في دمشق تمّ لقاؤنا الأول. رجلٌ وسيم لا يمكن تجاهل حضوره حتى قبل أن ينطق بكلمة. في هيئته شيء يصعب تفسيره؛ خفّة آسرة وثقل غامض في آنٍ معاً، كأن دخوله المكان يكفي ليغيّر إيقاعه من دون أن يفعل شيئاً. همستُ لصديقي أسأله عن ذلك الرجل الغريب.
لم أنسَ نظرة الإعجاب في عينيه وهو يلفظ الاسم: بول شاوول.بعد دقائق قليلة، لم يعد غريباً. كان الحديث يتدفّق منه بخفّة، تتجاور فيه السخرية مع الشعر، والجدّ مع النكتة، والثقافة مع حياة الشارع. وكانت تلك الجلسة واحدة من أمتع الجلسات التي عرفتها في حياتي.ومنذ ذلك اللقاء، بقي بول شاوول في ذاكرتي كما رأيته للمرة الأولى: رجلٌ يصعب أن يمرّ في مكان من دون أن يترك فيه شيئاً منه.
اليوم، كلما مررتُ في شارع الحمراء، أبحث عنه بعيني: شعره الأبيض، وسامته التي لم ينتزع الزمن منها الكثير، والسيجار بين أصابعه. يجلس إلى قهوته في مكانه المعتاد، ثم يمضي حاملاً جريدة أو كتاباً تحت إبطه، كأنه لا يحمل أوراقاً، بل يحمل زمناً كاملاً يخشى أن يسقط في النسيان.سيرة حياة تصلح لأن تكون رواية. وحين أمرّ ولا أراه، أشعر أن شيئاً ناقصاً في الحمراء. أستعيد بعض أشعاره، أتذكّر نكاته، وأعود إلى لقائنا الأول في دمشق، ثم أراقب الشارع مرة أخرى… علّه يمرّ.
1. لو نظرت الآن إلى الشاب الذي كنته في بداياتك، ماذا تقول له؟ وماذا تعتذر منه؟
شبابي كان صعبًا. كنا شقيقين، ووالدي كان في الأمن العام، وقرر والداي تسجيلي في مدرسة الصنائع للتخصص في مهنة ما. كنت حينها أصغر طالب في المدرسة. قضيت شهرين، ثم بدأت أهرب من المدرسة. بعدها عرف والدي بالأمر، فنقلت إلى مدرسة أخرى.
دخلت إلى الحياة مبكرًا. كان هناك منطقة اسمها «السوق العمومي»، حيث كان الرجال يمارسون الجنس لقاء بدل مادي، وكنت حينها في الرابعة عشرة. في ذلك العمر عرفت أم عدنان التي شكّلت ثقافتي الجنسية.
وفي العمر نفسه بدأت بقراءة الشعر. أحضر لي والدي كتبًا في الشعر الموزون، ونشرت وقتها قصيدتين في مجلة «الحكمة». وكانت القراءة عندي حجر الأساس، ومن ثم بدأت ترجمة الشعر، وبعدها مثلت دورًا بسيطًا في المسرح.
أعتذر لنفسي الشابة لأني لم أستطع دراسة السينما والإخراج والعمل ضمن نطاقهما.
وفي عمر السادسة عشرة، واجهني والدي بأفعالي وجعلني أتحمل مسؤولية نفسي.
2. كتبتَ ضد القوالب وضد السلطات بمختلف أشكالها؛ هل كان تمردك خيارًا فكريًا أم طبيعة لا تعرف العيش داخل القفص؟
أنا عنيف جدًا، وواجهت السلطة وقاضاني عدد من المسؤولين، وواجهت الاحتلال الإسرائيلي بالأفكار في عز الاجتياح.
إخوتي صاروا يتهمونني خلال الحرب الأهلية بأنني شيوعي، فقطعت علاقتي بالعائلة كلها باستثناء أخواتي البنات. إخوتي لا يحبونني لأني لست طائفيًا.
3. كيف بدأت الخلافات بينك وبين أدونيس، وما الذي دفعكما بعد نحو أربعين عامًا إلى المصالحة واستعادة صداقتكما؟
أنا وأدونيس اختلفنا منذ 40 سنة. فحين كنت رئيس قسم ثقافي في إحدى الصحف، أجريت حوارًا مع الماغوط، فقال لي: «يضجرني ثلاثة منهم: أدونيس والحزب الشيوعي...». فعاتبني أدونيس، فطلبت منه الرد على الماغوط، فرفض ذلك، ومن حينها اختلفنا.
كتب أدونيس مقالًا هاجم فيه بيروت في صحيفة «النهار»، فكتبت بعدها عن شعره وحداثته منتقدًا إياها بشكل حاد.
حين مرض أدونيس زرته ونسيت كل شيء. بعدها رأيته في أحد المقاهي مع ابنته، فاقتربت منه، وغمرنا بعضنا البعض، وتصالحنا.
بعدها أتى أحد المصورين ورآنا بالصدفة، فصورنا ونشر خبر المصالحة. والآن نحن صديقان.
4. من بين الشعراء أو الكتّاب، من ترك فيك أثرًا إنسانيًا عميقًا، وليس أدبيًا فقط؟
الشاعر الفرنسي رينيه شار أقرب إلى قلبي وعقلي، فهو يمتلك لغة غريبة ويشتغل باللغة، وفريدريك نيتشه من أهم الفلاسفة عندي.
إذا أردت كتابة قصيدة الآن، فستكون عن نيتشه أو المتنبي، لأن المتنبي هو شكسبير الشعر العربي. وقد قرأته كوني تخصصت في الأدب العربي على مدى 12 سنة.
5. في الكتابة، هل تأتي القصيدة من اللغة أولًا أم من الجرح؟
الشعر دائمًا يبدأ بالجرح، والقصيدة تنمو في الداخل، ومنهم من يعبّر عنها مباشرة.
وهناك صديق لي هو علي بردى، لديه أول قصيدتين كتبهما، وحين قرأتهما بعد ستين عامًا أحببتهما. القصيدتان هما «مناجاة العجوز» و«حبيبتي جاء الخريف».
6. بين دواوينك الكثيرة، هل هناك كتاب تشعر أنه يمثلك أكثر من غيره، الكتاب الذي تقول عنه: «هذا أنا»؟
كل الدواوين هي أنا، وكلها متساوية عندي. هناك شعراء كبار، لكن يمكننا من خلال كتاب واحد لهم أن نقرأ كل تجربتهم، لأن إيقاعاتهم وأساليبهم واحدة.
كتبي مختلفة عن بعضها، ويمكنني أن أبقى ثماني سنوات دون كتابة.
7. هل ما زال الشعر قادرًا على هزّ العالم، أم أننا نعيش زمنًا صار فيه الضجيج أعلى من القصيدة؟
لم يكن الشعر أبدًا محط تأثير في العالم. كبار الشعراء في الغرب يبيعون بين 10 و20 نسخة.
الشعر يسبق المجتمع، والشاعر يكتب لمستقبل لن يأتي.
هناك قطيعة بين الشعراء الشباب والحداثة، كونهم ضحايا الحروب وانحدار المستوى العلمي ودخول عصر التكنولوجيا وثورتها.
الآن الناس يتعجبون كيف أمشي في الشارع وبين يدي كتب. بعضهم يظنونني محاميًا، وبعضهم يظنونني وزيرًا، والآن للأسف من النادر أن نرى أحدًا يقرأ جريدة أو كتابًا.
لم يعد في بيروت مكتبات سوى مكتبة أنطوان.
الشباب اليوم أتوا إلى عالم فارغ يعتمد على الذكاء الاصطناعي. هو جيل الحروب والطائفية والتخلف.
8. قلتَ أيضًا إن «الثقافة ليست ترفًا بل ضرورة وجودية». كيف تنظر إلى المشهد الثقافي العربي اليوم؟
الجيل الجديد يجب أن يقرأ التراث وأن يتعلم اللغة. الثقافة الشعرية وحدها لا تكفي، بل يجب أن يقرأ الفلسفة والمسرح وأن يشاهد السينما.
توقفت عن كتابة الشعر، لأني أعطيت من الشعر ما يكفي. حين أكتب قصيدة أعطيها من العمر ست سنوات، ويجب تجنب القصائد الإعلامية والقصائد المكررة.
لم أعد أقرأ الشعر، والآن أقرأ الفلسفة والمسرح.
9. ما الذي يزعج بول شاوول أكثر اليوم: الرداءة الثقافية، الشعبوية، أم الاعتياد الجماعي على الانحدار؟
العزلة الحقيقية هي ما نراه اليوم في الشارع، وغياب الثقافة وانهيار مستوى الجامعات والمدارس. لم يبقَ لي سوى المقهى الذي أجلس فيه الآن.
10. بيروت التي سكنت نصوصك… هل ما زالت مدينة تحبها، أم أنها تحولت إلى جرح طويل يحمل اسم مدينة؟
بيروت القديمة هي أم الثقافة العربية، هي ملاذ المظلومين والمثقفين ومنارة الحرية، وهي التي صنعتني، وكانت تتمتع بحرية مطلقة.
مشكلة لبنان أنه يتمتع بالحرية، لكنه محاصر من قبل إسرائيل وأنظمة ديكتاتورية.
كتبت قصيدة عن غزة حين شاهدت أطفال غزة على التلفاز وهم يعانون، وكتبتها في ليلة رأس السنة. نشرتها في صحيفة «المستقبل»، وبعدها نشرتها في كتيّب وطلبت من المكتبات توزيعه مجانًا.
السلطة الفلسطينية تبنّت القصيدة وطبعتها مجددًا ووزعتها.
11. ماذا بقي من أحلام جيل الستينات؟
بيروت اليوم شارع للبيع، فقد رمزيته التاريخية والحضارية والثقافية، بدءًا من استباحتها من قبل الميليشيات، فأصبحت مجرد سوق.
رغم ذلك لن أغادرها، ولن أغادر الحمرا، التي كانت مدينة فيها 12 سينما و4 مسارح.
12. من الذين رحلوا وما زالوا يسكنونك؟
أفتقد أنسي الحاج، وعصام محفوظ، ومحمد الماغوط. حين زرت الماغوط في آخر أيامه كان على الفراش يشرب الكحول، وبعد مدة توفي.
الفقد يكرّس الحزن لديّ. هؤلاء هم عائلتي، وكل أصدقائي هم عائلتي.
الماغوط كان عفويًا وصاحب تجربة عظيمة، وكان يحب بيروت. أهم السوريين الذين كتبوا عن بيروت هم الماغوط ونزار قباني.
13. كيف تنظر إلى تجربتك مع الزواج والأبوة، وهل تشعر بالندم لأنك لم تتزوج وتؤسس عائلة؟
أنا غير موهوب في الزواج ولا في الأبوة. عشت المساكنة، وكل العاشقات اللواتي عشقتهن أجمل مني وأوفى مني.
لست نادمًا على عدم الزواج وتأسيس عائلة، لكن تمنيت لو كان لي ابنة.
14. هل تخاف من الشيخوخة بوصفها اقترابًا من النهاية، أم تراها نوعًا من الصفاء القاسي الذي يعرّي كل الأوهام؟
أعيش الشيخوخة باطمئنان، وأتعامل معها كأنها جزء من الحياة. حتى الآن أنا عنيد في الكتابة والقراءة، لكن الثابت أن لا أحد قادر على التمرد على الزمن.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا