تحميل موقع شغف

الشرع والعقل بين الحاكم الفردي والحاكم الجماعي.

الشرع والعقل  بين الحاكم الفردي والحاكم الجماعي.

 

العقل نعمةٌ عظيمة، وهو مناط التكليف، وبه يميِّز الإنسان بين وجوه المصالح والمفاسد، لكنه يظلُّ حاكمًا فرديًا؛ لأن العقول تتفاوت في قوة الإدراك، وسلامة التصور، وصحة الاستدلال، كما تختلف باختلاف البيئات، والثقافات، والأهواء، والمؤثرات.

 ولذلك تتعدد القناعات، وتتباين الأحكام، ويقع الاختلاف بين الناس.

أما الشرع، فهو الحاكم الجماعي الذي يحتكم إليه الجميع، فلا يخضع لتفاوت العقول ولا لتقلب الأهواء، بل هو الميزان الذي يضبط الأفهام عند اختلافها، ويردُّ الناس إلى الحق إذا تنازعوا.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

ومن هنا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه درء تعارض العقل والنقل ؛ أن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح، وإنما يقع التعارض في أحد أمرين:

إما عقل غير صريح شابه الوهم أو الهوى أو القصور، وإما نقل غير صحيح لم يثبت عن الله ورسوله.

 

فإذا صح النقل، وسلم العقل، وقع بينهما التوافق والانسجام؛ لأن مصدرهما واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.

ولهذا كان العقل ضابطًا للفرد، والشرع ضابطًا للأمة.

فالعقل يهدي صاحبه إلى النظر والاستدلال، والشرع يهدي الجميع إلى الحق الذي لا يتغير بتغير الأشخاص والأزمان.

والسبب في ذلك أن الذي شرع الشرائع هو الله عز وجل، وهو الذي خلق الإنسان، ويعلم حقيقة نفسه، وما يصلحه وما يفسده، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.  فكما أن الصانع أعلم بصنعته، فإن الخالق سبحانه أعلم بخلقه، ولذلك كانت شريعته أكمل الشرائع، وأعدلها، وأقومها، وأهدى سبيلًا.

ولما كانت العقول متفاوتة، منها السليم ومنها السقيم، ومنها الراشد ومنها المنحرف، وكان الفهم يختلف باختلاف المدارك، جعل الله تعالى المرجعية النهائية للشرع الصحيح، ليكون الميزان الذي تُوزن به الأقوال، والمقياس الذي تُعرض عليه الآراء، والضابط الذي يحفظ المجتمعات من الفوضى الفكرية، ومن سلطان الأهواء، ومن اضطراب الأحكام.

 

فكل عقل سليم يزداد نورًا بالوحي، وكل شرع صحيح يشهد له العقل الصريح، ولذلك لا تعارض بينهما، بل هما متكاملان؛ 

فالعقل يدرك، والشرع يهدي،

والعقل يبصر الطريق، والشرع يبين الغاية،

وإذا اجتمعا على وجههما الصحيح استقامت حياة الإنسان، وصلحت أحوال الفرد والمجتمع.

مشاركة: