تحميل موقع شغف

بين خيطٍ وشاشة .. كيف واصلت الحرف اليدوية نقل الحضارات؟

بين خيطٍ وشاشة .. كيف واصلت الحرف اليدوية نقل الحضارات؟

بين خيطٍ نسجته يد حرفي في سوق قديم، وصورةٍ التقطها هاتف ذكي ونشرها إلى العالم خلال ثوانٍ، تمتد حكاية طويلة من انتقال الحضارات،  فلم تكن الأشغال اليدوية يوماً مجرد مهن بسيطة، بل كانت وثيقة تاريخية تحمل في خيوطها حكاية أجيال من الحرفيين الذين نقلوا مهاراتهم ومعارفهم عبر الزمن، وكما كانت أيضاً رسائل ثقافية عبرت الصحارى والبحار والحدود، حاملة معها هوية الشعوب وذاكرتها.

في الماضي كانت القوافل تنقل هذه الأشغال مستهلكة تعباً وجهداً كبيرين، ويستمر النقل ربما لأيام وشهور وسط مخاوف الجغرافيا وآليات النقل البدائية، وأما اليوم أصبحت المنصات الرقمية تؤدي المهمة بطريقة مختلفة،  فالقطعة التي كانت تحتاج أشهراً لتصل إلى بلدٍ بعيد ، باتت تصل بصورتها وقصتها إلى ملايين الأشخاص في لحظات.

الصورة الرقمية.. قافلة العصر الحديث

وبقطعة قماش مزركشة، أو لوحة نحاسية منقوشة، أو فخارة فينيقية، كتبت الأيدي الماهرة عليها تاريخ أقدم المدن، وحملت الحرف المتوارثة ملامح الحضارات من جيل إلى آخر ومن قارة إلى أخرى.

وأثبتت هذه المهارات عبر التاريخ أن انتقال الحضارات ليس حكراً على الجيوش أو الرحالة أو ما دونته الكتب، بل بقطعة مشغولة بشغف وحب كبير ووسائل عمل بسيطة ينتقل الإبداع لمختلف أنحاء العالم.

واليوم بمجرد أن تفتح هاتفك المحمول تشعر كأنك تتجول في الأسواق فتلمح قطعة نحاسية براقة بلونها الذهبي، محفورة بأحرف الأبجدية الأولى، فتأخذك مخيلتك إلى سوق قديم في دمشق أو حلب أو بغداد، حيث كان الحرفيون يجلسون أمام دكاكينهم الصغيرة، يطرقون النحاس ويحيكون الخيوط ويشكلون الطين غير مدركين أن ما يصنعونه لم يكن مجرد سلعة للبيع، بل رسالة حضارية ستعبر الزمن وتبقى شاهدة على إصرار الإنسان لترك أثرٍ لا يزول.

المشغولات اليدوية تتحدى عصر السرعة

ومع ظهور المصانع وخطوط الإنتاج الضخمة وثورة الإنترنت حافظت الأشغال اليدوية على قيمتها الإبداعية والمادية،  ففي عصر السرعة الذي باتت فيه الآلات تنتج آلاف القطع المتشابهة خلال ساعات قليلة،  ما تزال القطع المصنوعة يدوياً تحتفظ بمكانة "الأغلى ثمناً" في الأسواق.

ويكفي أن يسأل الزبون عن سبب ارتفاع ثمن وشاح منسوج أو حقيبة يد مطرزة أو قطعة خزف مزخرفة، حتى يأتيه الجواب سريعاً من التاجر:" لأنها شغل يد" وكأن هذه العبارة وحدها أصبحت شهادة جودة وقيمة مضافة تميز المنتج عن غيره.

ومن المعروف أن العمل اليدوي لا يُقاس بثمن المواد الخام فقط،  بل بالساعات الطويلة التي يمضيها الحرفي في الحياكة أو النقش أو التطريز، وبالخبرة المتوارثة عبر أجيال متعاقبة، ولهذا لا يشتري الناس قطعة يدوية باعتبارها منتجا فحسب، بل باعتبارها قصة وجهداً وهوية ثقافية لا يمكن للآلة أن تنسخها بالكامل.

حماية من الاندثار

وساهمت الأسواق الرقمية و المتاجر الإلكترونية بطريقة غير مباشرة بإنعاش هذه المهن من جديد، وبذلك قدمت لها الحماية من الاندثار في عصر السرعة.

فالمستهلك الذي يستطيع شراء عشرات المنتجات الصناعية المتشابهة، يبحث أحيانا عبر الإنترنت قطعة نادرة تحمل بصمة إنسانية خاصة،  لذلك تحولت بعض الحرف التقليدية من مهن مهددة بالزوال إلى منتجات فاخرة مطلوبة عالمياَ، وارتبطت قيمتها بما تمثله من أصالة وندرة وإبداع إنساني .

نافذة اقتصادية

ولم يكن التحول الرقمي ملاذا لتسويق المنتجات اليدوية فحسب بل ساهم أيضا بسهولة تعليم الحرف نفسها ونقلها إلى أجيال جديدة مختصرا مشاق المسافات.

وفي ظل غلاء المعيشة والتحديات الاقتصادية والحروب التي شهدتها بعض بلدان المنشأ التاريخية لهذه الحرف، ولا سيما العراق وفلسطين وسوريا ، وجدت العديد من النساء في الفضاء الرقمي فرصة للحفاظ على المهنة وتحويلها إلى مصدر دخل.

فبدلاً من الاقتصار على الورش التقليدية،  بدأت حرفيات بإطلاق دورات تدريبية عبر الإنترنت، يقدمن من خلالها دروساً في التطريز والحياكة وصناعة الإكسسوارات والأشغال اليدوية مقابل اشتراكات رمزية، وبذلك لم تعد الخبرة محصورة في حي أو مدينة أو بلد،  بل أصبحت تنتقل عبر الشاشات إلى متدربات من مختلف أنحاء العالم.

وكما ظهرت صفحات ومتاجر رقمية متخصصة في تسويق المنتجات اليدوية، ما أتاح للحرفيات الوصول مباشرة إلى الزبائن دون الحاجة إلى استئجار محال تجارية أو تحمل أعباء تشغيلية وضرائب مرتفعة، وأصبح الهاتف المحمول، الذي لم يكن يوماً جزءاً من أدوات الحرفة التقليدية، نافذة اقتصادية تمكن العديد من النساء من عرض منتجاتها وتسويقها وإدارة أعمالها من المنزل.

مهنة عابرة للحدود

وبيت تحديات الواقع وإمكانات التكنولوجيا،  نشأ نموذج جديد يجمع بين التراث والاقتصاد الرقمي، فالحرفة التي كانت تنتقل قديماً من الأم إلى ابنتها داخل البيت، أصبحت اليوم تدرس هبر الإنترنت لمئات المتدربات في دول مختلفة،  لتستمر رحلة المعرفة والحرفة عبر الحدود، محافظة على جذورها المحلية ومنفتحة في الوقت نفسه على العالم.

وتقول أم يوسف وهي حرفية فلسطينية تعمل في مجال الخياطة والتطريز:" تعلمت هذه المهنة من والدتي منذ سنوات طويلة، وكنت أصنع الوشاحات الصوفية المزينة بألوان العلم الفلسطيني، إلى جانب حقائب اليد المطرزة يدوياً.

وتضيف في البداية كنت أبيع أعمالي ضمن نطاق محدود، لكن منذ عام بدأت أعرض منتجاتي عبر موقع فيسبوك، وسرعان ما تلقيت طلبات شراء من نساء من مناطق مختلفة ".

وتضيف :" لم يقتصر الأمر على البيع فقط، بل تلقيت رسائل من سيدات يرغبن في تعلم التطريز والحياكة، لذلك بدأت بتنظيم ورشات تدريبية عبر الإنترنت بشكل متقطع، باشتراك لا يتجاوز ٢٠ دولار، أشرح خلالها أساسيات المهنة وأساليب التطريز التقليدي، وخصوصا التراث الفلسطيني.

واليوم أدرّب نساء من أماكن مختلفة، بعضهن يطمحن إلى تعلم الحرفة للحفاظ على التراث، وأخريات يبحثن عن مصدر دخل إضافي لأسرهن ".

وتؤكد أم يوسف أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تساعدها على تسويق منتجاتها فحسب، بل ساهمت أيضاً في نقل خبرتها إلى جيل جديد من المتدربات،  مضيفة :" ما كانت أمي تنقله لي داخل المنزل، أنقله اليوم إلى عشرات النساء عبر شاشة الهاتف،  لتستمر الحرفة وتصل إلى أماكن لم تكن لتصل إليها من قبل ".

وتقول رشا فتاة سورية صاحبة متجر إلكتروني للمشغولات اليدوية:" عندما بدأت العمل قبل سنوات، كنت أحتاج إلى المشاركة في المعارض الموسمية أو عرض المنتجات في المحال التجارية للوصول إلى الزبائن،  وهو ما كان يتطلب تكاليف إضافية قد لا تستطيع الحرفيات تحملها. "

وتضيف :" لقد غير التحول الرقمي شكل الحياة اليومية وطرق العمل ومصادر الرزق، وأعاد رسم العلاقة بين المنتج والمستهلك، حيث أصبح الهاتف المحمول واجهة العمل أو المحل ، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للوصول إلى الزبائن في مختلف الدول،  أعرض المنتجات من المنزل وأتلقى الطلبات مباشرة عبر الإنترنت ما وفر عليّ أجور المحال التجارية والكثير من النفقات التشغيلية. "

وتؤكد أن الإقبال على المنتجات اليدوية ما زال مرتفعا رغم انتشار المنتجات الصناعية، موضحة أن " الزبون يبحث عن القطعة التي تحمل لمسة إنسانية وقصة خاصة، كثيرون يخبرونني أنهم يشترون المنتج لأنه مصنوع يدوياً وليس لأنه مجرد سلعة للاستخدام. "

وترى رشا أن التجارة الإلكترونية لم تساهم فقط في زيادة المبيعات، بل في حماية الحرف التقليدية من الاندثار،  قائلة: "بفضل الإنترنت لم تعد الحرفة محصورة في سوق محلي أو مدينة واحدة، بل أصبحت تصل إلى العالم كله، حاملة معها ثقافة المكان وتاريخه، وموفرة في الوقت نفسه مصدر رزق لعائلات كثيرة تعتمد على هذه المهن."

وتواصل الحرف اليدوية رحلتها عبر الزمن، فمن أسواق دمشق وبغداد والقدس القديمة إلى منصات البيع والتدريب عبر الإنترنت. ولم تتوقف عن أداء دورها بوصفها جسراً بين الثقافات والأجيال حيث تغيرت القوافل وتبدلت الطرق وتسارعت وسائل الاتصال، لكن الخيط الذي يربط الإنسان بتراثه ما زال ممتدا ينسج حكاية حضارات تغبر الزمان والمكان دون أن تفقد ملامحها.

مشاركة: