تحميل موقع شغف

الخوارزمية تكتب ذائقتنا... كيف صارت المنصات سلة ثقافية تعيد تشكيل ما نقرأ ونفكر فيه؟

الخوارزمية تكتب ذائقتنا...  كيف صارت المنصات سلة ثقافية تعيد تشكيل ما نقرأ ونفكر فيه؟

لم تعد السلطة الثقافية تقيم في الجامعات وحدها، ولا في دور النشر، ولا في الصحف، ولا حتى في أيدي النقاد الذين ظلوا لعقود طويلة يملكون قدرة ترشيح الأعمال وتوجيه النقاش العام. فقد برز لاعب جديد لا يحمل اسماً بشرياً، ولا سيرة فكرية، ولا موقفاً أخلاقياً، ومع ذلك يمارس تأثيراً يومياً يفوق تأثير كثير من المؤسسات الثقافية مجتمعة. إنها الخوارزمية، ذلك النظام الرياضي الذي وُلد ليقترح علينا ما يناسب اهتماماتنا، ثم تمدد بهدوء حتى أصبح يشارك في صياغة أذواقنا، ويعيد ترتيب أولوياتنا، ويقود خطواتنا داخل الفضاء الرقمي من غير أن ننتبه إلى حجم حضوره.

والأخطر أن هذه السلطة لا تتحدث إلينا بصيغة الأمر، ولا ترفع شعارات، ولا تعلن عن نفسها بوصفها مرجعاً ثقافياً. إنها تهمس باقتراح صغير: “قد يعجبك هذا”. ثم تكرر الهمس آلاف المرات، حتى يتحول الاقتراح إلى عادة، والعادة إلى ذائقة، والذائقة إلى قناعة يظن صاحبها أنها وُلدت من داخله.

 

من الاقتراح إلى صناعة الاختيار

كان الإنسان يذهب قديماً إلى المكتبة فيتجول بين الرفوف، ويقلب الكتب، ويصادف عناوين لم يكن يبحث عنها أصلاً. وكانت المصادفة الثقافية جزءاً أصيلاً من تكوين الوعي. فقد يدخل طالب إلى مكتبة بحثاً عن كتاب في التاريخ، ثم يخرج بديوان شعر، أو برواية روسية، أو بكتاب في الفلسفة، لأن عينه وقعت على غلاف أثار فضوله.

أما اليوم فقد تقلصت مساحة المصادفة. فالمنصات لا تؤمن كثيراً بما قد يدهشك، وإنما تراهن على ما يضمن بقاءك أطول وقت ممكن داخلها. ولذلك تعطيك نسخة جديدة مما أعجبك بالأمس، ثم نسخة أكثر شبهاً، ثم نسخة تكاد تكون صورة طبق الأصل. وهكذا يتحول الفضول إلى دائرة مغلقة، ويصبح المستخدم أسيراً لاهتماماته السابقة، وكأن شخصيته اكتملت، ولم تعد قابلة للنمو.

وهنا يحدث تحول ثقافي بالغ الأهمية. فالخوارزمية لا تكتفي بقراءة ذائقتك، وإنما تعيد إنتاجها بصورة متواصلة. وهي تفعل ذلك بهدوء، وبكفاءة مذهلة، حتى يبدو الأمر طبيعياً تماماً.

 

الثقافة التي تقيسها مدة المشاهدة

منذ سنوات، كان نجاح كتاب يقاس بقيمته الفكرية، أو بجدة فكرته، أو بما يثيره من نقاش. أما المنصات الرقمية فقد أدخلت مقاييس أخرى، أهمها مدة المشاهدة، وعدد النقرات، وسرعة التفاعل، ونسبة الاحتفاظ بالمستخدم.

هذه المقاييس مفهومة من الناحية التجارية، لكنها تصبح مقلقة عندما تتحول إلى معيار ثقافي. فالمحتوى الذي يحتاج إلى التأمل غالباً لا ينافس المحتوى السريع. والكتاب الذي يطالب قارئه بالصبر يخسر أمام مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة. والفكرة المركبة تبدو أبطأ من العبارة الصادمة، والتحليل الهادئ أقل انتشاراً من الرأي الحاد.

وهكذا بدأت الخوارزمية تمنح الأفضلية لما يحقق حركة أكبر داخل المنصة، لا لما يضيف قيمة أكبر إلى العقل. ومع تكرار هذا النمط، صار كثير من صناع المحتوى يكتبون وفق ما تريده الخوارزمية، لا وفق ما يريدون قوله. وهنا تتغير الكتابة نفسها، وتتغير اللغة، ويتغير الإيقاع، وحتى طريقة التفكير.

 

عندما تتحول الشعبية إلى معيار للحقيقة

من أخطر التحولات التي صنعتها المنصات أنها خلطت بين الانتشار والقيمة. فالشيء الذي يشاهده الملايين يبدو تلقائياً أكثر أهمية، حتى لو كان فقيراً من الناحية الفكرية. والكاتب الذي يحصد أرقاماً ضخمة يصبح مرجعاً في قضايا لا يمتلك فيها معرفة حقيقية.

وقديماً كانت الشهرة نتيجة للمنجز في كثير من الأحيان. أما اليوم فقد أصبح المنجز نفسه ينتظر موافقة الخوارزمية حتى يصل إلى الناس.

وهذا التحول لا يظلم المبدعين وحدهم، وإنما يربك المتلقي أيضاً. فهو يجد نفسه محاطاً بما هو شائع، حتى يظن أن الشائع هو الأفضل، وأن كثرة التداول تعني جودة الفكرة.

ولذلك أصبحت كثير من الآراء تولد وتموت داخل المنصة نفسها. ترتفع بسرعة، ثم تختفي بسرعة، تاركة خلفها أثراً مؤقتاً، بينما تتراجع الأفكار التي تحتاج إلى زمن حتى تنضج.

 

الفقاعة التي نصنعها بأيدينا

يعتقد كثيرون أن الخوارزمية تفرض عليهم ما يشاهدونه، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً. فهي تتعلم من اختياراتهم أولاً، ثم تعيد تقديمها إليهم بصورة أكثر كثافة.

كل إعجاب، وكل تعليق، وكل ثانية إضافية نقضيها أمام شاشة، تتحول إلى معلومة جديدة داخل النظام. وبعد فترة قصيرة تبدأ المنصة في بناء نسخة رقمية عن كل مستخدم، تعرف ما يثير اهتمامه، وما يغضبه، وما يضحكه، وما يجعله يتوقف عن التصفح.

ومن هنا تتشكل ما يسمى بفقاعات الاهتمام. فالذي يقرأ رأياً معيناً، سيجد مزيداً من الآراء المشابهة. والذي يتابع توجهاً فكرياً بعينه، ستغيب عنه تدريجياً الاتجاهات الأخرى.

ومع مرور الوقت يظن أنه يرى العالم كما هو، بينما هو يرى نسخة منتقاة بعناية، صاغتها بياناته السابقة.

وهذا ما يجعل الحوار أكثر صعوبة. فكل مجموعة تعيش داخل فضائها الرقمي الخاص، وتقرأ الأخبار نفسها بطريقة مختلفة، وتتعرض لسيل من المحتوى يؤكد قناعاتها أكثر مما يختبرها.

 

الكاتب الذي يفاوض الخوارزمية

تغيرت علاقة الكاتب بالنص. فبعد أن كان يسأل نفسه: ماذا أريد أن أقول؟ أصبح مضطراً إلى سؤال آخر: كيف أجعل الخوارزمية تمنح هذا النص فرصة للحياة؟

صار العنوان يكتب بطريقة معينة، والجملة الأولى تخضع لاختبارات الجذب، وطول الفقرة محسوب، والصورة المختارة مدروسة، وحتى توقيت النشر أصبح جزءاً من صناعة النص.

ولا عيب في أن يهتم الكاتب بوصول عمله إلى القراء، فهذا حق مشروع. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخوارزمية إلى محرر خفي، يعيد تشكيل الأفكار قبل أن تخرج إلى العلن.

وهكذا قد يتخلى الكاتب عن فكرة عميقة لأنها لن تحقق انتشاراً واسعاً، وقد يختصر قضية معقدة في عبارة سهلة التداول، وقد يبالغ في الإثارة لأن المنصة تكافئ ما يلفت الانتباه سريعاً.

إنها مساومة يومية بين القيمة وإغراء الوصول.

 

القراءة التي فقدت بطأها الجميل

للقراءة العميقة إيقاعها الخاص. فهي تحتاج إلى التوقف، وإعادة الجملة، وتأمل الفكرة، وربطها بما سبقها. وهذا الإيقاع لا ينسجم كثيراً مع بيئة تقوم على الانتقال المستمر من مادة إلى أخرى.

ولهذا أصبح كثير من الناس يقرؤون بعين اعتادت السرعة. ينتقلون بين النصوص كما ينتقلون بين المقاطع، ويبحثون عن الخلاصة قبل التجربة، وعن النتيجة قبل الرحلة.

وقد انعكس ذلك حتى على الكتّاب، فأخذ بعضهم يكتب وهو يفكر في قارئ لا يملك سوى ثوانٍ قليلة.

والخسارة هنا لا تصيب الأدب وحده، وإنما تصيب القدرة على التفكير المركب. فالأفكار الكبيرة لا تولد في العجلة، والأسئلة العميقة تحتاج إلى مساحة من التأمل، وإلى استعداد لقبول التعقيد، وإلى صبر على المعرفة.

 

من يربي الذوق العام؟

كان الذوق العام يتشكل عبر مسارات متعددة؛ الأسرة، والمدرسة، والمسرح، والكتاب، والندوات، والصحف، والإذاعة، والتجارب الشخصية. أما اليوم فقد أصبحت المنصات تحتل مساحة واسعة من هذا الدور.

فالطفل يتعرف إلى الموسيقى عبر توصيات التطبيقات، والشاب يكتشف الكتب من خلال مقاطع قصيرة، والقارئ يحدد قائمته المقبلة بناء على ما تقترحه الشاشة، والمشاهد يعرف الأفلام التي “ينبغي” أن يشاهدها لأن المنصة قالت إنها مناسبة له.

ومع الوقت تصبح الخوارزمية بمثابة أمين مكتبة عالمي، وناقد فني، ومستشار ثقافي، ومنظم للذاكرة الجماعية، وكل ذلك من غير أن يعرف أحد على وجه الدقة المعايير التي تحكم قراراتها.

وهنا يبرز سؤال ثقافي بالغ الحساسية: هل يجوز أن تترك صناعة الذوق العام لأنظمة هدفها الأول زيادة زمن الاستخدام؟

 

سلطة بلا مسؤولية

كل سلطة في التاريخ ارتبطت بصورة من صور المساءلة، حتى وإن كانت محدودة. أما الخوارزمية فتتمتع بقدر كبير من النفوذ، مع قدر أقل من الشفافية.

فنحن نعرف أنها تقرر ترتيب المحتوى، ونعرف أنها ترجح مادة على أخرى، ونعرف أنها تؤثر في انتشار الأفكار، لكننا لا نعرف دائماً لماذا اتخذت هذا القرار، ولا كيف أعطت هذا المحتوى أولوية على غيره.

وهذا الغموض يمنحها قوة إضافية، لأن تأثيرها يصبح أشبه بالقانون الطبيعي، مع أنه في الحقيقة نتيجة لتصميم بشري، ولخيارات اقتصادية، ولمعادلات قابلة للتغيير.

ومن هنا فإن الحديث عن الخوارزمية ليس نقاشاً تقنياً، وإنما نقاش ثقافي وأخلاقي وسياسي أيضاً، لأنه يتعلق بحق المجتمعات في معرفة الآليات التي تشكل وعيها.

 

كيف نستعيد حريتنا الثقافية؟

لا أحد يدعو إلى إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهي قدمت للبشرية فرصاً معرفية هائلة، وفتحت أبواباً واسعة أمام التعلم، وأتاحت الوصول إلى مكتبات كاملة بضغطة واحدة، ومنحت أصواتاً كثيرة فرصة الظهور بعد أن ظلت مهمشة سنوات طويلة.

لكن العلاقة الصحية مع التكنولوجيا تبدأ عندما نتذكر أنها وسيلة، وليست مرجعاً نهائياً للحقيقة.

ولهذا يصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار إلى القراءة الحرة التي لا تقودها الاقتراحات الجاهزة، وأن نزور المكتبات من جديد، وأن نقرأ كتباً لم ترشحها لنا المنصات، وأن نتابع كتّاباً لا يعرفهم نظام التوصيات، وأن نمنح أنفسنا فرصة الاختلاف مع ما نقرأ، لأن الاختلاف جزء من التربية الفكرية.

كما أن المؤسسات الثقافية مطالبة بأن تدرك طبيعة هذا التحول، وأن تبحث عن وسائل جديدة للوصول إلى الجمهور، من غير أن تتنازل عن معايير الجودة، أو تذوب بالكامل داخل منطق المنصات.

فالخوارزمية تجيد تنظيم البيانات، لكنها لا تعرف قيمة الدهشة، ولا تستطيع قياس أثر كتاب يغير حياة قارئ بعد عشر سنوات، ولا تدرك معنى أن يرافق بيت شعر صاحبه طوال العمر، ولا أن فكرة واحدة قد تفتح باباً لتغيير كامل في طريقة النظر إلى الحياة.

ولهذا ستظل الثقافة أوسع من أي معادلة رقمية، ما دام هناك قارئ يختار أن يخرج من الطريق المرسوم له، وأن يغامر بقراءة كتاب لم تقترحه الشاشة، وأن يصغي إلى رأي لا يشبه رأيه، وأن يفتح نافذة جديدة على المعرفة.

الخوارزمية ليست عدواً، لكنها ليست حكماً محايداً أيضاً. إنها قوة مؤثرة، وكل قوة تحتاج إلى وعي يحد من تغولها. أما الحرية الثقافية فلا تبدأ من رفض التقنية، وإنما تبدأ من رفض الاستسلام لها، ومن الدفاع عن حق العقل في أن يختار طريقه بنفسه، وحق الذائقة في أن تنمو عبر التجربة، وحق الفكر في أن يخطئ، ويصحح، ويكتشف، ويبدل مساراته من غير أن تقوده معادلة خفية تعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه.