تحميل موقع شغف

جول جوزيف لوفيفر... الرسّام الذي بحث عن الحقيقة خلف الجسد

جول جوزيف لوفيفر... الرسّام الذي بحث عن الحقيقة خلف الجسد

كان الفرنسي جول جوزيف لوفيفر (Jules Joseph Lefebvre) ابن خباز من بلدة تورنان الصغيرة. بدأ حياته يعجن العجين ويقطّع الخبز لزبائن والده في أميان. وفي الثانية عشرة من عمره، كان يعمل في المخبز كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة، ويداه مغمورتان بالدقيق، لكن قلبه كان متعلقًا بعالم آخر. كان يهرب إلى العلية ليرسم على الجدران بالفحم.

وعندما اكتشف والده الأمر، لم يعاقبه، بل وقف طويلًا أمام رسوماته، ثم قال له: "أنا لا أفهم هذا، لكني أعرف أن الله لم يخلقك لتكون خبازًا." وأقنع والده مجلس مدينة أميان بمنحه منحة دراسية، وفي سن السادسة عشرة غادر المدينة متجهًا إلى باريس.

جائزة روما... وسنوات الفقد

في عام 1861، وبعد محاولتين فاشلتين، فاز لوفيفر بجائزة روما الكبرى عن لوحته "موت بريام". لكن الرحلة إلى روما لم تمنحه السعادة، بل حملت إليه سلسلة من المآسي. ففي السنوات الخمس التي قضاها في فيلا ميديشي، فقد والده ووالدته وإحدى شقيقاته.

كانت الرسائل تصل إليه حاملة أخبار الوفاة واحدة تلو الأخرى؛ يفتح الظرف، يقرأ، ثم يضعه جانبًا ويعود إلى الرسم. لم يحضر جنازة أيٍّ منهم. وقال زملاؤه في المرسم إنه لم يبكِ قط، لكن خادمه روى أنه كان يستيقظ في منتصف الليل، ويجلس في الحديقة، ويهمس لتماثيل الرخام: "هل أنتم وحدكم أيضًا؟"

المرأة بوصفها خلاصًا فنيًا

عانى لوفيفر من اكتئاب عميق. وبعد عودته إلى باريس عام 1867، تغيّر أسلوبه الفني بشكل مفاجئ؛ فتخلّى عن اللوحات التاريخية الضخمة التي منحته الشهرة والجوائز، واتجه إلى رسم المرأة العارية.

لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الموضوع، بل بدا وكأنه محاولة لإنقاذ نفسه. وكان يقول لتلاميذه: "الجسد العاري هو الشيء الوحيد الصادق في العالم. الملابس كلها أكاذيب."

وفي عام 1870، رسم لوحته الشهيرة "الحقيقة"، حيث تظهر امرأة عارية ترفع مرآة ذهبية فوق رأسها، وكأنها تقول: "انظر، هذا هو أنا، من دون قناع". أشاد النقاد باللوحة، لكن لوفيفر نادرًا ما تحدث عنها، واكتفى بإخبار أحد أصدقائه: "هذه المرأة هي الوحيدة التي رأت روحي."

شهرة واسعة وشخصية خجولة

في سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبح لوفيفر أسطورة حية، لكنه ظل يخشى الظهور في الأماكن العامة. رفض حضور حفلات توزيع جوائز الأكاديمية، كما رفض المبيت في قصر الإمبراطور.

وفي إحدى المناسبات الأرستقراطية، سألته سيدة نبيلة: "سيد لوفيفر، ألم ترسم قط أشخاصًا لا يرتدون ملابس؟" فأجابها: "يا سيدتي، ليس لدي عادة النظر إلى النساء في الشارع."

غادر الحفل مبكرًا، وعاد إلى مرسمه ليكمل لوحة "أوداليسك"؛ امرأة شبه عارية ترقد في غرفة معتمة، محاطة بالوسائد الحريرية وأواني البخور، وعيناها نصف مغمضتين وكأنها غارقة في فكرة بعيدة. أصبحت هذه اللوحة، الموجودة اليوم في معهد شيكاغو للفنون، واحدة من أعماله المعروفة، وقيل إنها حملت ملامح زوجته التي أحبها لكنه لم يستطع رسم وجهها علنًا.

كلوي... آخر حب وآخر عارية

في عام 1881، وعندما بلغ الخامسة والأربعين، التقى لوفيفر بفتاة شابة تدعى كلوي، كانت طالبة في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة. بشعرها الذهبي وبشرتها البيضاء كالخزف، أصبحت عارضته، وبعد ثلاث سنوات تحولت العلاقة إلى حب.

وفي عام 1888، رسمها في لوحته "كلوي"؛ جالسة عارية، وأسفل ظهرها يلامس المقعد، فيما تحدق عيناها في المشاهد بمزيج من البراءة والتحدي. تحولت اللوحة لاحقًا إلى أيقونة أسترالية، وتُعرض في حانة يونغ جاكسون في ملبورن.

وكانت تلك آخر لوحة يرسمها لوفيفر من الحب. فعندما غادرته كلوي عام 1895 بسبب شائعة، لم يرسم امرأة عارية مرة أخرى.

من رسم النساء إلى تعليمهن

بعد أن توقف عن رسم النساء، بدأ لوفيفر تعليمهن. ففي أكاديمية جوليان، درّب أكثر من 1500 طالب من مختلف أنحاء العالم، وكان من بينهم عدد كبير من النساء، في وقت لم تكن فيه النساء مؤهلات للقبول في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة.

كان يقف أمام طالباته ليشرح تشريح الجسد الأنثوي، لكنه لم يكن يلمس النموذج أبدًا، بل يستخدم عصًا خشبية طويلة للإشارة، ويقول: "الجسد الأنثوي حرم، لا تلمسه أبدًا، فقط ارسمه."

وعندما سألته إحدى الطالبات: "ما سر رسم النساء الجميلات؟" أجابها: "لا يمكنك أبدًا رسم ما تحبه. السر هو أنك ترسم ما تخافه."

النهاية... والحقيقة التي لا تبتسم

في 24 فبراير 1911، توفي لوفيفر في منزله. وفي أيامه الأخيرة، طلب من خادمه إزالة كل اللوحات من الجدران، وترك لوحة واحدة فقط: "الحقيقة".

ظل ينظر إليها ساعات، ثم قال: "هل تعرف لماذا لا تبتسم هذه المرأة أبدًا؟ لأنها تعلم أن الحقيقة تؤلم."

وفي تلك الليلة، أغمض عينيه في صمت. وبقي السؤال الذي تطرحه أعماله حتى اليوم: هل كان لوفيفر يريد أن ينقذ المرأة من خلال جسدها، أم أنه كان يستخدم جسد المرأة لينقذ نفسه من وحشة ليالي روما الطويلة؟