارقني ألمها. وأعجبني وصف الكاتب للعمال الذين يعملون على خط الإنتاج، ولا يتقنون سوى مهارة واحدة بأنهم غير مؤهلين للمبادرة بتأسيس عمل خاص بهم. ولا بد من التذكير أن حالة العمال النفسية والاقتصادية على خطوط الإنتاج من الأمور التي أثيرت في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد نشرت أبحاث عديدة حول هذا الموضوع من أقسام علم الاجتماع والنفس والفلسفة في جامعات كثيرة.
وعلاقة العقيد بزوجته لين من أكثر ما يشد القارئ بالتمعن بهاتين الشخصيتين. واستغرب الراوي كيف أن الزوجة لين اختارت أن تأتي إلى القرية لتأخذ العقيد الذي كان آنذاك قد فقد عقله، لتصحبه معها إلى شنغهاي. لكن سبب هذا الولاء ينكشف للقارئ في آخر الرواية. وفي آخر لقاء له مع لين الزوجة قبل موتها تحثه أن يقبل على الحياة. فقد خاطبته قبل أن تنفذ آخر أنفاسها:
"تذكر، الحياة كالبحر المتقلب، والجرأة على الموت ليست شجاعة، بل الحياة هي التي تتطلب الشجاعة. هل تتذكر ما قلته في بداية تعارفنا؟ لا يوجد سوى فعل بطولي واحد فقط في هذا العالم، ألا وهو أن يظل المرء مقبلا على الحياة رقم ادراكه حقيقتها".
ولم تنسَ أن تخبره أنها تعلمت هذا من قراءتها لكتاب لـ رومان رولان.
اضطر الراوي وبترتيب من والده أن يترك القرية في عمر السادسة عشر، بعد أن ألمّت فضيحة بالقرية كان وراءها جدُّ الراوي. فيأخذه والده إلى أقرب ميناء واضعاً إياه على ظهر باخرة ليجد نفسه بعد أسابيع في ميناء برشلونة، لينزل منها ويعمل عند صانع أحذية لعدة سنوات دون أن يتمكن من تحسين أوضاعه المادية. وتضطره الظروف إلى أن يترك العمل ليقتات على بقايا الأكل في حاويات القمامة. يتعرف تدريجياً على حاويات القمامة في الأحياء الغنية، ويبدأ ببيع بعض محتوياتها للأحياء الفقيرة. وتدريجيا يدخل في تجارة فرز القمامة، مصدراً بعضها في حاويات إلى الصين، فتزدهر تجارته ويفتح مكتباً في الصين، ويتردد على قريته متمكنا من إكمال أحداث الرواية. وربما عليّ أن أتوقف عن سرد تفاصيل أخرى لكي يتحمس القارئ لقراءتها بنفسه.
ولا بد أن أضيف أني زرتُ الصين مرتين بعد زيارتي الأولى لها في أغسطس 1988، وكم وجدتُ أن الصين قد تغيرت 180 درجة؛ ففي بعض المجالات أصبحت أكثر حداثة من أوروبا والولايات المتحدة. لكن أعزُّ ما بقي في ذاكرتي عن هذا البلد العظيم كان من زيارتي الأولى. فما زلتُ أذكر الرجل الصيني الذي تسلقت معه الجبل في مدينة جنان، والذي أخبرني أن ماو تسي تونغ كان سياسياً أكثر من كونه مثقفاً.
وما زلتُ أذكر الرجال والمرأة الوحيدة الذين كانت برفقتنا في زيارتنا لأكثر من قرية ومدينة في باص صغير. وأذكر أنه لمقاومة الضجر أخذتُ على عاتقي تعليمهم الأعداد باللغة العربية. فقد أخذتُ موقعاً في مقدمة الباص وكنتُ أردد عليهم: (واحد، اثنان، ثلاثة) ثم هم يرددون بعدي... وأذكر ضحكات المرحوم د عبد الرحمن سلمان (أبو فواز) الذي أعجب بالطريقة التي كنتُ أقاوم الضجر بها وذلك بتعليم الصينيين اللغة العربية.
Hamed.alajlan@gmail.com
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا