حين دخلتُ مرسم فاتح المدرس، انتابني شعور غريب، وقفت لحظة أمام الباب، تنفست بعمق، ثم قررت أن أتخطى العتبة نفسها التي كان يعبرها كل يوم.
رحل فاتح المدرّس، لكن زوجته أبقت المكان حيّاً، وحوّلت مرسمه إلى ملتقى ثقافي، وما إن تدخل حتى يسيطر عليك إحساس يصعب تفسيره؛ كأن المدرّس ما زال هناك، يقف إلى جوارك، ويحاول أن يشرح لك لماذا تبدو الوجوه التي رسمها عاجزة عن الكلام، ولماذا يظل الريف حاضراً في كل لوحة، بثقله ووحدته وألوانه.
تلمست ألوانه، والريشة التي كان يرسم بها، وشعرت للحظة كأنني ألمس التاريخ نفسه.
نعم… أنا هنا، في حضرة تجربة فاتح المدرّس.
ثمة فنانون يتركون وراءهم لوحات جميلة، وثمة آخرون يتركون طريقة جديدة في النظر، ينتمي فاتح المدرّس إلى الفئة الثانية، لم تكمن أهميته في أنه رسم سوريا، ولا في استعادته رموزها القديمة، ولا حتى في كونه أحد أبرز وجوه الحداثة التشكيلية فيها؛ بل في قدرته على صنع عالم بصري لا يشبه سواه، عالمٌ تتجاور فيه القرية والأيقونة، الفلاح والقديس، الأم والضحية، الأسطورة والحرب، ويبدو فيه الإنسان كأنه خرج للتو من طبقات الأرض حاملاً على وجهه تاريخاً أقدم منه.
ولهذا يصعب وضع فاتح المدرّس، الذي عاش بين عامي 1922 و1999، داخل مدرسة فنية واحدة وهو الذي انتقل بين الواقعية والتجريب السريالي والتجريد والتعبيرية، لكن تجربته انتهت إلى لغة شخصية تجاوزت هذه التصنيفات جميعاً.
طفولة قاسية
وُلد فاتح المدرّس عام 1922 في حريتان قرب حلب، لم تكن طفولته هادئة؛ فقد قُتل والده وهو صغير، وانتقل مع والدته وإخوته إلى قرية كردية في شمال شرقي سوريا، جغرافيا المنطقة القاسية وموروثها الثقافي تركا أثراً عميقاً في ذاكرته البصرية.
قد تكون هذه البداية مفتاحاً لما سيأتي لاحقاً، فالطبيعة التي ستظهر بعد سنوات في أعماله ليست طبيعة متأملة من بعيد، والأرض ليست مجرد خلفية للمشهد، ثمة علاقة عضوية بين الإنسان والمكان؛ الوجوه نفسها تبدو أحياناً كأنها منحوتة من صخر، والقرى والجدران والحجارة تتداخل مع الأجساد حتى يصعب معرفة أين ينتهي الإنسان وأين تبدأ الأرض.
درس المدرّس في حلب، وكان الفنانان غالب سالم ووهبي الحريري من بين أساتذته، لكنه انفتح باكراً أيضاً على الأدب واللغة؛ درس الإنجليزية في المدرسة الأميركية في عاليه بلبنان وتأثر بمثقفين، من بينهم مارون عبود، قبل أن يعمل لفترة قصيرة مدرساً للإنجليزية ثم يختار الفن طريقاً نهائياً لحياته.
ولعل هذا التكوين الأدبي يفسر جانباً أساسياً من شخصيته الفنية، فالمدرّس لم يتعامل مع اللوحة كمشكلة في الشكل واللون فقط، بل كحقل للتفكير، كتب الشعر والقصة والمقالات والنقد، وظل الأدب والفلسفة والموسيقى قريبين من تجربته، ولذلك تبدو أعماله أحياناً وكأنها نصوصاً بصرية لا تكشف معناها دفعة واحدة.
الى أوروبا
حين ذهب إلى روما للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة بين 1956 و1960، كان من السهل أن يتحول إلى واحد من الفنانين العرب الذين استوعبوا الحداثة الأوروبية ثم أعادوا إنتاجها، لكنه اختار طريقاً أكثر تعقيداً.
في إيطاليا تعرّف إلى التجريد وأساليب الفن الأوروبي الحديث، ودرس على يد فرانكو جنتيليني، وبدأ بتجريب المادة والسطح وإدخال عناصر وتقنيات جديدة إلى اللوحة، ثم أكمل لاحقاً دراساته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس بين 1969 و1972، لكن الأثر الأوروبي عنده لم يتحول إلى تبعية؛ أخذ من الحداثة أدواتها، ثم أعاد استخدامها لبناء لغة تستند إلى ذاكرته السورية الخاصة.
لهذا يمكن النظر إلى تجربته باعتبارها محاولة مستمرة للإجابة عن سؤال لازم أجيالاً من الفنانين العرب في القرن العشرين: كيف يمكن للفنان أن يكون حديثاً من دون أن يصبح نسخة من أوروبا، وأن يستعيد تراثه من دون أن يحوله إلى فولكلور؟
إجابة المدرّس لم تكن نظرية، كانت موجودة في لوحاته.
أخذ من الحداثة حرية تفكيك الشكل، لكنه أعاد إلى اللوحة الوجوه التي تذكّر بالتماثيل القديمة والأيقونات، استخدم التجريد، لكنه لم يتخل عن الإنسان، استعاد رموزاً مسيحية وإسلامية ورافدينية، لكنه لم يرسم لوحة تراثية، كان يفكك هذه العناصر ويعيد تركيبها بحيث يصبح الماضي مادة حية داخل الحاضر، لا قطعة محفوظة في متحف.
الوجه الذي صار توقيعاً
لا يحتاج المتابع إلى رؤية توقيع المدرّس كي يعرف كثيراً من لوحاته، يكفي أن يرى تلك الرؤوس الثقيلة والمربعة، الجباه العريضة، العيون المختزلة، والأجساد التي تبدو ساكنة وراسخة كمنحوتات خرجت من حضارات بعيدة.
هذا الوجه واحد من أهم اختراعاته البصرية.
ليس بورتريهاً بالمعنى التقليدي، ولا يهدف إلى تسجيل ملامح شخص محدد بدقة، إنه وجه الإنسان بعد أن يُنزَع منه العابر وتبقى علاماته الأساسية، قد نرى فيه الفلاح السوري، أو الأم، أو المسيح، أو شخصاً مجهولاً، وقد يبدو في الوقت نفسه قريباً من أثر آشوري أو تدْمري أو من أيقونة بيزنطية.
لكن أكثر ما يلفت في هذه الوجوه هو الصمت.
أشخاصه نادراً ما يصرخون، الحزن عند المدرّس ليس انفعالاً مسرحياً، الوجوه جامدة، وأحياناً تكاد تخلو من التعبير، لكن ذلك يجعل الألم أثقل، كأن المأساة تجاوزت لحظة البكاء وتحولت إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.
منظراً طبيعياً
قد يكون الريف السوري أكثر الشخصيات حضوراً في تجربة المدرّس حتى حين لا يظهر مباشرة.
القرية، الجبل، الحقل، الصخر، البيوت الصغيرة والسماء الممتدة كلها تعود في أعماله، لكن ليس بوصفها مشاهد طبيعية جميلة، كان الريف بالنسبة إليه عالماً اجتماعياً وإنسانياً، وذاكرة شخصية أيضاً، لهذا يصعب فصل الإنسان عن الأرض في أعماله.
الفلاح ليس شخصاً موضوعاً أمام منظر ريفي؛ هو نفسه امتداد للمكان، والأم ليست رمزاً منفصلاً عن الخصوبة والأرض واستمرار الحياة، والبيوت تبدو أحياناً كأنها أجساد، فيما تتحول الأجساد إلى بنيات هندسية تشبه القرى أو الآثار.
ومن هنا جاءت مادّية اللوحة نفسها، فقد اهتم المدرّس بالسطح والملمس، واستخدم تقنيات تجعل اللون كثيفاً ومخدوشاً ومتراكماً أحياناً، حتى تبدو اللوحة كما لو أنها جداراً عتيقاً أو قطعة أرض حملت آثار الزمن عليها.
الأستاذ الذي لم يرد تلاميذ يشبهونه
عند عودته إلى سوريا، أصبح المدرّس واحداً من الشخصيات الأساسية في كلية الفنون الجميلة في دمشق، وترك أثراً عميقاً في أجيال من الفنانين السوريين، درّس في الجامعة وتولى عمادة كلية الفنون الجميلة، واستمر حضوره الأكاديمي حتى أوائل التسعينيات.
لكن قيمة المدرّس الأستاذ لم تكن في نقل أسلوبه إلى الآخرين، على العكس، يمكن قراءة مواقفه التعليمية باعتبارها دفاعاً عن حق الفنان في الوصول إلى لغته الخاصة.
فالحداثة لديه لم تكن وصفة: بعض التجريد، قليل من الرموز القديمة، وألوان ترابية، كانت موقفاً من الحرية.
وهذا ربما أكثر ما أورثه للأجيال التالية: الثقة بأن الفنان السوري يستطيع أن يدخل الفن العالمي من موقعه هو، لا بعد أن يتخلى عنه.
لا تكتمل شخصية المدرّس من خلال لوحاته وحدها.
كتب القصة القصيرة والشعر والنقد، وكانت الصلة بين الأدب والرسم عضوية في تجربته، وفي أواخر حياته دخل في حوار طويل مع أدونيس، يكشف مقدار انشغاله بأسئلة الفن والجمال والزمن والموت والوجود.
وكان الرسم لديه يتجاوز اللوحة الكبيرة أيضاً.
توفي المدرّس في دمشق عام 1999، لكن تجربته ما تزال حاضرة لأن الأسئلة التي وضعها لم تنته: ماذا نفعل بالماضي؟ كيف يحمل الإنسان أرضه حين يفقدها؟ كيف يصبح الألم صورة من دون أن يتحول إلى استعراض؟ وهل يستطيع الفنان أن يكون ابن مكانه والعالم في آن واحد؟
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا