بعد أن تبين لنا أن اختلاف العقول لا يرجع إلى أصل العقل، وإنما إلى تفاوت الناس في العلم والمنهج والهوى، يبرز سؤالٌ آخر لا يقل أهمية:
هل يستطيع العقل أن يدرك كل شيء، أم أن له حدودًا يقف عندها؟
والجواب عن هذا السؤال هو مفتاح فهم العلاقة الصحيحة بين العقل والوحي.
من الأخطاء التي وقع فيها كثير من الناس أنهم جعلوا للعقل سلطانًا لا حدَّ له، حتى ظن بعضهم أن كل ما لا يُدرك بالعقل لا ينبغي الإيمان به، مع أن العقل نفسه يدل على أنه محدود، وأن لكل أداة مجالًا تعمل فيه.
فالإنسان لا يسمع بعينه، ولا يرى بأذنه، ولا يزن الأشياء بميزان الحرارة؛ لأن لكل وسيلة وظيفةً خُلقت لها.
وكذلك العقل؛ فقد خُلق للتفكر، والاستنباط، والقياس، واكتشاف السنن، وإدراك العلاقات بين الأشياء، لكنه لم يُخلق ليحيط بكل غيب، ولا ليعلم كل حكمة، ولا ليكون مستقلًا عن هداية الله.
ومن القواعد التي ينبغي تقريرها أن العقل لا يُذم لكونه محدودًا؛ فإن كل مخلوق محدود، وإنما يُذم إذا تجاوز حدوده، أو استغنى عما لا غنى له عنه.
فكما أن البصر لا يُلام لأنه لا يرى ما وراء الجدران، كذلك العقل لا يُلام لأنه لا يدرك الغيب إلا بخبر الصادق سبحانه.
ولهذا أخبرنا الله عن أمور لا سبيل للعقل إلى إدراكها استقلالًا، كأخبار الملائكة، والجن، والروح، والبرزخ، وأحوال يوم القيامة، والجنة، والنار.
وليس الإيمان بهذه الغيبيات تعطيلًا للعقل، بل هو عين العقل؛ لأن العقل السليم يعلم حدوده، ويدرك أن الخبر إذا جاء من الله العليم الحكيم، كان قبوله أكمل من ردِّه.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فهاتان الآيتان ليستا تقليلًا من شأن العقل، وإنما تذكيرٌ بحدوده، وأن ما يعلمه الإنسان إنما هو جزء يسير مما أذن الله له بمعرفته.
فالعقل السليم يدرك وجود الخالق، وأن له الكمال المطلق الذي يليق بجلاله، لكنه لا يعرف تفاصيل أسمائه وصفاته، ولا شرائعه، ولا ما يحبه ويرضاه، إلا بالوحي.
ويدرك أن للكون نظامًا محكمًا، لكنه لا يعلم الغاية من الخلق إلا إذا أخبره الخالق. ويدرك أن الإنسان يحتاج إلى العدل، لكنه يعجز عن وضع ميزان عدلٍ معصومٍ من المصالح والأهواء، فجاء الشرع ليقيم ذلك الميزان.
ولهذا كان الوحي مكمِّلًا للعقل، لا منافسًا له.
ولو تأملنا تاريخ الحضارات لوجدنا أن أعظم الانحرافات لم تنشأ من ضعف التفكير، وإنما من تجاوز العقل لحدوده، حين أراد أن يحكم فيما لا سبيل له إلى إدراكه، أو حين جعل نفسه فوق الوحي.
والوحي بالنسبة إلى العقل كنور الشمس بالنسبة إلى العين؛ فالعين مهما كانت سليمة لا تُبصر في الظلام، فإذا أشرق النور انكشفت لها الأشياء على حقيقتها. وكذلك العقل؛ قد يكون قويًا في ذاته، لكنه لا يهتدي إلى الغيب، ولا يعرف مراد الله، إلا إذا استضاء بنور الوحي.
ومن هنا كان الإسلام دينًا يجمع بين نور العقل ونور الوحي، فلا يُلغي أحدهما الآخر، بل يجعل كلًّا منهما يؤدي وظيفته التي خلقه الله لها.
فالعقل يفهم، ويتدبر، ويستنبط، ويستدل، والوحي يهديه، ويصحح مساره، ويكشف له ما لا سبيل إليه بعقله وحده.
إن العقل من أعظم نعم الله على الإنسان، لكنه ليس مصدرًا لكل معرفة، كما أن الوحي ليس بديلًا عن العقل، بل هادٍ له ومكمِّل لوظيفته.
فإذا عرف العقل مجاله، واستضاء بنور الوحي، اجتمع للإنسان نور الفطرة، ونور العقل، ونور الرسالة، وذلك هو طريق الهداية الذي ارتضاه الله لعباده.
العقل نعمةٌ عظيمة، لكنه محدود بحدود فطرته ووظيفته، فلا يُدرك الغيب استقلالًا، ولا يستغني عن هداية الوحي. وليس كمال العقل في تجاوز حدوده، بل في معرفتها، والعمل في نطاقها.
فإذا استضاء العقل بنور الوحي اكتمل هداه، واجتمع له نور الفطرة والعقل والرسالة، فكان أقرب إلى الحق وأبعد عن الضلال.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا