بعد أن تبين في المقالات السابقة أن العقل نعمةٌ عظيمة، وأن اختلاف العقول سنةٌ فطرية، وأن للعقل حدودًا لا يجوز أن يتجاوزها، يبقى السؤال الذي شغل العقول قديمًا وحديثًا:
هل يمكن أن يتعارض العقل مع الوحي؟
والجواب الذي قرره القرآن الكريم، ودلت عليه السنة النبوية، وأجمع عليه أئمة أهل السنة والجماعة، أن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح؛ لأن مصدرهما واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.فالله هو الذي خلق العقل، وهو الذي أنزل الوحي، ولا يمكن أن يتناقض فعلُه مع قولِه، ولا خلقُه مع شرعِه.
بل إن القرآن نفسه يدعو إلى إعمال العقل والتدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، وقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].فالوحي لا يخشى العقل، بل يدعوه إلى النظر، ويهديه إلى سواء السبيل.
غير أن المقصود بالعقل هنا ليس كل ما يخطر في الذهن، ولا كل رأيٍ يطرحه صاحبه، وإنما العقل الصريح السليم من الشبهات والأهواء، كما أن المقصود بالنقل هو النقل الصحيح الثابت عن الله ورسوله ﷺ. فمتى اختل أحد هذين الوصفين، وقع الوهم، لا التعارض.
لكن من أين جاء هذا الوهم الذي يردده بعض الناس؟
إن التعارض الذي يُظن بين العقل والوحي لا يخرج غالبًا عن أربعة أسباب رئيسة.
السبب الأول: ضعف ثبوت النص.
فقد يُنسب إلى الإسلام حديثٌ لا يصح، أو روايةٌ لا تثبت، ثم يُقال: إن العقل يعارضها، بينما الحقيقة أن الوحي الصحيح لا يعارضه العقل، وإنما الذي عورض هو نقلٌ لم يثبت أصلًا.
ولهذا بذل علماء الحديث جهودًا عظيمة عبر القرون في تمييز الصحيح من الضعيف، حتى لا يُنسب إلى الشريعة ما ليس منها.
السبب الثاني: سوء فهم النص.
فكم من آيةٍ أو حديثٍ أسيء فهمهما بسبب الجهل بلغة العرب، أو إغفال سياق الكلام، أو حمل النص على غير مراده.
ولهذا كان العلماء يقولون: إن الخطأ قد يكون في الفهم، لا في النص.
السبب الثالث: فساد المقدمة العقلية.
فقد يبني الإنسان استدلاله على فرضيةٍ خاطئة، ثم إذا انتهى إلى نتيجة تخالف الوحي، ظن أن المشكلة في النص، مع أن الخلل بدأ منذ المقدمة.
ولهذا فإن المنطق الصحيح لا يكتفي بصحة النتيجة، بل يبدأ أولًا بصحة المقدمات.
وكثيرٌ من دعاوى التعارض إنما تنشأ من مقابلة دليلٍ شرعي قطعي، باجتهادٍ عقلي ظني، ثم يُتوهم أن العقل قد عارض الوحي، مع أن الظني لا يعارض القطعي في ميزان الاستدلال، وإنما يُراجع الظن حتى يوافق اليقين.
أما السبب الرابع: الهوى.
وهذا أخطر الأسباب جميعًا.
فالإنسان قد يعرف الحق، لكنه يرده لأنه لا يوافق رغبته، أو مصلحته، أو بيئته، أو الفكرة التي نشأ عليها.
ولهذا ذم القرآن اتباع الهوى في مواضع كثيرة؛ لأن الهوى لا يفسد الإرادة فحسب، بل يفسد طريقة التفكير نفسها، حتى يرى الإنسان الباطل حقًا، والحق باطلًا.
ومن تأمل تاريخ الأمم وجد أن أكثر الانحرافات الكبرى لم تبدأ من ضعف الذكاء، وإنما بدأت من تقديم الهوى على الدليل.
ولهذا كان العلماء يفرقون بين العقل والرأي.
فليس كل رأي عقلًا، وليس كل اعتراض دليلًا، وليس كل جديد حقًا.
إن العقل الصحيح يبحث عن الحقيقة، أما الرأي المجرد فقد يبحث عما يؤيد صاحبه.
ونرى ذلك اليوم في بعض القضايا الفكرية المعاصرة، حيث تُقدَّم الفرضيات الفلسفية أو النظريات الإنسانية المتغيرة على النصوص الشرعية القطعية، فإذا وقع التعارض بينهما، قيل: إن الدين يخالف العقل، مع أن الذي يتغير هو النظرية البشرية، أما الوحي فثابت لا يتبدل.
ولهذا كان الوحي هو الميزان الذي يصحح مسار العقل كلما أخطأ، كما تصحح البوصلة اتجاه المسافر إذا انحرف عن الطريق.
ومن هنا نفهم سر القاعدة التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حين سمّى كتابه العظيم: «درء تعارض العقل والنقل»، ولم يسمه: «وجود تعارض العقل والنقل»؛ لأن التعارض الحقيقي غير واقع، وإنما الذي يقع هو توهم التعارض.
وقد لخّص رحمه الله هذه الحقيقة بقوله: «كل ما عارض النقل الصحيح فليس بعقلٍ صريح».
فإذا صح النقل، وصح الفهم، وسلم العقل من المقدمات الفاسدة، وتحرر من سلطان الهوى، ظهر الانسجام الكامل بين نور الوحي ونور العقل؛ لأنهما يخرجان من مشكاةٍ واحدة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل يعارض العقل الوحي؟
بل السؤال هو:
هل سلم العقل من الوهم والهوى حتى يكون حكمه صحيحًا؟
فإذا اجتمع عقلٌ سليم، ووحيٌ صحيح، وقلبٌ منصف، انكشفت الحقيقة كما تنكشف الشمس إذا زال عنها السحاب. فالوحي لا يُطفئ نور العقل، وإنما يهديه، والعقل لا يستغني عن الوحي، وإنما يكتمل به، وبهذا تتحقق للإنسان بصيرته، ويهتدي إلى الحق في الاعتقاد والفكر والسلوك.
وللحديث بقية…
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا