تحميل موقع شغف

الشرع والعقل (5) هل قدَّم الإسلام النقل على العقل؟ أم أن السؤال يحتاج إلى تصحيح؟

الشرع والعقل (5) هل قدَّم الإسلام النقل على العقل؟ أم أن السؤال يحتاج إلى تصحيح؟

 بعد أن وقفنا في المقال السابق عند السؤال عن إمكان التعارض بين العقل والوحي، وبيّنا أن التعارض الحقيقي بين العقل الصريح والنقل الصحيح غير واقع، يبقى سؤال آخر أكثر دقة: إذا كان الأمر كذلك، فهل قدَّم الإسلام النقل على العقل؟ وهل نحن أمام طرفين متقابلين: عقلٍ يريد أن يفكر، ونقلٍ يريد أن يفرض عليه ما يفكر فيه؟ أم أن السؤال نفسه يحتاج إلى تصحيح؟ إن التأمل في القرآن والسنة، والنظر في كلام أئمة الإسلام، يكشف أن الإسلام لم يضع العقل في مواجهة الوحي أصلًا، حتى نقول: أيهما نُقدِّم؟ فالوحي يهدي العقل، والعقل يفهم الوحي، ولكل واحد منهما مجاله ووظيفته. القرآن لا يعادي العقل يكفي أن نتأمل كثرة الآيات التي تخاطب العقل، وتدعو إلى النظر والتدبر والتفكر والاعتبار. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. فكيف يكون الإسلام ضد العقل، وهو يخاطبه، ويوقظه، ويطالبه بالنظر في الكون والنفس والتاريخ، ويجعل إعماله طريقًا إلى اكتشاف الحق؟ بل إن القرآن حين ذم الكافرين، لم يذمهم لأنهم استخدموا عقولهم، وإنما ذم تعطيلهم لها. قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179]. فالمشكلة إذن ليست في وجود العقل، وإنما في تعطيله أو فساده أو استبداله بالهوى. لكن هل جعل الإسلام العقل حاكمًا على الوحي؟ هنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: العقل أداةٌ لفهم الوحي، وليس سلطةً فوق الوحي. وهذا التفريق بالغ الأهمية. فالعقل يعرف صدق الرسول، ويفهم دلالة النص، ويميز بين الصحيح والباطل، ويستنبط الأحكام، وينظر في علل الأشياء ومآلاتها. لكنه لا يستطيع أن يستقل بإدراك كل ما يتعلق بالغيب. فما يتعلق بذات الله وصفاته، وعالم الغيب، وتفاصيل اليوم الآخر، وأحكام العبادات، وغيرها من الأمور التي لا سبيل للعقل إلى معرفتها استقلالًا، جاءت الشريعة فيها بالخبر الصادق. وهنا تظهر وظيفة الوحي: أن يخبر العقل بما لا يستطيع الوصول إليه بنفسه. وهذا ليس إلغاءً للعقل، بل هو عين العقل. فالإنسان لا يُلام لأنه لا يرى ما وراء الجدار؛ لأن حاسة البصر ليست وسيلة لمعرفة ما وراءه. وكذلك العقل له مجال يعمل فيه، وله أمور لا يستقل بمعرفتها. السنة تؤكد هذا المنهج ولذلك قال النبي ﷺ: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وقال ﷺ: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ فالهداية ليست في إطلاق العقل من كل قيد، كما أنها ليست في إلغاء العقل، وإنما في هدايته بالوحي. ومن هنا نفهم لماذا كان علماء الإسلام يفرقون بين العقل الصريح والرأي المجرد. فالعقل يبحث عن الحقيقة، أما الرأي فقد يبحث عما يوافق صاحبه. والعقل يقبل الدليل، أما الهوى فيبحث عن دليل يؤيد ما اختاره مسبقًا. وهنا تأتي شهادة أئمة الإسلام لم تكن هذه الفكرة وليدة عصرنا، بل هي أصل قرره أئمة الإسلام عبر القرون. فالإمام أبو حنيفة رحمه الله، في الفقه الأكبر : قرر أصل الوقوف عند النص في مسائل الاعتقاد، وعدم جعل الرأي والهوى مصدرًا لمعرفة صفات الله. والإمام مالك رحمه الله : حين سئل عن الاستواء قال كلمته المشهورة: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فأثبت ما أثبته النص، ومنع العقل من التطلع إلى ما لا سبيل له إلى معرفته. أما الإمام الشافعي رحمه الله: فقد أقام منهجه على الاحتكام إلى الكتاب والسنة، وجعل القياس الصحيح تابعًا للأصول الشرعية، لا بديلًا عنها. وكان يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت. وهذه ليست دعوة إلى إلغاء العقل، وإنما إلى وضعه في موضعه الصحيح: يفهم ويستنبط، لكنه لا يجعل رأيه الشخصي مقدمًا على نص ثابت. وجاء الإمام أحمد رحمه الله: في زمن اشتدت فيه فتنة الكلام، فكان من أشد الناس تمسكًا بالنصوص، ومنع من تقديم الأهواء والآراء عليها. ثم جاء أبو حامد الغزالي رحمه الله : وهو من أبرز من ناقش الفلاسفة والمتكلمين، فقرر في كتبه أن العقل الصحيح لا يتناقض مع الشرع الصحيح، وأن الإشكال إنما يقع حين يفسد النظر أو يُساء فهم النص. ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فجعل لهذه المسألة كتابه العظيم: درء تعارض العقل والنقل وكان أصل الكتاب قائمًا على قاعدة جليلة: صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. وهذه ليست دعوة إلى إلغاء العقل، بل إلى تحريره من الوهم، وتحرير النص من الفهم الفاسد. ثم جاء ابن القيم رحمه الله : فقرر المعنى نفسه، وأطال في بيان أن التعارض إنما يقع بين عقل فاسد ونقل غير ثابت، أو بين فهم غير صحيح ونص صحيح. إذن: ماذا قدَّم الإسلام؟ إن السؤال: هل قدم الإسلام النقل على العقل؟ يحتاج إلى إعادة صياغة. فإن كان المقصود: هل قدّم الإسلام الوحي على الرأي البشري إذا تعارضا؟ فالجواب: نعم. وهذا أمر بديهي؛ لأن الوحي خبر الله، والرأي اجتهاد الإنسان. أما إذا كان المقصود: هل ألغى الإسلام العقل، أو منعه من التفكير، أو جعله تابعًا بلا فهم ولا نظر؟ فالجواب: لا. بل الإسلام هو الذي حرر العقل من الخرافة، ومن التقليد الأعمى، ومن سلطان الهوى، ومن عبادة البشر والأفكار. قال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. وقال سبحانه: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: 68]. فالإسلام يطلب البرهان، ولكنه لا يجعل البرهان العقلي المنفصل عن الوحي حاكمًا على كلام الله. وهنا يكمن التوازن الدقيق: العقل لا يستغني عن الوحي، والوحي لا يلغي العقل. الوحي يجيب عن الأسئلة التي يعجز العقل عن الوصول إلى حقيقتها استقلالًا، والعقل يفهم الوحي، وينزل أحكامه على الواقع، ويستنبط منه، ويدافع عن الحق بالحجة والبرهان. ليست القضية: عقل أم نقل ولهذا فإن كثيرًا من الجدل الذي دار في تاريخ الفكر الإسلامي، ثم انتقل إلى الخطاب المعاصر، قام على تصوير العلاقة بين العقل والنقل كأنها معركة بين طرفين. وهذا التصوير غير دقيق. فالمعركة الحقيقية ليست بين العقل والوحي، وإنما بين: عقلٍ سليمٍ وعقلٍ فاسد، وفهمٍ صحيحٍ وفهمٍ سقيم، ودليلٍ وبرهان، وهوىً يريد أن يجعل من العقل شاهدًا على ما اختاره مسبقًا. ولهذا كان من الخطأ أن نقول: إما أن نختار العقل، وإما أن نختار الوحي. بل نقول: نختار العقل الذي يهتدي بالوحي، والوحي الذي يخاطب العقل. فإذا كان الوحي نورًا، فإن العقل عينٌ تبصر بهذا النور؛ وإذا كان العقل آلةً للنظر، فإن الوحي هو الذي يهديه إلى الطريق الذي لا يستطيع أن يهتدي إليه وحده. خلاصة المقال ليس الإسلام دينًا يخاف من العقل، ولا دينًا يقدس العقل إلى درجة تأليهه. إنه دين يجعل العقل نعمةً ووسيلةً، ويجعل الوحي هدايةً ومرجعًا. فإذا استقل العقل فيما لا مجال له فيه ضل، وإذا عُطّل العقل ضل صاحبه، وإذا أُعمل العقل في ظل الوحي استقام الطريق. ومن هنا لا يصح أن نسأل: أيهما نختار: العقل أم الوحي؟ بل السؤال الأصح: كيف يعمل العقل تحت هداية الوحي؟ وهنا تبدأ المسألة الأعمق التي سنقف معها في المقال القادم: إذا كان العقل نعمة، والوحي هداية، فما حدود العقل؟ وأين يجب أن يقف؟ وللحديث بقية…