تحميل موقع شغف

جيوفاني بولديني... الرسّام الذي حوّل البورتريه إلى مسرح للحركة والإغواء

جيوفاني بولديني... الرسّام الذي حوّل البورتريه إلى مسرح للحركة والإغواء

الإيطالي جيوفاني بولديني (Giovanni Boldini) كان رجلًا لم يتجاوز طوله المتر والنصف، لكنه تمكّن من إخضاع أطول سيدات المجتمع الباريسي وأكثرهن غطرسة لرؤيته الفنية. كان يضعهن في أوضاع غير مريحة، ويطيل أذرعهن وأرجلهن إلى حدود التشويه، ويجبرهن على الوقوف عند حافة الكرسي وكأنهن على وشك السقوط، ثم يرسمهن كما لو أنهن يعشن في عالم من الإثارة والحركة الدائمة. وقد قال عنه أصدقاؤه: "بولديني هو الشجرة المغرية لكل حواء."

وُلِد عام 1842 في فيرارا لعائلة كاثوليكية متدينة، وكان الطفل الثامن بين ثلاثة عشر شقيقًا. ولم يكن طالبًا مجتهدًا، بل تمرّد على القواعد الأكاديمية، حتى إن والده، وهو رسام، فضّل أن يتولى تعليمه بنفسه بدلًا من إرساله إلى المدارس. ثم انتقل إلى فلورنسا، حيث ارتبط بجماعة "الماكيايولي" الثورية، التي رفضت التفاصيل الدقيقة واعتمدت بقعًا لونية واسعة للتعبير عن الضوء والحركة.

باريس... حيث أصبح رسّام النخبة

في عام 1871، وصل بولديني إلى باريس، وسرعان ما أصبح مرسمه مقصدًا لأرستقراطيات العالم. كان يعرف كيف يتحدث إليهن، وكيف يستدرجهن إلى البوح بأسرارهن، فيما كانت عيناه تلتقطان أدق تفاصيل حضورهن. وكان يطلب منهن خلع قفازاتهن، ثم يرسم الأيدي بإطالة مبالغ فيها، جاعلًا منها المحور الأساسي في اللوحة. وكان يقول: "يدي المرأة تقود النظرة، وتوجّه اللوحة بأكملها."

حياة بين الشهرة واللوحات السرية

عاش بولديني حياة مزدوجة؛ ففي النهار، كان يرسم بورتريهات النخبة بأسلوبه الأنيق الذي جعله أشهر رسامي عصر البيل إيبوك. أما في الليل، فكان ينجز لوحات تجريدية تكاد تكون كاملة، ويخفيها في خزانة مرسمه، ولم يرها أحد إلا بعد وفاته. وفي تلك الأعمال السرية، كان يتحرر من قيود المجتمع، ويرسم كوابيسه ورغباته بحرية مطلقة.

النهاية... وسؤال لم يُحسم

في عام 1912، تزوج من إميليا كاردونا، التي أصبحت كاتبة سيرته الذاتية. لكنه ظل كما عرفه الجميع: رجلًا قصير القامة، ذا شارب أنيق، يتجول في شوارع باريس مرتديًا قبعته المستديرة، وينظر إلى الجميع من علٍ، وكأنه كان يدرك أن الفن هو السلاح الوحيد الذي يمنحه هذا الحق.

توفي عام 1931، تاركًا وراءه سؤالًا واحدًا: هل كان بولديني يبحث عن الجمال في النساء اللواتي رسمهن، أم كان يبحث عن نفسه في تلك الضربات السريعة التي كانت تخلق عوالم كاملة من الإثارة والغموض؟