تحميل موقع شغف

فصل من رواية سمّ في الهواء لـ" جبّور الدويهي"

فصل من رواية سمّ في الهواء لـ" جبّور الدويهي"

ترخي المرأة جسمها فوق كنبة من الخيزران، ترتدي فستاناً منقّطاً من دون أكمام يكشف بياض ذراعيها، رأسها مائل وشعرها أسود متموّج. تتدلّى فوقها على الجدار صورة للجنرال ديغول يقف خطيباً وراء ميكروفون كبير ويتوجّه بالكلام إلى جماعة من العسكر. إلى يسارها، صبيّ مبلّل الشعر، يجلس فوق كرسيّ عالٍ من دون ظَهر، يلبس سروالاً قصيراً ربّما لم يعد مناسباً لسنّه، وقدماه لا تلامسان الأرض. بينهما كلب يلتفّ على نفسه أرضاً وينام. يبدو من بعيد كلّ شيء معلّقاً، ساكناً، كما في رسوم القدّيسين المحاطين بالحيوانات الداجنة وسط حديقة غنّاء، صورٌ لا يُعرَف مَن رسمها، كان ينادي عليها في أزقّتنا باعة سوريّون مسلمون يحملون معها على ظهورهم حقائب ضخمة مليئة بالمناشف والثياب الداخلية. إذا خطا الناظر مقترباً من الصورة المربوطة بخيط، وجد أنّ عينيّ المرأة تفضحان ذعراً غير مفهوم كأنّها اكتشفت لتوّها بعد تجاوزها الخمسين من العمر فداحة المصير البشري، كما يظهر جليّاً قلقٌ من نوع آخر على وجه الصبيّ وحتى قائد جيوش فرنسا الحرّة يبدو غاضباً. وحده الكلب يتمتّع بالهدنة التي تلي الغداء في الفصل الحارّ.

أمّا المراهق فهو أنا، والمرأة هي عمّتي، والكلب، فوكس، كلب جارنا الصيّاد. رفع المصوّر كتفَي عمّتي المتهدّلَتَين عادةً وأوقف رأسها ثم ناداني ممازحاً لكنّي لم أستجب، لم أبتسم. كان المصوّر يدور على البيوت، مثلما يدور بائع الملبن أو مبيّض أواني النحاس، يقف في بابنا، لا يحكي، لا يرمي السلام، يُضيء الفلاش في وجوهنا فقط وينتظر أن ندعوه. عاد ليعطينا الصورة بعد يومين فصنعنا لها إطاراً من الخشب وعلّقناها على الجدار حيث التُقطت، فوق كنبة الخيزران، مجلس عمّتي المفضّل.

 

يخرج أبي كلّ يوم إلى حانوت الأحذية تفوح فيه رائحة الجلد والغراء، أرافقه في العطل المدرسيّة، أتابعه كيف يأخذ مقاس الأرجل، يصمّم ويلصق، ويقصده رجال يأتون من بعيد يعتمرون الكوفيّة والعقال، يوصونه على جزم عالية يتباهون بها إذا امتطوا جواداً أو لفّوا أجسادهم بعباءة شتويّة.

تنزل أمّي إلى السوق في طرابلس، فأبقى مع عمّتي التي كانت أُصيبت بفالج نصفيّ عجزت بعده عن اللفظ القويم، يسيل اللعاب من فمها من دون أن تشعر، لا تحكي، وإذا قالت شيئاً تلعثمت به، باستثناء أبيات من الشعر حفظتها عن ظهر قلب في سنوات دراستها تصدح بأحدها مرّة في اليوم على الأقلّ من دون أن تخطئ بحرف واحد.

 

في الواقع، لم نكن وحدنا، عمّتي وأنا، فباب البيت مشرّع عن آخره، وإذا تجاوزتنا الأحداث، أي إذا عضّني الكلب مثلاً في رجلي العارية كما حصل مرّة وصرخت بصوت حادّ، هرع الجيران لنجدتنا ورماني رجل ضخم الجثّة على كتفه ليتدلّى رأسي عند مؤخّرته فأسمعه يطلق الهواء مع كلّ خطوة يخطوها، وأتسلّى عن ألمي بمشاهدة المارّة يسيرون رأساً على عقب، حتى وصلنا إلى مستوصف المدرسة حيث ضربتني الراهبة المعتمرة الكورنيت البيضاء إبرة كزاز خشية إصابتي بداء الكلَب. عفتُ من يومها عِشرة الحيوانات الأليفة وصار فوكس يقترب من بابنا، يمدّ بوزه إلى الداخل ويذهب في سبيله.

 

كان الحيّ مكتظّاً، لا تُغلق أبواب بيوته إلّا ساعة النوم، ولكلّ ساعةٍ أصواتُها. الليل يأتي بنعيق الضفادع وبعويل الثعالب البعيد، توقظنا منبّهات السيّارات التي كان يطلقها السائقون من دون سبب. يبدأ جارنا إلى الجهة الغربيّة لعق العرق صافياً فور نهوضه من الفراش، يبصق أرضاً داخل بيته، يتلو "الأبانا والسلام" بصوت عالٍ، ويدور في البيت باحثاً عن عذر لضرب زوجته التي كانت تردّ له الشتائم بما هو أبلغ منها وتحمي رأسها بيديها. أرتدي ثيابي وأُسرع لمتابعة المشهد قبل وصول حافلة المدرسة: رغم احمرار وجنتيه غضباً، كان يتأنّى بصفعاته فلم نرَ جرحاً ولا دماً، وكنت أخاف أن يقع طربوشه الحميديّ الذي كان يهتزّ عند كلّ ضربة قبل أن يتدخّل المصلِحون لفضّ هذه الرياضة الصباحيّة. كانت أمّي تقول إنّ زوجته تحبّه. "خدَمَتْه" في خَرَفِه عندما لم يعد يعرف مَن هي ويتّهمها بمحاولة سرقته، تحلق له ذقنه، تضع له طربوشه مع حَنية إلى اليمين وتُجلسه على كرسيّ أمام الباب وتبتعد عنه قليلاً كي تصلح خطأ ما في هندامه، تريده في هيئة رجل بكلّ مهابته، كما تخيّلته ولم تحصل عليه، يرمي عليه المارّة السلام فيبتسم ولا يتعرّف عليهم.

 

بعد صخب الصباح، أقصد المدرسة التي تأخذني بعيداً. يُمنَع علينا تكلُّم العربيّة تحت طائلة العقاب، نتقن الخطّين العربيّ والفرنسيّ، نحفظ عن ظهر قلب قصائد انمحى ذكرُ شعرائها أمثال فرنسوا كوبيه أو خوسيه ماريا دي هيريديا، نرسم القلب البشريّ ملوّناً مع كامل أنابيبه والبُطين والأذَين، كما نخطّ مقاطعة النورماندي ومدنها الرئيسيّة، بينما لا يتحمّل زملائي رؤيتي جالساً أقرأ في الملعب خلال استراحة الظهر، أقرأ في المرحاض وفي قاعة الطعام بينما أتناول الغداء فينشل أحدهم كتابي، "قصّة مدينتَين" لتشارلز ديكنز، ويرميه بالعالي فيعلق بين أغصان شجرة الحور فيحاولون إسقاطه بالحجارة قبل أن يفرّوا من أمام الناظر الغضوب. وكنت رشّحتُ نفسي من دون منافس كي أكون "مسؤول" المكتبة، فصرت أرتاد يوميّاً القاعة التي يدخل عليها ضوء النهار من النوافذ فيلتمع خشب خزائن الكتب، ما جعلني أجمع من يومها بين الخشب الثمين والكتب حتى جاءني المدير يوماً، "هذا مفتاح المكتبة"، قال، "لن أجد أحرص منك عليها"، فخفق قلبي وصرت أحمل الكتب معي إلى البيت واقرأ منها لعمّتي التي كانت تتنهّد عند بعض المقاطع كأنّها تذكّرتْ فصلاً عاطفيّاً من فصول شبابها الكثيرة. أجلس إلى جانبها فتطلع عليّ رائحة الدواء الذي كانت تكوي به شعرها، رائحة تصيبني دائماً ببداية غثيان. اقرأ لها يوم السبت وكان يوم عطلة، قصائد كما تحبّ، أو حكايات الفروسيّة، أقرأ لها بعد أن أعود من عمليّة الذبح في الصباح الباكر.

 

يوم الماعز ينبري اللحّام للمهمّة وحده، ويوم العجل يتعاون اثنان، الرجل وابن عمّه. نسمع الحيوان المربوط على الرصيف يجأر من ساعات الفجر الأولى، يوقظنا جرس الكنيسة وخوار العجل، يقال إنّه يشعر بما ينتظره. أُسرع مع أحد رفاقي كي لا يفوتنا شيء، يطردنا اللحّام إلى الرصيف المقابل كي لا ينفر الدم علينا. كان جزّ رقبة العجل سهلاً، ضربة واحدة من الوريد إلى الوريد. يهدّئه الرجلان، يملّسان على رقبته بنعومة كي ترتخي عضلاته ويغدرانه فجأة من الخلف بضربة حادّة قبل أن ينقبض، لأنّ ذبحه وهو خائف يجعل لحمه قاسياً يصعب على الزبائن علكه. عيناه تبقيان مفتوحتين تنظران نحونا في الجهة المقابلة فنشعر أنّ فيهما بقيّة ملامة لأنّنا لم نحرّك ساكناً لنجدته. يسلخان جلده بعناية، يقسمان العجل شقّتين فتفيض أحشاؤه أرضاً، وأنا لا أحيد نظري عن وجهَي الجزّارَين الهادئين اللامباليَين، مثل وجه خيّاط أو حائك قصب منكبّ على صنعته، والدم يلطّخ ثيابهما، يقطّب أحدهما وجهه فقط إذا علقت سكّينه بين عظمتين. يطردان الكلاب، يتوجّهان إليها بعبارات نابية، يكملان جَرد اللحم ويبدأ صاحب الذبيحة بالمناداة، فيبدأ جاره وهو لحّام مثله على بعد أقلّ من عشرين متراً بالردّ و"حرق" السعر، ويدور الزجل تلميحاً وتصريحاً بأنّ ذبيحة هذا "بَلْديّة" ولحم الآخر مستورد، حتى احتدم السجال يوماً وانهالت الشتائم وشُهرت السكاكين العريضة المسنّنة. هربنا نحو البيت، وبعد قليل سمعنا جعيراً أشبه بخوار العجول، ثمّ علمنا أنّ اللحام الضخم الجثّة الذي كنّا نتفرج عليه صباح يوم السبت سقط بضربة سكّين من غريمه أخرجت له أمعاءه. رأيتُه ليلتها في المنام، بطنه مبقور وينادي على ذبيحته، مات قبل أن يصلوا به إلى المستشفى.

 

بقيتُ وحيداً في هذه الحياة، فشل أبواي في منحي أخاً أو أختاً، تخشى أمّي أن أُتعِب عينيّ في شبه العتمة التي أقلّب فيها صفحات كتبي. تخاف عليّ من كلّ ما أقوم به تقريباً، من السباحة عارياً في النهر مع حلول الربيع كما وشى بي البعض، من عِشرة مَن تسمّيهم "رفاق السوء" أي جميع أولاد الحيّ والأحياء الأخرى، من البقاء وحيداً في الغرفة حيث قد تحضرني "أفكار مؤذية" أو السير حافي القدمين، كلّ ما أرتاح لفعله يخيفها وربّما هي تخاف عندما تراني راضياً مندفعاً، حتى احتلالي الدائم للمرتبة الأولى في الامتحانات المدرسيّة على أنواعها كان يقلقها، ليس لأنّها لا تريد لي السعادة والنجاح بل لأنّ قلبها يرشدها لمنعي من استهلاك نفسي. كنت وحيدها، صحيح، لكنّي صرت أشعر مع مرور الزمن أنّ هذا ليس سبب هلعها الدائم عليّ. كان تقديري صائباً، فوراء مخاوفها التي لا تُحصى هذه خشيةٌ من نوع آخر تكشّفت لي أسبابها صدفة ذات يوم.

 

فقد كان يقيم في جوارنا رجل في الثلاثينات من عمره يسكن مع شقيقته، ويعمل أستاذاً للرياضيّات يجد صعوبة في الحصول على إصغاء التلامذة الذين يصرخون ويتعاركون فيحرد ويجلس خلف طاولته صامتاً حتى يهدأ الصغار، وإن لم يفعلوا يحمل لوازمه ويغادر الصفّ من دون رجعة. وكان الوحيد في دائرة واسعة حول بيتنا الذي يلبس يوميّاً بذلة وربطة عنق. كانت أمّي تناديه "خالتي" تحبّباً وإشارة إلى كونه قريبها، تدعوه إلى فنجان قهوة ساعة يمرّ من أمام بيتنا، يسير مترفّعاً كأنّه يدوس على رؤوس أصابعه فقط. لم يلبِّ الدعوة قطّ، لكنّه أصرّ عليّ مرّةً أن أزوره في بيته بعد أن عرف بشغفي بالقراءة فتفاجأتُ بعدد المرايا المعلّقة على الجدران داخل بيته وبشقيقته التي ضحكت عالياً ما إن رأتني وكرّرت الضحك في لحظات لم يكن فيها سبب لأيّ انفعال. أعطاني كتاباً حول ملوك صور الفينيقيّين وتواعدنا على التلاقي مجدّداً للكلام عن الكتاب.

 

كان هذا لقاءنا الوحيد، إذ بعد يومين وفي ليلة رطبة، النوم فيها لزجٌ والعرقُ يتسرّب من الأجساد وبينما كانت المرأة الخمسينيّة المعروفة بندب أموات البلدة من دون مقابل تقاوم الحرّ وتؤنس الجيرة بأغاني الغرام مثل "يا جارحة قلبي والجرح يؤلمني"، طلعت صرخات حادّة من بيت قريب أمّي. كان الجوّ خانقاً لا يُطاق ولا بدّ أن ينفجر شيء ما، فكان أن حمل أستاذ الرياضيّات عصا من السنديان ربّما كانت لوالده وانهال على مرايا البيت تحطيماً وكسّر كلّ ما هو قابل للكسر قبل أن يتجمّع عليه الجيران ويجرّدوه من عصاه ويرافقوه صباح اليوم التالي إلى مستشفى الأمراض العصبيّة حيث قيل إنّه حافظ على أناقته لكنّه أقلع عن عادته القديمة بتأمّل وجهه في المرآة وتفحّص حاجبَيه وملقط الشعر في يده عشرات المرّات في اليوم الواحد.

 

خلاصة الحكاية سمعتُها صدفة. كان والد صديقي يتناول العشاء على طاولة واطئة، زوجته تختفي في المطبخ وتعود حاملة العرق أو الفاصولياء، والمحادثة بينهما مستمرّة. كنتُ في الغرفة أساعد ابنهما في فرض اللغة الفرنسيّة التي شاع في الحيّ أنّي أتكلّمها بطلاقة وهما يتداولان بما جرى مع أستاذ الرياضيّات ولا يعرفان أنّي أصغي إليهما من خلف الجدار:

العِلم لا تحمله كلّ الرؤوس، قال الزوج.

وراح يذكر أشخاصاً أكثروا من الدراسة فاضطرب سلوكهم، مثل الذي امتنع عن الزواج أو ذاك الذي كان يسخر من سرّ الحبل بلا دنس ومَن كان يتكلّم وحده عالياً ويشوّر بيديه...

"وما خَصّ العلم؟"، قاطعته زوجته، هذا أمُّه من آل الصبّاغ.

تجادلا حول العلم والوراثة لكن بدا أنّ المرأة تكسب الجولة عندما راحت تسرد سلسلة من أسماء أناس غريبي الأطوار أو حتى مختلّين عقليّاً ينتسبون جميعاً من طريق الأب أو الأم إلى آل الصبّاغ، وختمتها بالقول:

"هناك واحد منهم في دير الصليب حيث أخذوا جارنا الأستاذ".

 

أمّي تُدعى سلمى الصبّاغ، وكان هذا بيت أهلي الثاني بعد زواجهما. لا أذكر سوى لمحات من بيتنا الأوّل حيث ولدتُ: رائحة بائع السمك الذي كان يدخل علينا بسلاله المليئة بالسلطان ابراهيم كلّ يوم جمعة، صوت رصاص متقطّع، وأبي الواقف في الباب الذي يتدفّق منه ضوء النهار إلى الداخل يقول شيئاً لم أفهمه فتشهق أمّي خوفاً وأبكي أنا لا أعرف السبب حتى يكاد يُغشى عليّ. إقامتنا في ذلك البيت لم تعد "مناسبة" أي لم نعد في أمان، فالحيّ ليس حيّنا، فنقلنا أثاثنا إلى بيتنا الثاني هذا على دفعات وسكنتْ معنا عمّتي.

 

كذلك لم تدم إقامتنا طويلاً بين الرجل الذي يضرب زوجته في الصباح الباكر وأستاذ الرياضيّات المولع بالمرايا، لأنّ الدولة قرّرت فجأة إزالة الحيّ بأكمله من الوجود. زار رئيس الحكومة البلدة وكان رجلاً عمرانيّاً لم يطل مكوثه في منصبه. أصرّ على المرور في حيّنا سيراً على الأقدام مع حاشيته، فهالَه تكدُّس البيوت وسكّانها وسأل بصوت مسموع "كيف ينام الرجل مع زوجته هنا؟". بعد شهرين، أصدر قراراً يقضي باستملاك سبعين عقاراً بهدف تشييد مدرسة ثانويّة في المكان. وبغية احتلال أكبر مساحة أفقيّة ممكنة، خطّط المهندس لقيام أربعة مجمّعات كلّ منها بطابقين فقط وثماني قاعات للتدريس بينها ملاعب ومساحات خضراء. وفي التفاصيل التي جمعتها دائرة الاستملاكات في وزارة الأشغال العامّة، كان يمكن إحصاء مئة اسم تقريباً بين مالك ومستأجر أي ما يقارب الأربعمائة نسمة تسكن داخل مساحة لا تتعدّى ألفي متر مربّع. كانت التعويضات سخيّة وبدأ الناس يهدمون بيوتهم بأنفسهم كي يحصلوا فوراً على المال.

حضر رجلا شرطة أبلغانا قراراً مطبوعاً يقضي بضرورة إخلاء البيت، فحملت أمّي أوعية أزهارها والإنجيل، تمسّك أبي بالبريل كريم يلمّع به شعره وبقارئ الأسطوانات وغالبيّتها بصوت محمّد عبد الوهاب، كما جمع عدّة الكندرجيّة ونقلها إلى البيت الجديد لأنّ وصوله إلى حانوته الواقع في الحيّ المقابل بات غير آمن. كان أبي نظيفاً وأنيقاً لا يعمل إلّا والمئزر يغطّي ثيابه، لا يحمل من آثار مهنته سوى شيء من السواد في أطراف السبابة والإبهام في يده اليمنى، يغسل يديه بالصابون عدّة مرّات في اليوم. نزحنا للمرّة الثانية إلى بيت أراده والدي هذه المرّة وسط أهله وربعه. لم أجد "أهلنا" أكثر حنوّاً علينا لكن أبي كان دائماً يقول: "يصيبنا ما يصيبهم".

 

من جهتي، حملتُ كتبي، وصورتي مع عمّتي وفوكس والجنرال ديغول، ووضعتُ في جيب سترتي بوصلة أبحث بها عن الشمال مائة مرّة في اليوم أهداني إيّاها قريب بعد تقاعده من البحريّة التجاريّة. كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، بدأت أعاني من بُثور "حَبّ الشباب"، وصارت تجتاحني من دون سبب، خصوصاً أيّام الآحاد أو عند غروب الشمس في ساعة السويداء التي كانت ترمي ظلالها عليّ، تختفي وتعود، تجتاحني نوبات من الزعل أصل فيها أحياناً إلى حدّ البكاء. كنتُ فخوراً بأنّ هذه الأوجاع الحميمة تحضر من دون إنذار، كأنّ بي وعاء أسى يمتلئ نقطة نقطة حتى يفيض. لستُ مثل غيري من رفاق الحيّ أو المدرسة تظهر عليهم أمارات التعاسة فقط إذا فرغت جيوبهم من النقود وحُرموا من مشاهدة إليزابيت تايلور في فيلم "كليوباترا"، أو إذا طاردوا فتاة فصدّتهم؛ شؤون دنيا لم تكن من شيَمي فأنا حزين لأنّي حزين، هكذا فقط، أو ربّما لأنّ أمّي من آل الصبّاغ ولأنّ خالتي هربت مع رجل متزوّج إلى أفريقيا، ولا تزال صورة بيتنا الجديد في ذاكرتي مكان ظهرَ فيه مزاجي الصعب وسط روائح الجلد والغراء التي انتقلت معنا مذ بدأ والدي "شَدّ" الأحذية في البيت: أنتهز فرصة غياب أهلي في زيارة أحد الأقارب لأختبئ في غرفتي، أرفع اللحاف فوق رأسي وأشهق عالياً لا تسمعني عمّتي، أو أجلس على الشرفة وأنا أضمّ بقوّة إلى صدري مخدّة محشوّة بالقطن وأسمّر ناظريّ من دون رفّة جفن في الجبال العالية التي كانت ألوانها تميل إلى الزرقة.

 

وكان والدي نزل وحده إلى الحيّ، سبقنا ليدرس موقع هذا البيت قبل أن يدفع ايجاره أغلى من غيره، فهو في رأيه محميّ من الجهة الجنوبية التي قد يأتينا منها الخطر في حال تفاقمت الأمور. اختاره خلف منزل بطبقتين عاليتين من الحجر الصخريّ الصلب، يردّ عنّا. وبالفعل صارت غرفة المعيشة تعجّ بالجيران، يبتسم والدي في وجوههم مرحّباً ما إن يُسمع صوت رصاص قريب، وكانت أوّل اللاجئين دائماً فتاة سمينة تصل متدحرجة مقطوعة النفَس تطرق صدرها بقبضتها وهي تستجدي مار الياس لضرب أخصامنا بسيفه ثمّ ترشّ ماء مصلّى عليه فوق رؤوس الحاضرين. فتْحُ بابنا أمام مَن يرغب كان مساهمتنا الوحيدة في الدفاع عن أقاربنا، فوالدي لا يحسن استخدام السلاح وأنا كنت أكتفي قبل النوم بخيالات يكون لي فيها الدور الأوّل تدور حول نصب كمائن للأخصام ومباغتتهم ضمن فكّي كمّاشة من أجل إيقاع أكبر عدد من الضحايا بينهم، وكان عقلي ينشط في التحضير للمَقتلة وحماستي تتلاشى ما إن نتفوّق على أخصامنا ونبدأ بإردائهم، فأستأنف التربّص بهم في الأزقّة المعتمة ومفاجأتهم من جديد عن سطوح البيوت حتى يأخذني النوم.

 

لم تتفاقم الأحوال دفعة واحدة، بقي السلاح مستتراً في جيوب المعاطف الواسعة ومزيّتاً جاهزاً خلف أبواب البيوت، لم يسقط قتلى لكن كان هناك سُمٌّ في الهواء، رغبة مُعلَنة بإراقة الدماء بينما الدائرة بدأت تضيق عليّ قبل غيري لأنّي وحيد وعطوب، فمكروه يصيبني وتموت والدتي من همّي ولن يطول المقام بأبي الذي لن تعني له الحياة شيئاً من بعدنا، وهو كان يهزّ رأسه موافقاً على هذا الاحتمال، يضع السندان بين رجليه، يمسك الحذاء بيده اليسرى ويدقّ بالشاكوش في اليمنى ويضع المسامير الرفيعة في فمه تمنعه من الكلام فيومئ برأسه أنّه سيغادر الدنيا، نعم، لا يعرف كيف، لكنّه سيلحق بنا إذا قُتلتُ وتبعتني أمّي. تبقى عمّتي المريضة وحدها ولن يكون هناك أحد ليعتني بها. كانوا يخافون عليّ، لكنّي لم أكن أخاف ممّا يخافون عليّ منه كأنّ بيني وبين الخطر جداراً زجاجيّاً سميكاً، أرى الخطر ولا يطالني.

 

بعد حين، سمعتُ أحدهم يقول بأنّ طريق حافلة المدرسة بات غير آمن، فتحسّبتُ للأسوأ وصرتُ أحمل كلّ يوم في حقيبتي مجلّدات أستلُّها بعيداً عن العيون من رفوف مكتبة المدرسة قبل أن أردّ المفتاح للمدير وننقطع نهائيّاً عن صفوفنا لننصرف إلى حربنا الأهليّة التي لم ندرك أسبابها في حينه. فمنذ تفتّح ذهني على هذا النزاع كانت المعادلة بسيطة: هُم هناك ونحن هنا ولا مفرّ من النزال بيننا. ثمّ كان صباحٌ مشمسٌ بعد مطر ليليّ عاصف عندما دوّى انفجار من جهة بيتنا، قذيفة سقطت وسط الهدوء الصباحيّ خلف نافذتنا حطّمت شظاياها أواني أمّي الثمينة من كؤوس وفناجين شاي تقتنيها منذ زواجها، وزعزعت ثقة أبي بموقع بيتنا. لم يُعرَف من أين أُطلقت القذيفة فتوقّف الجيران عن الاحتماء خلف جدراننا لكنّهم استمرّوا في البحث عنّي كي أدبّج لهم الرسائل إلى أقاربهم في المهجر، "ماذا تريد منهم؟"، أسأل صاحب الطلب، فيجيب: "لا شيء، سلام وكلام"، فكنتُ أطرّز الكتابة بجمل أدبيّة عن الهجرة وكيف أنّ حبّ الوطن "قتّال"، وأضيف إشارات إلى البطالة والعوز فيتلقّون من سيدني أو من كاراكاس رسائل جوابيّة تحوي دولارات لم يطلبوها، كما كنت أُسهب في وصف التوتّر في البلدة وأتوقّع الأسوأ، وهكذا صار إذ سقط أخيراً أوّل قتيل.

 

كان الشابّ من جهتنا، وكان يقود درّاجة هوائيّة عندما أُطلق عليه النار فتابع سيره مغالباً ألمه حتى وصل إلى الجسر فهوى قتيلاً في النهر الناضب في أيّام الخريف هذه، ويُرجّح أنّه مات نتيجة سقوطه في قعر النهر لأنّ الرصاصة أصابت ذراعه فقط. تلك كانت فاتحة الشرور، فاستنفر الجميع وخرجت أمّي تبحث عنّي فيما كنت أستدل إلى المكان الذي سجّوا فيه القتيل. كنتُ أنتظر فرصة مماثلة، أسلَمَ المئاتُ الروحَ في كتبي، قُتِل الملك هنري الرابع بطعنة خنجر، شرب روميو السمّ ومات، قرأتُ أوصافاً متسرّعة ولم أرَ ميتاً واحداً، حتى جدّي لأبي لم يدعني أقترب منه يوم انتقل إلى الحياة الأخرى وحضر جنازته جميع معلّمي الأحذية وصنّاعها. فتسلّلتُ إلى حيث كان رجلان قد غسلا راكب الدرّاجة الهوائيّة وربطا ذراعه وسدّا الفجوة في رأسه بخرقة من القماش، قلتُ في نفسي إذا نزعتُها أرى ما في داخل جمجمته. تطوّعتُ كي أحضنه ليتمكّن الرجلان من إلباسه قميصاً أبيض مكويّاً وقد اعترضتُ بالقول إنّ الله خلقنا عراة فلماذا نعود إليه بأثواب من صُنعنا، فسخر منّي الرجلان وانا أسند رأس الميت على كتفي، وعندما أعدتُه إلى السرير لإلباسه السروال أصدر أنيناً فأفلتُّه من يدي بفعل المفاجأة ورسم أحدهما إشارة الصليب. لم نجد ربطة عنق سوداء، في كلّ حال لا أنا ولا الرجلان سنعرف كيف نربطها. أسرعنا في الانتهاء منه قبل أن يتخشّب، مددناه على سرير وجلستُ اتأمّل وجهه الأملس الخالي من أيّ تجاعيد، ولونه الذي كان يتحوّل من الأخضر الفاتح إلى البياض. كانت أظفاره متّسخة، يعمل ميكانيكيّ سيّارات. أخذوا ساعته وبقي خاتمه ليُدفن معه لأنّ أصابعه انتفخت.

 

عدتُ إلى البيت وأنا أشمّ ثيابي، أقرّب طوق قميصي من أنفي علّني أعثر على رائحة الموت. لم أتمكّن من الوفاء بوعدي ألّا أعرّض نفسي للأخطار، فبقيتُ أُسرع لمعاينة القتلى ما إن تصل أخبارهم فاكتشفتُ الشحوب بألوانه المتدرّجة على وجوههم وانتبهتُ أنّه لم يكن هناك مالٌ يُذكَر في جيوبهم.

انشغلتُ عن أحزاني الحميمة بمجاورة القتلى والجرحى والموجوعين، وكان الزعل يعاودني أحياناً إذا طال الهدوء، ومضت أيّام تشرق فيها الشمس وتغيب من دون أن يُبلّغ عن إطلاق نار أو عن إصابات، فكنتُ أنطوي من جديد على نفسي، أعود إلى كتبي وأجلس يائساً على الشرفة في اتجاه الجبال المرتسمة خلف الغمام وأردّد بصوت مسموع أبيات الشاعر: "أنا أمير الظلمات، الأرمل الذي لا عزاء له، انطفأت نجمتي الوحيدة ولا تشرق عليّ سوى شمس الأحزان السوداء".

وعندما يُستأنف القتال، كنتُ أمشي في اتجاه المكان الذي يُسمَع فيه الرصاص فيما الناس تفرّ منه مبتعدة، أريد ألّا يفوتني شيء، أن أكون وسط ما يحدث، حاضراً في اللحظة التي يسقط فيها أحدهم أرضاً فأحاول سحبه وإسعافه لأعود الى البيت وقميصي مبقّع بالدم، فيجتمع عليّ والداي وتنضمّ إليهما عمّتي على قدر إمكاناتها، وكان نطقُها تحسّن، فيتّهمونني بأنّي أسعى إلى الموت وانا أعدهم بالتوقّف، لكنّي أهرع في اليوم التالي لتضميد الجروح وسماع صراخ المتألّمين.

ثمّ جاء الهدوء من حيث لم يطلبه أحد، فلا يزال لدى الطرفين مقدرة ورغبة في الاستمرار. هدنة غريبة غير معلنة دخلت أسبوعها الثالث، فصار الوقت يتمدّد ثقيلاً كأنّ الحياة لم تعد تجدي نفعاً، لا بهجة فيها ولا انتظار. أمّي جدّدت زياراتها لصديقاتها، وأبي يستمع إلى أغنية "عندما يأتي المساء" وهو يدقدق النعال، وأنا أدور في مربّع حارتنا مثل روح هائمة وأقترب من حدود الحيّ المقابل كي أعاين ما يحدث فيه، أطلّ على المدرسة الجديدة التي قبل أن يدخلها التلامذة سكنها النازحون من أحياء أخرى، مثلنا، خوفاً على حياتهم، فتخرّبت نوافذها واتّسخت جدرانها من المواقد التي كانت تشتعل داخلها.

 

كنا نحارب النهارات ويستبدّ بنا الأرق في الليالي حتى انهالت علينا القذائف ظهراً، سقطت من السماء، قتلت وجرحت، وتصاعد من أثرها الدخان والحرائق. نجا بيتنا، لكنّ والدي لم يكن يحسب حساباً لمدفع الهاون من عيار ٨١ شرقي عندما استأجر منزلاً سقفه من القرميد، وفهمنا أنّ القذيفة التي حطّمت مطبخ أمي كانت مجرّد طلقة تجريبيّة أولى. كان الحذر أفقيّاً حتى الآن، نخشى رصاص القنص، بعد ذلك أُضيف الخوف العمودي، بتنا ننظر بين وقت وآخر إلى السماء من دون أن نعرف كيف نحتمي منها. قصفونا ليلاً في المرّة التالية فلم يُبلّغ عن ضحايا، كأنّ الظلام ابتلع قذائفهم. في اليوم التالي غاب والدي، قصد قرية جبليّة أخبرنا عن أهلها كم هم مسالمون وعاد يوزّع الأوامر بالنزوح مرّة ثالثة، "الثالثة ثابتة" قال. كان هذا خروجنا من مصر، نزوحنا الأخير والنهائيّ من مسقط رأسنا.

سبقناه أنا وأمّي وعمتي، يتبعنا في وقت لاحق بعد أن يتدبّر أمر أثاث البيت. سرنا على إيقاع المريضة ونحن نجرّ حقائبنا. اجتزنا النهر من فوق عبّارة خشبيّة مخلّعة، ولمّا وطئت أقدامنا الأرض الصّلبة من جديد وتسلّقنا تلّة مشرفة، وقفتُ أسترجع أنفاسي وأتأمّل البلدة، ثمّ صرختُ مثل ذئب السهوب من عمق جوارحي صوتَ فرَحٍ نحو السماء يشبه زلاغيط النساء يوم عرس مَن يحببنَ، كأنّي خرجتُ سالماً رابحاً من عراك تُكال فيه الضربات حتى الموت. خرجتُ إلى الدنيا، صار لي جناحان وأكاد أطير، كتبي معي ولا أعرف شيئاً عمّا ينتظرني لكنّي متحمّس لمصيري. على جري عادتها، خافت أمّي من تقلّب مزاجي المفاجئ فضمّتني إلى صدرها وقبّلتني في رأسي تهدّئني. تذكّرتْ عمّتي في تلك اللحظة بيت شعر لأيليا أبو ماضي، فقالته بكلّ فصاحة وهي واقفة في ظلّ شجرة صفصاف:

"أيُّها الشاكي وما بكَ داءٌ

كُنْ جميلاً ترَ الوجود جميلا"

 

ابتعدنا في اتجاه الطريق العامّ كي نعثر على سيّارة أجرة تقلّنا إلى وجهتنا الجبليّة، أخرجتُ بوصلتي أحرّكها ولا أعرف إلى أين أريدها أن ترشدني، بينما كانت طائرتا هوكر هانتر تحلّقان في سماء البلدة وترسمان وراءهما في الهواء خطّين من الدخان الأبيض، سمعنا دويّاً عميقاً قبل أن ندير ظهورنا ونمشي.

مشاركة: