في ظهيرة دمشقية حارة، كانت الشمس تنسكب على حجارة المدينة القديمة ببطء يشبه انسكاب الزمن نفسه، وكان قوس باب شرقي واقفاً في مكانه منذ قرون كحارس عجوز يعرف أسرار الذين عبروا من تحته واختفوا. يومها اجتزت القوس كما لو أنني أجتاز الحياة كلها دفعة واحدة، لا مجرد بوابة أثرية تفصل بين شارع وآخر. شعرت أن الأرصفة تحفظ وجوه المارة أكثر مما تحفظها الصور، وأن الحجارة تعرف أسماء الذين أحبوا وخسروا وانتظروا ورحلوا، فيما بقيت المدينة تواصل سرد حكايتها بصبر لا ينتهي. كنت أمضي نحو المكان الذي اعتدت الجلوس فيه، ذلك المقهى الذي يحمل اسماً يشبه دمشق نفسها أكثر مما يشبه أي شيء آخر: "عشق".
لكن قبل أن أصل إلى طاولتي المعتادة، شقّ صمت الظهيرة صراخ مرتفع صادر من جهة حانة أبو جورج، أقدم حانات دمشق القديمة وأكثرها امتلاءً بالحكايات والوجوه الغريبة والقصص التي لا تجد طريقها إلى الكتب. هناك كان أبو جورج واقفاً في مواجهة شاب نحيل أسود الشعر، يرتدي ثياباً غير متجانسة كما لو أنها جمعت من أيام مختلفة وحيوات متعددة. لم يكن يبدو كرجل يعيش الحياة وفق شروطها المألوفة، بل كمن قرر منذ زمن بعيد أن يفاوضها كل يوم على قواعد جديدة، وأن يسير بمحاذاة الطريق لا داخله.
اقتربت محاوِلة فهم ما يحدث، وسألت أبا جورج عن سبب الخلاف، فأجاب وهو يهز رأسه بتلك الطريقة التي لا تخلو من المحبة رغم الغضب: "باسم تراكمت عليه الديون ويريد أن يشرب المزيد". عندها التفت الشاب نحوي، وحدّق مطولاً كأنه يحاول استدعاء اسم ضائع من ذاكرته، قبل أن تتسع عيناه فجأة ويقول بدهشة صادقة: "ياااخ... أنتِ بثينة عوض؟ كتير بحب كتابتك". وبينما كان يتحدث لمحت شامة صغيرة تحت عينه لم أكن قد انتبهت إليها من قبل. لا أعرف لماذا بقيت تلك الشامة عالقة في ذاكرتي، لكنني أدركت في تلك اللحظة شيئاً آخر أكثر أهمية، أدركت أن هذا الرجل يعيش من التفاصيل الصغيرة، ويرى ما لا يراه الآخرون، ويلتقط الأشياء التي تمر أمام الناس مروراً عابراً ثم تختفي، وربما لهذا السبب كان قادراً لاحقاً على أن يمنح الكتب وجوهاً لا تُنسى.
انتهى الخلاف كما تبدأ وتنتهي معظم الخلافات الدمشقية القديمة؛ بكلمات قليلة وضحكة متأخرة ومصافحة ألغت كل ما سبقها. دخل باسم إلى الحانة، وجلست أنا في مكاني، ولم أكن أعرف أن تلك المصادفة العابرة ستكون بداية صداقة طويلة مع واحد من أكثر الشخصيات الثقافية فرادة في دمشق، وأكثرها عصياناً على التصنيف.
مع مرور الوقت اكتشفت أن الحديث عن باسم صباغ باعتباره مجرد مصمم أغلفة يشبه الحديث عن البحر بوصفه ماءً فقط. صحيح أن اسمه ارتبط خلال السنوات الأخيرة بعشرات الأغلفة التي عبرت إلى أيدي القراء في سوريا وخارجها، لكن الغلاف بالنسبة إليه لم يكن يوماً عملاً تقنياً أو وظيفة يؤديها ثم يغادرها. كان يتعامل مع الكتاب كما يتعامل الرسام مع لوحته الأولى، وكما يتعامل الموسيقي مع نوتته المفضلة. كان يبحث داخل النص عن الصورة الخفية التي لا يراها الآخرون، ويصغي إلى النبرة التي تختبئ بين السطور، ويحاول أن يلتقط روح الكتاب قبل أن يلتقط شكله. ولذلك بدت أغلفته في كثير من الأحيان أقرب إلى لوحات مستقلة منها إلى تصميمات مرافقة للنصوص، وكأنها تكتب حكاية موازية للحكاية التي كتبها المؤلف.
غير أن عالم باسم الحقيقي لا يمكن العثور عليه كاملاً فوق أغلفة الكتب وحدها. لفهمه لا بد من الذهاب إلى ساروجة، إلى ذلك الدرج الخشبي القديم المؤدي إلى دار كنعان للنشر، حيث يبدو المكان وكأنه امتداد طبيعي لشخصيته. هناك تتجاور الكتب مع اللوحات، وتمتزج رائحة الورق برائحة القهوة والطعام، وتتحول الجلسات الثقافية إلى جزء من الحياة اليومية لا إلى مناسبة رسمية. في ذلك المكان لا يجتمع الأصدقاء لمناقشة الأدب فقط، بل لممارسة الحياة نفسها؛ يضحكون ويتجادلون ويخططون لمشاريع جديدة ويستعيدون حكايات قديمة. وهناك أيضاً يمكن أن ترى باسم وهو يناقش غلاف رواية جديدة، ثم يترك الحديث فجأة ليطمئن على برطمانات المخلل التي أعدها بيديه، أو ليقلب قدراً من المجدّرة يصر على إعدادها للأصدقاء، أو ليروي حكاية جديدة عن فنان أو شاعر أو عابر سبيل صادفه في أحد أزقة دمشق.
كان الفن بالنسبة إليه جزءاً من الحياة، لا جزيرة منفصلة عنها. وربما لهذا السبب بدا مختلفاً عن كثيرين من أبناء الوسط الثقافي. لم يكن معنياً كثيراً بالصورة التي يقدمها للناس، ولم يحاول يوماً أن يرتدي قناع الفنان الجاد أو المثقف الوقور. كان أقرب إلى بوهيمي دمشقي قديم، واحد من أولئك الذين يفضلون الجلوس في الحانات والمقاهي على الجلوس في المنابر، ويجدون في الصداقة متعة لا تقل عن متعة الكتابة أو الرسم.
في منشوراته اليومية كان يقدم نفسه بلا أقنعة. يعترف بما يحب وما يكره، ويسخر من نفسه قبل أن يسخر من الآخرين، ويكتب عن الكحول والحياة والخسارات الصغيرة بقدر من الصراحة أصبح نادراً في زمن امتلأ بالصور المصقولة والبطولات الوهمية. كان يقول مازحاً إنه يحب الكحول أكثر من النساء، ويتحدث عن تشمع الكبد كما لو أنه يتحدث عن مشروع مؤجل أو رحلة قادمة، لكن من يعرفه جيداً كان يدرك أن خلف هذه السخرية يقف إنسان شديد الحساسية تجاه العالم، وإنسان يعرف هشاشة الحياة أكثر من كثيرين، ولذلك يحاول أن يعيشها كاملة من دون تجميل أو ادعاء.
وربما تكمن فرادة باسم صباغ في أنه لا يتعامل مع الإبداع باعتباره مهنة، بل باعتباره طريقة وجود. إنه يرسم لأنه لا يستطيع التوقف عن الرسم، ويصمم الأغلفة لأنه يرى العالم بصرياً قبل أن يراه بأي طريقة أخرى، ويكتب لأنه يحتاج إلى الحكاية، ويطبخ لأنه يحب أن يجتمع الناس حول مائدة واحدة، ويحتفظ بأصدقائه كما يحتفظ الرسام بألوانه المفضلة. كل شيء في حياته يبدو متصلاً بكل شيء آخر، حتى يصعب أحياناً معرفة أين تنتهي حياته الشخصية وأين يبدأ مشروعه الفني.
في مدينة تغيّرت كثيراً خلال العقود الأخيرة، وخرج منها كثيرون أو تغيروا معها، بقي باسم أشبه بقطعة من دمشق القديمة نفسها؛ لا دمشق الرسمية التي تظهر في الكتيبات السياحية، بل دمشق الأزقة الخلفية والحارات الضيقة والمقاهي المنسية والحانات التي ما تزال تتنفس بصعوبة بين ركام التحولات الكبرى. هذه المدينة تسكن أعماله حتى عندما لا يرسمها، وتظهر في اختياراته البصرية وفي حسه الجمالي وفي ذلك الحنين الخافت الذي يمر عبر كثير من أعماله من دون أن يعلن عن نفسه مباشرة.
وحين أصدر روايته "سيرة ذاتية لكحولي واضح"، لم يكن الأمر مفاجئاً لمن عرف عالمه. بدا وكأن الفنان الذي أمضى سنوات طويلة في رواية الحكايات بالألوان قرر أن يمنحها أخيراً صوتاً لغوياً مباشراً. فالرواية لم تكن خروجاً من عالمه بقدر ما كانت امتداداً طبيعياً له؛ محاولة أخرى لفهم الذات والمدينة والذاكرة، ولإعادة تركيب العالم عبر السرد بعد سنوات من إعادة تركيبه عبر الصورة.
اليوم، حين يُذكر اسم باسم صباغ، قد يتذكر البعض الأغلفة التي صممها، وقد يتذكر آخرون لوحاته أو روايته أو حضوره الدائم في الوسط الثقافي الدمشقي. أما أنا فأستعيد دائماً تلك الصورة الأولى، شاباً نحيلاً يقف أمام حانة أبو جورج في ظهيرة صيفية قديمة، يتشاجر على كأس إضافية، ثم يتوقف فجأة ليتحدث بحماسة عن كتاب أو كاتب أو فكرة جديدة. أستعيد رجلاً يتعامل مع الحياة بخفة الصعاليك وحساسية الفنانين، ويرفض أن يأخذ العالم بجدية أكثر مما يستحق، ويصر على أن يعيش وفق شروطه الخاصة مهما كانت النتائج.
لهذا يبدو الحديث عنه بوصفه مصمم أغلفة فقط نوعاً من الظلم. فباسم صباغ ليس مجرد الرجل الذي منح عشرات الكتب وجوهها البصرية، بل هو واحد من أولئك النادرين الذين يحولون حياتهم نفسها إلى عمل فني مفتوح، ويجعلون من الصداقة فناً، ومن التفاصيل الصغيرة حكاية، ومن الأيام العادية مادة للجمال. وربما لهذا السبب بالذات يصعب نسيانه، لأنه لا يترك أثراً في الكتب التي صممها فقط، بل يترك أثراً في الأشخاص الذين عبروا حياته أيضاً.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا