في هذا الحوار، تتحدث الشاعرة والباحثة أصالة لمع عن عالمها الشعري الذي يتشكّل بين الحساسية والذاكرة والحنين، وعن المكان والمنفى والحب بوصفها عناصر أساسية في تجربتها. تتوقف عند العلاقة بين الشعر والعلم، وكيف تتجاور في داخلها لغة القصيدة مع لغة البحث السرطاني، قبل أن تستعيد بدايات علاقتها بالقراءة والكتابة، وتكشف عن كتاب «صنعة الشعر» الذي ما زال يرافق تجربتها. كما تتناول علاقتها بالسرد، وموقفها من السؤال المتكرر حول كتابة الرواية، وطريقتها في تحرير القصيدة، ورؤيتها للشعر العربي الأنثوي، وصولاً إلى علاقتها الوجودية بالشعر، بوصفه مكاناً داخلياً لا تستطيع مغادرته.
1- من يقرأ شعر أصالة لمع يلمس مناخ العالم الهادئ الموازي، المليء بالنوستالجيا. هل ساعد المكان في تكوين تلك التجربة؟
أحب أن أفكر أن هذا العالم الموازي يقع بشكل أساسي داخل الشاعر، بغض النظر عن الأمكنة. ولن أستخدم كلمة «هادئ» لوصفه. هو، على النقيض تماماً، عالم متوتر ومشدود وشديد الحساسية، بما يتناسب مع التحفيز الذي يقود إلى الخلق. النوستالجيا، أو حتى الكآبة بشكلها الرقيق الخالي من العنف، يمكن أن توحي بشيء يشبه الهدوء، وأنا أنتبه إليها وأستدعيها، لكي ألفّ كل هذا الانفعال بما يكفي من الرقة، فلا أجرح نفسي أيضاً حين أكتب نصاً قاسياً.
في النهاية، الحنين أصل في الشعر، ولم يتوقف البشر أبداً عن العيش في اللحظة التي انقضت، وفي الأمكنة التي ضاعت منهم، أو حتى عن الحنين أحياناً إلى أشياء لم يعيشوها أبداً. وظيفة الشعر أن يلتقط كل هذا.
أما المكان، بفكرته الأوسع، فقد ساهم بلا شك في تشكيل تجربتي عموماً، وأجد أن الكثير من هواجسي، مهما ابتعدت عنه، تعود إليه. الغربة تجربة قاسية، منافية لطبيعتنا الإنسانية، ولحاجتنا للعيش في مكان نحفظ شوارعه الفرعية وملصقات حوائطه، محاطين بوجوه نألفها منذ ولدنا ولغة نحملها تحت جلدنا. حين يجد المرء نفسه في مكان آخر، بلا ذاكرة يستند عليها، تنفتح أزماته على إشكالية الهوية، ويخنقه المنفى من كل صوب. أكتب أيضاً لأنني أحلم بمنفى أقل، بمكان أعرفه ويعرفني، ويتسع لي.
2- تشغل العاطفة دائماً قصائدك. هل هي محاولة لتعريف الحب؟
لا أؤمن بقصيدة لا تشغلها العاطفة، لأن الشعر لديّ لا ينفصل عن تجربة شعورية خالصة. الشعر بالنسبة لي هو نص أتأثر أمامه، شيء غامض قادر على إحداث الارتجاف. بلا عاطفة، يمكن للقصائد أن تتحول بسهولة إلى اشتغال لغوي، وأن تقع في فخ التكلف. العاطفة التي نضعها في النص قادرة على تحويل اللغة، على أشكالها، إلى شعر.
من ناحية ثانية، الحب هو مادة الشاعر الأولية، وأجمل ما يمكن له أن يشتغل به. هو نبل وجمال وحقيقة، عاطفة واسعة لا تكفّ عن جعل العالم أكثر اتساعاً، والحياة أكثر إمكانية، وتبقى، تماماً مثل الشعر، عصية على أي تعريف. في الجوهر، فالحب والشعر قد يكونان شيئاً واحداً.
3- تجمع أصالة لمع بين العلوم السرطانية والشعر. هل أصالة الباحثة تستطيع أن تكتب الشعر بلغة المستشفيات؟
لا تتقاطع لغة الشعر مع لغة العلم. عملي يقع في حيّز مختلف، بعيد عن الإبداع، ولقد اعتدت أن أحمل في داخلي هذين العالمين شديدي الاختلاف: القصيدة تقودني إلى الحدس والشك، فيما عملي العلمي يفرض عليّ عزل حواسي والبحث عن يقين. وحتى إن كان لعملي بعداً إنسانياً واضحاً، فالوسائل عقلية فقط.
في نهاية اليوم، أجد نفسي أهرب إلى الشعر، حيث أستطيع أن أطرح الأسئلة عوضاً عن البحث عن أجوبة دقيقة، وحيث أطمئن إلى هشاشتي، وأؤكد على إنسانيتي، فتبدو الحياة، ولوهلة، أقل وطأة.
4- ما هي التجربة الشعرية التي دفعتك نحو الكتابة؟
وعيت منذ طفولتي بأن لديّ حساسية مبكرة تجاه الأشياء، ثم تجاه اللغة نفسها. لا أستطيع أن أتذكّر تجربة شعرية محددة دفعتني إلى الكتابة، مع أنني حين أسترجع في رأسي صوراً من طفولتي، أرى نفسي دوماً غارقة في عالم خاص، خلف نافذة أو تحت شجرة، متأملة الستارة البيضاء التي تحركها الريح أمام الباب أو انعكاس الظلال على الحائط.
أتذكر أنني قرأت أن الشاعر طلال حيدر وعي أنه يرى الأمور بطريقة مختلفة عن أهله، حين كان يجمع أوراق الشجر الموحلة في بداية الخريف ويخبئها تحت مخدته، ولم يكن يفهم لماذا كان أهله يوبّخونه بعد ذلك. مع أنني لا أتذكر تجربة شخصية بهذه الروعة، لكنني كنت أشعر باختلافي.
أذكر فقط أنني في تلك الفترة اكتشفت القراءة، التي ما زالت الشغف الأكبر في حياتي. كنت أقرأ كل ما تقع عليه يداي، وساعدني هذا على فهم نفسي وتشكيل نظرتي الأولى إلى العالم. ربما تكون القراءة أكثر ما قادني إلى الكتابة، التي جاءت بعدها وحدها، مثل حاجة طبيعية وملحّة للقول، واستجابة داخلية لدوافع ذاتية وجمالية، ربما لم أفهمها تماماً في حينها.
5- في أحد حواراتك أخبرتنا أن كتاب «صنعة الشعر» لا يغادرك. هل ما زلت في حالة حوار مع الشعر؟
لم يتوقف هذا الحوار يوماً، ولا أظنه سيتوقف أبداً. كتاب «صنعة الشعر» يضم محاضرات ألقاها بورخيس في جامعة هارفرد، ويتحدث فيها عن الشعر واللغة ببساطته العبقرية. هو كتاب حيّ، لا يُقرأ مرة واحدة فقط، بل يمكن له أن يرافقك ويعيش معك تجربتك الكتابية بأكملها.
وفي كل مرة تعود إليه، تكتشف أنك من يتغيّر، فيما هو في مكانه، ينتظرك بصبر ليضيء لك طرقاً كانت معتمة ووجهات نظر جديدة لا تُحصى.
6- تحاول قصيدتك أن تحاكي القصة والسرد. لماذا لم تكتبي حتى اللحظة رواية؟
في لقاء جمع غابرييل غارسيا ماركيز ببابلو نيرودا بعد حصول الأخير على جائزة نوبل، يقول ماركيز جملة رائعة تصلح للإجابة على هذا السؤال، وقد كتبت حولها مرة مقالاً كاملاً. يقول: «نستطيع أن نصل إلى عقد اتفاقية سلمية، بمعنى أن يصبح الشعراء أكثر "سردية"، وأن نصبح -نحن الكتّاب- أكثر "شاعرية"».
أعتقد أن هذا الفصل بين السرد والشعر يصبح وهماً في لحظة ما، لأن الاثنين يتداخلان إلى حد بعيد. وقد استخدم البشر الشعر لروي القصص في الملاحم التاريخية. كما إن بورخيس، في أحد كتبه، يقول: «أنا أبحث عن حبكات لقصائدي».
أحياناً أحب أن أخلق هذا الخيط السردي في القصيدة، أن أجعلها تنطلق من مكان واضح وتقود إلى مكان واضح. لكن هذا لا يعني أنه عليّ أن أكتب رواية. لا أقول إن هذا غير ممكن، فأنا أكتب نصوصاً سردية مطوّلة أحياناً حين لا يكفي التلميح الذي يفرضه الشعر.
كما إنني قارئة للروايات، وأحب الروايات الشاعرية التي تبدو مثل قصائد طويلة، والتي ينصحنا ماركيز بكتابتها. لكنني أعترض على طرح الرواية دائماً كشيء حتمي، كأنه التطور الطبيعي للشاعر، وأجد في سؤال الشعراء دوماً هذا السؤال إجحافاً يتعلق بالإقبال التجاري على الرواية في زمننا الحالي، وتقديمها دوماً كفن متفوق على الفنون الأخرى. لماذا لا تسألون الروائي متى سيكتب ديوان شعر مثلاً؟
7- بعد كتابتك القصيدة، هل تعملين على تحريرها أم تخرجين بها إلى الناس كما ولدت؟
تبدأ القصيدة دوماً في لحظة انفعالية، كشرارة لا يمكن تجاهلها. لكنها لا تكتمل في هذه اللحظة وحدها. أحتاج إلى مسافة أعود فيها إلى النص بعين أكثر هدوءاً. أستبدل مفردة بأخرى، أحذف صورة أراها متكلفة... إنما أقوم بكل هذا بحذر شديد، لأن التحدي الدائم هو الحفاظ على توازن دقيق، بحيث يُبقي النص على صدق الانفعال الأول، من دون الوقوع في حالة من الفوضى.
أؤمن أن القصيدة الجيدة هي قصيدة تم الاشتغال عليها، لكنها احتفظت بارتجافها، أي بقدرتها أيضاً على إحداث الارتجاف.
8- ما هو موقفك اليوم كقارئة من تجربة الشعر العربي الأنثوي؟
تعنيني التجربة الأنثوية التي تضيف حساسية خاصة داخل القصيدة، تجاه الذاكرة والجسد والعالم، إنما بلا أن تحتاج إلى أن تعلن نفسها كخطاب. أي أن يكون الأنثوي شيئاً يتسرّب عبر التفاصيل ووجهة النظر، بما يجعل التجربة تركيباً داخل اللغة، لا موضوعاً منفصلاً عنها.
لأن الشعر يفقد صدقه حين يتحول إلى موقف جاهز، وأجد في تنميط الفنون وتصنيفها الجندري فخاً حقيقياً. الشعر إنساني، ولا أؤمن بالتصنيفات التي تغلق عليه في صناديق.
هناك اليوم شاعرات لديهنّ أصوات حقيقية ويكتبن بعمق وجرأة، وأعتقد أن القصيدة النسوية تغيّر موقعها بالفعل، حين تخلّت عن فكرة تمثيل «المرأة» بوصفها قضية، وصارت تكتب من هذا الموقع الإنساني الأوسع.
ما زالت المرأة التي تكتب تواجه طبعاً تنميطات عديدة، إنما في مشهد يهمّش الشعر أصلاً، يصبح السؤال الجندري جزءاً من إشكالية أوسع تتعلق بتلقّي الأدب نفسه.
9- هل تجدين نفسك يوماً ما خارج الشعر؟
أخاف أن أعجز عن الكتابة يوماً ما، فالشعر يفعل ما يريد: يأتي أحياناً، وأحياناً لا يأتي. لكن فعل الكتابة نفسه جزء بسيط من علاقتي بالشعر. الشعر حاجة وجودية، ليس ترفاً، ولا اختياراً يمكنني التخلي عنه.
لا يمكن أن أجد نفسي خارج الشعر، لأنه يسكن في داخلي، في داخل النظرة التي أضعها على العالم، وهو مكاني الذي أسكنه أيضاً منذ زمن بعيد، لدرجة أنني لم أعد أتذكر أنني كنت يوماً في مكان آخر.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا