الإيطالي جيوسيبي دي نيتيس (Giuseppe De Nittis) كان في السادسة عشرة من عمره عندما طُرد من أكاديمية نابولي بتهمة "العصيان". لكنه لم يبكِ، بل صرخ في وجه أساتذته: "سأكون معلمي الوحيد." هذا الشاب المتمرد من مدينة بارليتا، الذي فقد والده منتحرًا وهو في العاشرة، لم يكن يعلم أنه بعد سنوات قليلة سيصبح الفنان الإيطالي الوحيد الذي يشارك في أول معرض انطباعي في باريس عام 1874، بدعوة شخصية من إدغار ديغا.
حياة بين الأضواء والمغامرة
كان دي نيتيس يعيش حياة مزدوجة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففي النهار، كان يرسم سيدات باريس الأنيقات في شوارع العاصمة، ويرتدي البدلات الفاخرة، ويتردد مع زوجته ليونتين على الصالونات الراقية، حيث كانت تدير مجلسًا أدبيًا وفنيًا يجمع نخبة أثرياء باريس. وحقق نجاحًا كبيرًا، وباع لوحاته بأسعار مرتفعة، ونال وسام جوقة الشرف الذهبي عام 1878 خلال المعرض العالمي.
أما في الليل، فكان يمتطي حصانه ست ساعات يوميًا ليرسم بركان فيزوف أثناء ثورانه، ويقف تحت الأمطار الغزيرة ليلتقط تحولات السماء. وكتب في مذكراته: "كنت أبقى أحيانًا سعيدًا تحت الأمطار المفاجئة. لأنني، صدقوني، أعرف الغلاف الجوي جيدًا. كل الأسرار، كل ألوان الهواء والسماء. السماء، كم رسمتها!"
بين باريس الأنيقة وجذوره الإيطالية
كان دي نيتيس رجلًا مليئًا بالتناقضات. فمن جهة، أصبح سيد النخبة الباريسية، ورسام الفساتين الحريرية والحدائق المترفة، حتى لقّبه النقاد بـ**"رسام الباريسيات"**. ومن جهة أخرى، ظل وفيًا لجذوره الإيطالية، فرسم الفلاحين الفقراء في جنوب إيطاليا، وأبدع أعمالًا مثل "الطريق من برينديزي إلى بارليتا"، التي نالت إعجاب النقاد وأثارت دهشة غوستاف كاييبوت.
وفي حياته الخاصة، كانت زوجته ليونتين صاحبة تأثير كبير؛ إذ كانت، بحسب ما روي عنها، "تجعله يخضع لرغباتها وتتحكم في قراراته الفنية"، فكانت تحدد من يدخل صالونه، ومن يُطرد منه، وحتى الأشخاص الذين يرسمهم.
رحيل مبكر وأسئلة بلا إجابات
في عام 1884، وبينما كان في ذروة مجده، توفي دي نيتيس فجأة إثر سكتة دماغية في سان جيرمان أونلي، حيث كان يقضي عطلته، ولم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره.
رحل تاركًا وراءه أسئلة أكثر من اللوحات: هل كان دي نيتيس يخون أصله الإيطالي عندما ارتدى البدلة الباريسية، أم كان يحاول الهروب من جذوره المؤلمة؟ وهل يستطيع أي فنان أن يعيش بين عالمين من دون أن يفقد نفسه؟
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا