لم أدخل عالم كأس العالم لكرة القدم حقًا إلا في شتاء الدوحة عام 2022، رغم أنني كنت أتابعه منذ طفولتي، وأحفظ مواعيده كما يحفظ الأطفال مواسم الأعياد. كنت أعرفه من شاشة التلفزيون، وأظنه مجرد مباريات تتعاقب، وجماهير تصرخ، وكأس تتنقل بين المنتخبات كل أربعة أعوام. لكنني، حين وجدت نفسي أمشي بين آلاف المشجعين القادمين من جهات الأرض كلها إلى قطر، أدركت أنني لم أكن أعرف المونديال، بل كنت أعرف ظله فقط. هناك، في شوارع الدوحة التي امتلأت بلغات لا تنتهي، وفي محطات المترو التي كانت تبدو كأنها تعبر قارات لا أحياء مدينة واحدة، وفي الوجوه التي اجتمعت رغم اختلاف الألوان والديانات والخرائط، اكتشفت أن كرة القدم ليست سوى الذريعة الأكثر نجاحًا لكي يلتقي العالم بنفسه. لم تكن الكرة هي الحدث، بل البشر الذين جاءوا يحيطون بها، وكل واحد منهم يحمل وطنًا كاملًا في صوته، وذاكرة كاملة في علم يرفرف فوق كتفيه. بعدها، لم أعد أتابع كأس العالم بوصفه بطولة رياضية، بل بوصفه نصًا كونيًا مفتوحًا، تُكتب فصوله بالأقدام أحيانًا، لكن حواشيه تُكتب بالسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والهجرة، والهوية، والذاكرة. ومن هنا بدأت رحلتي في قراءة الحدث، لا باعتباره سباقًا إلى الكأس وحسب، بل باعتباره أيضًا المرآة التي يمر العالم أمامها كل أربعة أعوام ليرى صورته، أو ليتأكد من الصورة التي يريد الآخرون أن يروها. كأس العالم… أكثر من بطولة رياضية وكأس العالم لكرة القدم، أو ما يحب الناس أن يسموه في مختلف اللغات بـ«المونديال»، لا يحتاج إلى تعريف، ولا إلى تذكير بأنه الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة على الكوكب. فالملايين يعرفون مواعيده أكثر مما يعرفون مواعيد المؤتمرات الدولية، ويحفظون أسماء اللاعبين أكثر مما يحفظون أسماء رؤساء الحكومات. ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفتني في هذه البطولة لا يحدث داخل منطقة الجزاء، وإنما خارج المستطيل الأخضر، حيث تتحول الكرة إلى ذريعة كبرى لكي يعرض العالم نفسه على العالم، ولكي تكشف الدول عن صورتها كما تريد أن تُرى، أو كما تعجز عن إخفائها. كل نسخة من كأس العالم تشبه معرضًا ضخمًا للأمم. صحيح أن اللاعبين هم الذين يركضون، لكن خلف كل لاعب اقتصادًا كاملًا، وسياسة كاملة، وتاريخًا طويلًا، وصورة وطنية يجري الاعتناء بها سنوات قبل صافرة البداية. ولذلك لا تبدو البطولة مجرد منافسة على كأس ذهبية، وإنما امتحانًا عالميًا مفتوحًا، تدخل إليه الدول وهي تحمل ملفاتها كلها، من المطارات إلى الملاعب، ومن الإعلام إلى الثقافة، ومن قدرتها على التنظيم إلى قدرتها على صناعة الانطباع.
كرة القدم… بوابة إلى السياسة والاقتصاد والثقافة
يصعب النظر إلى المونديال باعتباره شأنًا رياضيًا خالصًا. فالكرة هنا تصبح اللغة المشتركة التي تسمح للعالم بأن يتحدث عن كل شيء آخر. فالحديث عن الأهداف يتحول سريعًا إلى حديث عن الاقتصاد، وعن الجماهير إلى حديث عن الهجرة، وعن قمصان المنتخبات إلى حديث عن الهوية الوطنية، وعن المدن المستضيفة إلى حديث عن التخطيط العمراني، وعن الشركات الراعية إلى حديث عن القوة المالية، وعن النقل الذكي إلى حديث عن التكنولوجيا، وعن الاحتفالات إلى حديث عن الثقافة المحلية. إنها نسخة مصغرة من العالم كله، مضغوطة في شهر واحد. حفل الافتتاح… خطاب سياسي بلغة الفن يكفي أن نراقب افتتاح البطولة حتى نعرف كيف ترى الدولة المضيفة نفسها، أو كيف تريد للآخرين أن يتخيلوها. فحفل الافتتاح ليس عرضًا فنيًا بريئًا، وإنما خطاب سياسي وثقافي مكتوب بعناية. فالموسيقى المختارة، والرقصات الشعبية، والرموز البصرية، والرسائل الإنسانية، وحتى ترتيب المشاهد، كلها تقول شيئًا عن هوية البلد وعن الرواية التي يريد تصديرها إلى الخارج. ومن هنا يصبح تنظيم كأس العالم حلمًا سياسيًا بقدر ما هو حلم رياضي. فالدولة التي تستضيف البطولة لا تبحث عن الأرباح المباشرة وحدها، وإنما تستثمر في السمعة، والمكانة، وإعادة تعريف نفسها أمام الرأي العام العالمي. وقد تنجح في ذلك نجاحًا باهرًا، وقد تكتشف أن العالم لا يقرأ الروايات الرسمية بالطريقة نفسها التي كتبت بها. موسم ذهبي لصناعة السرديات لهذا كانت بعض بطولات كأس العالم محاطة بأسئلة أكثر من إحاطتها بالمباريات. فقبل انطلاق المنافسات تبدأ النقاشات حول أوضاع العمال، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، والبيئة، وكلفة المنشآت، والهجرة، والإنفاق، ثم تمتد هذه الأسئلة طوال البطولة، وكأن الكرة تستدعي معها ملفات كانت مؤجلة.
هنا تحديدًا تتجلى المفارقة الجميلة. البطولة التي جاءت للترفيه تتحول إلى منصة للنقاش السياسي والحقوقي والثقافي، ويجد العالم نفسه يناقش قضايا شديدة الحساسية بينما يتابع مباراة في كرة القدم. والإعلام يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. فالمونديال موسم ذهبي لصناعة السرديات. كل وسيلة إعلام تحاول أن تروي البطولة من زاويتها الخاصة. صحيفة أوروبية قد ترى قصة النجاح في منتخب صغير كسر احتكار الكبار، بينما قناة أخرى تجعل القضية الأساسية هي الاقتصاد الرياضي، وثالثة تركز على الرسائل السياسية، ورابعة تبحث عن القصص الإنسانية بين الجماهير. حتى الصورة الواحدة يمكن أن تحمل عشرات القراءات. فمشجع يبكي قد يكون عند أحدهم رمزًا للوفاء، وعند آخر رمزًا للهزيمة، وعند ثالث مادة ساخرة تحصد ملايين المشاهدات. عصر الإعلام الرقمي ولأن الصورة أصبحت أقوى من المقال أحيانًا، فإن وسائل التواصل الاجتماعي دخلت هي الأخرى بوصفها لاعبًا أساسيًا في البطولة. لم يعد الجمهور ينتظر نشرات الأخبار، وإنما يصنع أخباره بنفسه. لقطة واحدة من المدرجات قد تتجاوز في انتشارها أجمل أهداف البطولة، وتصريح عابر قد يتحول إلى قضية عالمية خلال دقائق. وهكذا أصبح المونديال مختبرًا هائلًا لدراسة الإعلام الرقمي، وسرعة تداول المعلومات، وكيف تُصنع السمعة، وكيف تنهار أحيانًا بسبب مقطع قصير التقطه هاتف محمول. العنصرية… حين تكشف الملاعب ما تخفيه المجتمعات ثم تأتي قضية العنصرية، وهي واحدة من أكثر القضايا التي تفضح التناقضات الحديثة. كرة القدم تعلن منذ سنوات أنها ضد التمييز، وترفع الشعارات نفسها في كل بطولة، وتخصص الحملات التوعوية، ومع ذلك تتكرر الإساءات العنصرية كلما أخفق لاعب أسود في تنفيذ ركلة جزاء، أو برز لاعب مهاجر على حساب لاعب محلي، أو صعد منتخب من خارج المركز الأوروبي التقليدي. وكأن الملاعب تكشف ما تحاول المجتمعات إخفاءه.
وفي المقابل، تقدم البطولة أيضًا صورًا مضيئة تستحق التأمل، حيث يجلس مشجعون من دول متخاصمة جنبًا إلى جنب، ويرفع أطفال أعلامًا لا يعرفون تاريخ خلافاتها، ويتبادل لاعبو المنتخبات القمصان بعد مباريات شرسة، وتتحول المدرجات إلى فسيفساء بشرية يصعب معها التمييز بين اللغات والألوان.
الهجرة وإعادة تعريف الهوية
أما الهجرة، فهي حاضرة في كل نسخة من البطولة، حتى عندما لا يتحدث عنها أحد. كم لاعبًا يمثل منتخبًا لا يحمل ملامح أجداده وحدها؟ وكم نجمًا وُلد في بلد، وترعرع في بلد آخر، واختار تمثيل وطن ثالث؟ وكم منتخبًا صار مرآة للتنوع السكاني الذي صنعته عقود من الهجرة؟ هذه الأسئلة تجعل كرة القدم سجلًا اجتماعيًا بالغ الأهمية، فالمنتخبات الوطنية لم تعد تعكس مفهومًا جامدًا للهوية، وإنما تقدم تعريفًا أكثر اتساعًا، تتجاور فيه الأصول المختلفة تحت علم واحد. الاستعمار والقوة الناعمة ومن بين أكثر الموضوعات التي تتسلل إلى المونديال بهدوء، موضوع الاستعمار القديم. قد يبدو الأمر بعيدًا عن كرة القدم، لكنه حاضر في تفاصيل كثيرة، من اللغة إلى أسماء المدن، وخلفيات الجماهير، والعلاقات بين بعض المنتخبات. ثم تظهر القوة الناعمة بكل وضوح، إذ لم تعد الدول تحتاج إلى إرسال الجيوش لكي تؤثر في الآخرين، بل يكفي أن تنظم بطولة ناجحة، أو تنتج فيلمًا مؤثرًا، أو تبني دوريًا رياضيًا يجذب النجوم، حتى تعيد تشكيل صورتها الدولية.
التكنولوجيا… البطل الصامت
ولعل التكنولوجيا هي البطل الصامت في النسخ الأخيرة من كأس العالم. فتقنية حكم الفيديو، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والكاميرات فائقة الدقة، والإحصاءات الفورية، والتذاكر الرقمية، وأنظمة النقل الذكية، كلها جعلت البطولة أقرب إلى مختبر تقني مفتوح. حتى اللاعب نفسه صار مشروعًا رقميًا؛ فعدد خطواته، وسرعته، ونسبة نجاح تمريراته، وزوايا تسديده، ومعدل إرهاقه، كلها تتحول إلى بيانات تُقرأ وتُحلل وتُستثمر. الهوية الوطنية… السؤال الدائم ثم تأتي الهوية الوطنية، وهي أكثر القضايا حضورًا وإثارة. فالعلم، والنشيد الوطني، والدموع التي تسبق انطلاق المباراة، كلها طقوس تؤكد أن كرة القدم ما زالت واحدة من أقوى وسائل التعبير عن الانتماء. لكن الهوية ليست شيئًا جامدًا، بل تتغير باستمرار، وتتأثر بالهجرة، والاقتصاد، والثقافة، والأجيال الجديدة. ولذلك أصبح المنتخب الوطني مساحة يتفاوض فيها المجتمع مع نفسه حول تعريف الوطن، ومن يحق له تمثيله، وما الذي يجمع أبناءه. المونديال…
كتاب مفتوح عن البشرية
لهذا كله أتابع كأس العالم بوصفه نصًا مفتوحًا أكثر من كونه بطولة رياضية. أقرأ المباريات كما أقرأ الكتب، وأتأمل الجماهير كما أتأمل المدن، وأراقب حركة الكاميرات بقدر مراقبتي لحركة الكرة. أعرف أن النتيجة ستدخل الأرشيف بعد سنوات، أما ما يكشفه المونديال عن المجتمعات والدول فسيظل مادة للتأمل طويلًا. فالكرة، على بساطتها، تملك قدرة استثنائية على جمع التناقضات في ملعب واحد؛ تجمع الثروة والفقر، والذاكرة والنسيان، والانتصار والهزيمة، والمهاجر وابن الأرض، والمستعمِر القديم والمستعمَر السابق، والسياسي الذي يبحث عن صورة، والطفل الذي يبحث عن بطل يقلده في الحي. وحين تنتهي المباراة الأخيرة، ويغادر الجمهور، وتُطفأ أنوار الملاعب، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا خارج جدول النتائج: ماذا كشف هذا المونديال عن العالم الذي نعيش فيه؟ في كل مرة أجد أن الإجابة أوسع بكثير من عدد الأهداف، وأبقى على يقين بأن كأس العالم ليس بطولة تجمع أفضل لاعبي الكرة فحسب، وإنما مرآة نادرة يرى العالم فيها ملامحه وهو يظن أنه جاء لمشاهدة مباراة. وعندما تنطفئ الأضواء، وتغادر الجماهير مدرجاتها، وتعود الملاعب إلى صمتها، يبدو وكأن المونديال قد انتهى. لكنه، في الحقيقة، يبدأ عند تلك اللحظة. تبدأ الأسئلة التي لا تظهر على لوحة النتائج، ولا تُقاس بعدد الأهداف، ولا تحفظها سجلات الاتحاد الدولي. ماذا قالت هذه البطولة عن شكل العالم اليوم؟ وكيف أعادت تعريف الوطن، والهوية، والاختلاف، والقوة، والذاكرة؟ ولماذا تستطيع كرة صغيرة أن تستدعي كل هذه القضايا إلى مساحة لا تتجاوز مستطيلًا أخضر؟ ربما لهذا السبب لم يعد كأس العالم، بالنسبة إليّ، بطولة أترقب نتائجها، بل كتابًا أعود إليه كل أربعة أعوام لأقرأ فصلًا جديدًا من سيرة البشرية. فالكرة لا تجمع اثنين وعشرين لاعبًا فحسب، وإنما تجمع قرونًا من التاريخ، وخرائط من السياسة، وأحلامًا شخصية، وهزائم جماعية، وصورًا لا تستطيع المؤتمرات الدولية أن تصنعها مهما بلغت بلاغة بياناتها. وفي كل مرة يغادر فيها البطل حاملًا الكأس، أشعر أن الفائز الحقيقي ليس منتخبًا بعينه، بل ذلك العالم الذي كشف، ولو لأيام قليلة، وجهه الحقيقي، قبل أن يعود الجميع إلى حياتهم، تاركين وراءهم سؤالًا مفتوحًا لا جواب نهائيًا له: هل كنا نشاهد مباراة كرة قدم، أم كنا نشاهد العالم وهو يروي سيرته الذاتية؟
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا