هناك شعراء يكتبون القصيدة، وهناك شعراء تتحول حياتهم نفسها إلى قصيدة طويلة، متكسرة، موجعة، ومفتوحة على احتمالات الانطفاء في كل لحظة، دعد حداد كانت من الفئة الثانية؛ لم تكن الكتابة بالنسبة إليها فعلاً أدبياً منفصلاً عن الحياة، بل كانت الحياة ذاتها حين تضيق إلى حد الاختناق، فتبحث عن منفذ وحيد اسمه الشعر. في المشهد الشعري السوري الحديث، يصعب العثور على صوت يشبه صوت دعد حداد. لم تكن تنتمي بالكامل إلى جيل، ولم تدخل ضمن تيار واضح، ولم تسعَ إلى النجومية الثقافية التي غالباً ما تصنعها العلاقات والمنابر والدوائر الأدبية، بقيت، إلى حد بعيد، على هامش الضوء، لكنها صنعت في ذلك الهامش عالماً شعرياً بالغ الخصوصية، حتى بدا لاحقاً أن هذا الهامش نفسه كان أكثر عمقاً وأبقى أثراً من كثير من المراكز الصاخبة. دعد حداد ليست شاعرة تُقرأ على عجل، شعرها لا يمنح قارئه راحة، ولا يقدم عزاءً سهلاً، ولا يهادن الحساسية البشرية، إنه شعر يضعك مباشرة أمام هشاشة الإنسان، أمام وحدته، أمام خوفه العاري من الزمن والموت والخذلان. ولهذا، حين نقرأها اليوم، نشعر أننا لا نقرأ قصائد فقط، بل ندخل إلى منطقة نفسية شديدة الكثافة، كأننا نصغي إلى روح تتكلم من عمق جرحها. ولادة الحساسية المبكرة وُلدت دعد حداد في اللاذقية عام 1937، في بيئة أتاحت لها منذ طفولتها تماساً مبكراً مع الفنون والثقافة. لم تكن علاقتها بالإبداع مقتصرة على الشعر وحده؛ فقد انجذبت إلى الموسيقى والرسم والنحت، وقرأت الأدب العربي والغربي بشغف لافت، وتعلمت لغات أجنبية فتحت أمامها نوافذ إضافية على العالم. هذه الخلفية المتعددة تركت أثرها الواضح على كتابتها. ففي قصائدها يمكن ملاحظة حس بصري حاد، كأن الشاعرة لا تكتب بالكلمات وحدها، بل ترسم أيضاً. الصورة عندها ليست زينة لغوية، بل بنية داخلية للقصيدة. كما أن للموسيقى حضوراً خفياً في إيقاع نصوصها، حتى حين تكتب قصيدة النثر. لكن ما صاغ دعد حقاً لم يكن التعليم الرسمي بقدر ما كان تكوينها الداخلي. كانت من أولئك الذين يصنعون ثقافتهم بأنفسهم، بعيداً عن الأطر الجامعية التقليدية. وربما لهذا السبب احتفظت بصوت مستقل لم تبتلعه مدارس الشعر السائدة. امرأة لا تشبه الوسط الثقافي كان من الصعب على شخصية مثل دعد حداد أن تنسجم مع الوسط الثقافي التقليدي. كانت شديدة الحساسية، حادة المزاج أحياناً، صريحة إلى حد قد يبدو قاسياً، وميالة إلى الانسحاب أكثر من الاندماج. لم تعرف المجاملة الأدبية، ولم تتقن لعبة العلاقات التي ترفع كثيراً من الأسماء. لذلك بقي حضورها محدوداً في حياتها، رغم اعتراف كثير من الشعراء والنقاد بفرادتها. لكن هذه العزلة لم تكن مجرد سمة شخصية. لقد تحولت إلى مادة شعرية أساسية. الوحدة عند دعد ليست موضوعاً شعرياً؛ إنها بنية وجودية. هي ليست امرأة تكتب عن العزلة من الخارج، بل إن العزلة كانت بيتها الداخلي. وهذا ما يمنح قصائدها ذلك الصدق النادر؛ لا شيء فيها يبدو مصطنعاً أو مؤدّىً من أجل التأثير. كل شيء حقيقي إلى درجة الإيلام. حين يصبح الشعر بيتاً أخيراً بعض الكتّاب يكتبون لأنهم يحبون الكتابة، أما دعد حداد فبدت كأنها تكتب لأنها لا تستطيع النجاة بغير ذلك. الشعر لديها لم يكن مشروعاً ثقافياً ولا بحثاً عن المجد الأدبي. كان ضرورة وجودية. حين تصبح الحياة أثقل من أن تُحتمل، وحين تتراكم الخيبات بصمت داخل الروح، يتحول الورق إلى آخر مساحة يمكن للإنسان أن يتنفس فيها، لكن حتى الكتابة لم تكن راحة كاملة. قصائد دعد لا توحي بأن الكتابة شفاء، بل على العكس؛ تبدو أحياناً وكأنها شكل آخر من النزيف. كأنها كانت تفتح الجرح بالكلمات لا لتعالجه، بل لتمنع الاختناق. ولهذا تبدو قصائدها أشبه باعترافات ليلية، ليست نصوصاً مصنوعة بعناية باردة، بل انفجارات نفسية ممسوكة بلغة دقيقة. الموت… الحاضر الأكبر في عالمها من الصعب الحديث عن دعد حداد من دون الحديث عن الموت، لكن الموت في عالمها ليس النهاية البيولوجية المعروفة. إنه ليس حدثاً يقع في آخر الحياة، بل حضور دائم يرافقها في التفاصيل الصغيرة، كأنه ظل لا يغادر. الموت عندها يجلس قرب السرير، يمشي في الممرات، ينظر من النافذة، ويتنفس داخل الجملة الشعرية. ولعل عنوان ديوانها الأشهر، "تصحيح خطأ الموت"، يكشف الكثير عن رؤيتها. العنوان نفسه صادم ومربك: كيف يمكن تصحيح الموت؟ كيف يصبح الموت خطأ أصلاً؟ في هذه العبارة وحدها تكمن عبقرية دعد. إنها لا ترى الموت كقدر طبيعي فحسب، بل كخلل في بنية الوجود، كشيء غير منطقي في أصل العالم. هذا الوعي العنيف بالفناء منح شعرها توتراً نادراً. كانت تكتب وكأنها تواجه الهاوية بعين مفتوحة. ومع ذلك، لا يتحول شعرها إلى ظلام صرف. ففي قلب هذا الوعي بالموت يظهر جمال غريب، جمال يولد من الحافة نفسها. قصيدة النثر كقدر في زمن كان الشعر العربي يعيش تحولات كبرى، وجدت دعد حداد نفسها أقرب إلى قصيدة النثر. لكن انتقالها إليها لم يكن قراراً جمالياً فحسب، كان ضرورة نفسية. الشكل التقليدي، بإيقاعه الصارم وبنيته المحكمة، لم يعد يتسع للارتجاج الداخلي الذي تعيشه. كانت تحتاج إلى شكل أكثر حرية، أكثر قدرة على التقاط التوتر والانكسار والتلعثم والصمت، وهنا ظهرت قوة قصيدتها. لغة دعد تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها شديدة الكثافة من الداخل. لا تعتمد على البلاغة التقليدية ولا على الزخارف اللغوية الثقيلة. قوتها تكمن في الاقتصاد والدقة والصدمة. هي لا تخبرك بالحزن مباشرة، بل تجعلك تراه، الأشياء الجامدة في قصائدها تتحول إلى كائنات حساسة: السرير يتألم، الجدار يشيخ، الباب يبكي، النافذة ترتجف. في عالم دعد لا يوجد شيء صامت بالكامل، كل شيء يشعر. دمشق… مدينة الوحدة عاشت دعد حداد في دمشق سنوات طويلة، لكن دمشق التي تظهر في شعرها ليست المدينة التي عرفها الشعراء الرومانسيون. ليست دمشق الياسمين وحدها، إنها مدينة أخرى، مدينة الغرف المغلقة، الممرات الباردة. الظلال الطويلة، والوحدة التي يمكن أن تعيش وسط الزحام. في شعرها تتحول المدينة إلى حالة نفسية. قد تكون محاطاً بالبشر، ومع ذلك تشعر أنك منفصل عن الجميع. هذا الإحساس تحديداً هو ما يجعل شعر دعد معاصراً جداً. فالإنسان الحديث، رغم شبكاته وعلاقاته وصخبه اليومي، يعاني عزلة داخلية غير مسبوقة. ودعد حداد التقطت هذا الشعور مبكراً، قبل أن يصبح سمة عالمية. لماذا تأخر الاعتراف بها؟ هذا سؤال يتكرر كلما ذُكر اسم دعد حداد. كيف لشاعرة بهذا العمق أن تبقى خارج المشهد المركزي في حياتها؟ الجواب لا يرتبط بعامل واحد، جزء منه يعود إلى شخصيتها المنعزلة، وجزء إلى صعوبة شعرها، وجزء إلى طبيعة الوسط الثقافي نفسه. فالشعر الذي يزعج القارئ ويكشف هشاشته لا يحظى دائماً بالانتشار السريع. كثيرون يفضلون الشعر الذي يواسيهم أو يمنحهم جمالاً واضحاً. أما دعد، فكانت تفعل العكس، كانت تهز قارئها من الداخل، تجبره على مواجهة ما يهرب منه، وهذا النوع من الشعر غالباً يحتاج زمناً أطول حتى يُفهم ويُقدَّر. الشاعرة التي فهمناها متأخرين ربما المفارقة الأهم في تجربة دعد حداد أن حضورها ازداد بعد رحيلها. كأن الغياب منح قصائدها وضوحاً أكبر. خصوصاً بعد التحولات العنيفة التي عاشتها سوريا. حين انهارت المدن، وتشظت الذاكرة، وتكشفت القسوة البشرية في أقسى صورها، عاد كثيرون إلى شعر دعد بدهشة. فجأة بدت نصوصها معاصرة بصورة مقلقة، كأنها رأت الشقوق قبل أن تتحول إلى انهيار كامل. هذا لا يعني أنها كانت "تتنبأ" بالمستقبل بمعنى غيبي، بل كانت تمتلك حساسية استثنائية تجاه التشققات الخفية داخل الإنسان والمجتمع. والشاعر الأكثر حساسية غالباً يرى الكارثة قبل الآخرين، لهذا تبدو دعد حداد اليوم أقرب إلينا مما كانت إلى زمنها. إرث لا يبهت ثمة شعراء يكتبون كثيراً ويتركون قليلاً، ودعد حداد من النوع المعاكس تماماً. لم تترك إنتاجاً ضخماً مقارنة بغيرها، لكنها تركت أثراً بالغ الكثافة. قصائدها لا تعتمد على اللحظة الثقافية العابرة، بل على جوهر إنساني لا يشيخ. ولهذا ما زالت حية، ليست حية في الذاكرة الأدبية فقط، بل في التجربة الشعورية لكل قارئ يجد نفسه يوماً وحيداً أمام أسئلته الكبرى. في النهاية، ربما لا تكفي كل التصنيفات المعتادة لوصف دعد حداد. ليست فقط شاعرة الحزن، ولا شاعرة الموت، ولا شاعرة العزلة، هي شيء أعمق. امرأة كتبت من المنطقة الواقعة بين الانهيار الكامل والرغبة العنيدة في البقاء. ومن تلك الحافة الخطرة صنعت شعراً نادراً، شعراً لا يطلب منك الإعجاب، بل يطلب منك الشجاعة.
مختارات من شعر دعد حدّاد:
أيُّها الدربُ المُوحش!
يا دربَ الحبِّ!
سأعدُّ خطواتي،
فالوحدة علمتني العدَّ.
***
أمي حملتني يومًا، وأنتَ،
أوقعتني يومًا،
بعينَيْكَ ذلك الألق المتوهِّج حينًا، والخافت حينًا،
سأعدُّ خطواتي..
فالوحدة علمتني العدَّ،
***
الحارسُ كان بالمرصاد..
عينان خبيثتان، ومنظار،
أسرعتُ قبل أن تخطئ قدمي،
قبل أن يهبط الليل، وحدي،
سأعدُّ خطواتي..
فالوحدة، علمتني العدَّ،
***
في العودةِ أمسكَ أحدهم بيدي،
خلف عينيه، اختبأتُ،
هنا دفءٌ، وأمانٌ،
سأعدُّ خطواتي..
فالوحدة علمتني العدَّ..
قلبي الخائف.. كان بائسًا،
ولكنِّي احتفظتُ به،
وكنت دومًا أقوى من ذاكرتي
كي لا أنسى..
أن أعدَّ إلى العشرة..
وحينما ضممتني إليكَ بحنوِّ طائرِ البطريق
تلعثمَ قَلبي..
قلتُ: واحد..
نظرت في عينيكَ تهتُ.. قلتُ:
إثنان، عشرة..
-----
ثَمَّةَ ضوءٌ
ـ 1 ـ
انزعُوا الأقنعةَ، أيُّها البشر
واحشُوا حفاة أيضاً...!
وعرايا...
ثمّة ضوء هي آخر الليل الطويل...
ثمّة نهارات...
* 27/7/1987
ـ 2 ـ
أُودِّعُكَ الليلة، يا ناي...
أُودِّعُ الشِّعْرَ الحزين
أُودِّعُ رقصَ الموت..
وأرحل...
أُودِّعُ الأضواء...
والفلسفات.
والحكايات...
والأصوات...
وأرحل...!؟
ـ 3 ـ
هذي الليلة تأتي مُتمهِّلة...
حاملةً آخر الذكريات
الليلةُ عرس الموت...
والليلةُ...
ستقولون: ... كانت!
مساء 26 تموز 1987
---------
هذا وجه الجلاد
خذي سيفك
واغمديه... في القلب
تتفتح زهرة حمراء
أهديها لحبيبي...
مرحباً... بالبداية...
* * *
ما هذه المسافات
والفراغات...؟
وأنا وحدي... أركض بلا
نهاية
لا شيء سوي الذهول واللامعقول،
لا شيء يحد من هذه المسافات
لا يد صديقة
لا يد محبة
لأتوقف
آه... أيتها الحياة المتسعة
أين جدرانك
وبواباتك؟
أين حراس الأرض الطيبون،
أين الملائكة المبتسمون؟
وأنا أنمو تارة
وأصغر تارة...
حتى السياجات والأشواك
اختفت
وانطفأت الأنوار،
أهي صحراء...
وبلا رمال؟
أهي أحلام
ونستيقظ...؟
وأنا طفلة ذات شرائط
ملونة
أحوك ثوبي
وأصنع دميتي
ولكن
لمن أهدي كل هذا الجمال؟
والعالم مقفر... ومتسع...
وأنا أركض بلا نهاية...
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا