إذا كان لكل مدينة مكان تختزن فيه ذاكرتها الثقافية، فقد كانت "غرفة بندر عبد الحميد" واحدة من تلك الأمكنة في دمشق، لم تكن صالوناً أدبياً منظماً ولا مؤسسة رسمية، بل غرفة بسيطة تحولت مع الزمن إلى ملتقى للشعراء والروائيين والسينمائيين والصحفيين.
هناك كانت تُقرأ القصائد قبل نشرها، وتُناقش الكتب والأفلام، وتُولد صداقات استمرت عقوداً، لم يكن بندر مضيفاً تقليدياً، بل مستمعاً يعرف كيف يمنح ضيفه شعوراً بأنه جزء من المكان، سواء كان شاعراً معروفاً أو شاباً يحمل مخطوطته الأولى.
ولهذا التصقت صورته بالكرم الثقافي أكثر من أي صفة أخرى، فقد نقل إلى المدينة شيئاً من روح المضافة التي عرفها في الجزيرة السورية؛ باب مفتوح، وحديث لا ينقطع، وكتاب ينتقل من يد إلى أخرى، وإيمان بأن الثقافة تبدأ من اللقاء الإنساني قبل أن تتحول إلى كتب ومؤسسات.
لم يكن بندر عبد الحميد من الشعراء الذين سعوا إلى الأضواء أو بنوا حول أسمائهم هالة من الشهرة، عاش بعيداً عن الصخب، وترك قصيدته تتقدم على صاحبها، حتى غدا حضوره في الذاكرة الثقافية السورية أكبر من عدد كتبه،كان شاعراً وروائياً وناقداً سينمائياً وناشراً، لكنه كان، قبل كل شيء، مثقفاً جعل من حياته مساحة مفتوحة للحوار والكتب والأصدقاء.
وحين رحل في دمشق في 17 فبراير/شباط 2020، لم يشعر الوسط الثقافي بأنه فقد شاعراً فحسب، بل واحداً من الأشخاص الذين صنعوا جزءاً من الحياة الثقافية اليومية في المدينة. فقد كان حضوره يتجاوز دواوينه إلى علاقاته الواسعة، وإلى دوره في اكتشاف المواهب، وإلى غرفته التي تحولت، عبر سنوات طويلة، إلى ملتقى للشعراء والروائيين والسينمائيين والصحفيين.
من الجزيرة السورية إلى دمشق
وُلد بندر عبد الحميد عام 1947 في قرية تل صفوك قرب الحسكة، ونشأ في بيئة ريفية تركت أثرها العميق في مخيلته الشعرية، كانت البراري والريح والماء والطيور جزءاً من عالمه الأول، وستبقى لاحقاً حاضرة في لغته وصوره، لا بوصفها عناصر وصفية، بل باعتبارها جزءاً من ذاكرته الشخصية.
انتقل إلى دمشق لدراسة اللغة العربية في جامعتها، وهناك وجد نفسه في قلب المشهد الثقافي السوري خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كانت المدينة تضج بالحلقات الأدبية والصحف والمجلات ودور النشر، وتستقطب جيلاً جديداً من الشعراء والكتاب القادمين من مختلف المحافظات.
سرعان ما أصبح بندر واحداً من وجوه هذا الوسط، لكنه احتفظ دائماً بملامح القادم من الأطراف؛ ذلك الذي يحمل هدوء الريف واتساعه، ويكتب الطبيعة كما عاشها لا كما تخيلها، ولهذا لم يكن غريباً أن يحمل ديوانه الأول عنوان "كالغزالة كصوت الماء والريح"، وهو عنوان يلخص منذ البداية العلاقة العميقة بين شعره والعالم الذي خرج منه.
شاعر يكتب الإنسان لا الشعارات
ينتمي بندر عبد الحميد إلى جيل السبعينيات الشعري، وهو الجيل الذي جاء بعد الهزائم العربية الكبرى، في زمن كانت فيه القصيدة محمّلة بالأيديولوجيا والخطابات السياسية.
غير أن بندر اختار طريقاً مختلفاً؛ فلم يجعل من الشاعر خطيباً أو متحدثاً باسم الجماعة، بل أعاد القصيدة إلى الإنسان العادي، إلى خوفه ووحدته وحياته اليومية.
في شعره لا تحتل الأحداث الكبرى مركز المشهد، بل ما تتركه تلك الأحداث في روح الفرد، لذلك حضرت الحرية والموت والقلق والغياب في نصوصه بوصفها تجارب إنسانية، لا شعارات سياسية. ومن هنا جاءت عناوين مثل "إعلانات الموت والحرية" و"الضحك والكارثة"، حيث يلتقي الضدان في رؤية ترى أن الإنسان يعيش دائماً بين هشاشة الحياة وقسوة الواقع.
ورأى نقاد أن بندر كان من أبرز شعراء ما سمي بـ"مشاغل الإنسان الصغير"، أي الإنسان الذي لا يصنع التاريخ، لكنه يدفع ثمنه كاملاً، لذلك امتلأت قصائده بالتفاصيل اليومية: الغرفة، والنافذة، والطريق، واليد، والوجه، والأشياء البسيطة التي تتحول، في لغته، إلى مرايا للوجود الإنساني.
لغة تكتفي بالإشارة
امتلك بندر عبد الحميد واحدة من أكثر اللغات هدوءاً في الشعر السوري الحديث، لم يعتمد على الزخرفة أو الغموض، ولم يكن معنياً بإبهار القارئ بالمفردات، بل كان يكتب بجمل تبدو بسيطة، لكنها تخفي بناءً دقيقاً يقوم على الاقتصاد في اللغة والصورة.
كان يترك القصيدة تلمح أكثر مما تشرح، وتفتح باب التأويل من دون أن تفرض معنى واحداً. ولهذا تشبه نصوصه لقطات سينمائية قصيرة؛ تبدأ من مشهد مألوف، ثم تنتهي بإحساس مفاجئ بالفقد أو الحنين أو العزلة.
ولعل هذا ما جعل شعره قريباً من القارئ، لكنه في الوقت نفسه عصياً على الاختزال. فالقوة في قصائده لا تأتي من الجملة اللافتة، بل من الجو العام الذي تخلقه القصيدة، ومن العلاقة بين صورها وإيقاعها الداخلي.
حين التقت القصيدة بالسينما
شكّل سفره إلى المجر عام 1979 لدراسة الصحافة نقطة تحول مهمة في حياته،هناك توسعت علاقته بالسينما، واطلع على مدارسها الأوروبية ونظرياتها، قبل أن يعود إلى دمشق حاملاً شغفاً جديداً بالصورة إلى جانب شغفه القديم بالكلمة.
لم يتعامل مع السينما باعتبارها فناً منفصلاً عن الأدب، بل رأى فيها امتداداً طبيعياً للشعر. فالفيلم، في نظره، يقوم على الصورة والإيقاع والاختزال، وهي العناصر نفسها التي كان يبحث عنها في القصيدة.
انعكس هذا الشغف بالسينما على قصيدته أيضاً، فقد أصبحت الصورة أكثر حضوراً، وصار المشهد الشعري يتحرك كما لو أنه لقطة سينمائية، تنتقل من إطار واسع إلى تفصيل صغير، وتترك للقارئ مهمة اكتشاف ما بينهما من صلات خفية.
وفي سنواته الأخيرة واصل اهتمامه بالفن البصري، فأصدر كتاب "مغامرة الفن الحديث"، ثم كتاب "ساحرات السينما"عام 2019، قبل عام واحد من رحيله، مؤكداً أن علاقته بالسينما لم تكن هواية عابرة، بل جزءاً أصيلاً من مشروعه الثقافي.
لماذا بقي أقل شهرة من أثره؟
رغم مكانته في الوسط الثقافي السوري، لم يتحول بندر عبد الحميد إلى اسم جماهيري واسع الانتشار، ويعود ذلك إلى أسباب عدة؛ فقد كان قليل الظهور الإعلامي، قليل النشر قياساً إلى أبناء جيله، كما أن جهداً كبيراً من حياته ذهب إلى خدمة كتب الآخرين ومشروعاتهم الثقافية.
ثم إن قصيدته نفسها لم تكن قصيدة شعارات أو جمل سهلة التداول، بل قصيدة تقوم على التأمل والهدوء والاقتصاد في اللغة. لهذا بقي تأثيره الحقيقي داخل الأوساط الأدبية والثقافية، حيث عرفه الجميع شاعراً وناقداً وصديقاً ومرشداً، حتى وإن ظل اسمه أقل تداولاً لدى الجمهور العام.
لكن هذه المفارقة لم تنتقص من قيمته، فهناك كتّاب تصنعهم الشهرة، وآخرون يصنعون الثقافة نفسها، لعل بندر من الفئة الثانية.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا