يدهشنا فنان التصوير الضوئي فرج شماس ليس فقط بصوره المشغولة باحترافية عالية ودأب السنين الطويلة لدرجة تبدو معها الصور كأنها أيقونات مرسومة بمنمنمات الروح، إنما بفكر إنساني رقيق مكنوز خلفها أيضاً، يتجلى من خلال آرائه التي خصّنا بها في حوار لموقع "شغف".
الأستاذ فرج؛ بالإضافة إلى لباقته وطريقته الهادئة في الحديث، هو شخص دقيقٌ وحريص جداً على تفاصيل أعماله وموضوعاته ليظهرها للمتلقين بأقرب شكل إلى الكمال، وهذا ما تؤكده تجربته الطويلة و"المعتّقة" منذ عام ١٩٨٥ فهو عضو في نادي فن التصوير الضوئي في سوريا، والاتحاد الدولي لفن التصوير (FIAP)، ومجلس إدارة جمعية المصورين بدمشق. أقام تسعة معارض فردية، معرضان منها في فرنسا، وشارك في معارض دولية في الصين، إسبانيا، سويسرا، إيطاليا، ألمانيا، الهند، سنغافورة، وماليزيا، واستحق عليها العديد من شهادات التقدير.
ذاكرةٌ تُقرأ بالضوء والألوان!
الانطباع الأول عند مشاهدتي لصورك هو أنها: صورٌ تتنفس! حتى لو كان موضوع الصورة هو منظر طبيعي أو تشكيلات صخرية... ومن المعروف أنكك كرست زمناً طويلاً لتصوير معلولا بأهلها وأماكنها المقدسة وأشجارها وصخورها... لماذا معلولا؟ ولماذا هذه السنين كلها، ألم يصبح الموضوع مبعثاً للملل أو الاعتياد.. ألم تستنفد ما تريد إيصاله لنا عبرها؟!
إنّ موضوع التّصوير لديّ يقوم على الالتزام بالحسّ التّقنيّ والنّفسيّ والرّوحيّ، وعلى الرّؤية البصريّة النّقيّة التي أستمدّها من مكوّنات المشهد في العمق الذي أطمح إليه، وفق مواصفات تشكيليّة وتعبيريّة رفيعة ترتقي بالصّورة إلى مصافّ اللّوحة الفنّيّة.
إنّها ليست مجرّد صورة ضوئيّة ألتقطها بسرعة وكفى، بل عمل يحمل دلالات فنّيّة تؤكّد قدرتي على التّشكيل والتّعبير والإبداع، بحضور الشّغف الحقيقي وموهبة قديمة تصقلها الخبرة، وتحملها المحبّة، ويسكنها هاجس الابتكار.
وكثيرًا ما أضطرّ إلى إنفاق ساعات طويلة لاقتناص لقطة معبّرة وناجحة. من هنا، كان لا بدّ من الخروج بعمل فنّيّ متميّز، جماليّاً وتعبيريّاً، يتطّلب جهداً خاصّاً، ومتابعة دؤوبة، وبحثاً دائماً ومفتوحاً، وعشقاً صادقاً للموضوع وأدوات تعبيره؛ ذلك لأنّ الصّورة الضّوئيّة، شأنها شأن أيّ عمل إبداعيّ آخر، هي سلاح وحقيقة تجسّد الواقع، وفي الوقت نفسه تجنح نحو الحلم. وعندما تتوحّد الكاميرا مع الإبداع، والحسّ الفطريّ مع الموهبة، والخبرة مع الصّدق، تولد اللّوحة الضّوئيّة الفنّيّة المعبّرة.
تسألني لماذا معلولا؟ أجيبك: لأنّها ملهمة الفنّ والفنّانين، والمصوّرين الضّوئيّين والتّشكيليّين على حدّ سواء. لأنها ذاكرة للسماء تُقرأ بالألوان والضّوء.
وفي كتابي "معلولا ذاكرة الصّخر والإنسان" كرّست نفسي للخروج بلقطات ضوئيّة تتماهى فيها الحرفة المتقنة مع القيمة الفنّيّة العالية، وصولاً إلى حالة تعبيريّة قادرة على معادلة ألف كلمة مكتوبة أو منطوقة؛ صورة واضحة ومؤثّرة، لا تحتاج إلى ترجمة أو شرح، وإنّما تنساب بيسر وسهولة إلى بصر المتلقّي، مهما كانت لغته أو ثقافته، ثم تنفذ إلى بصيرته وإحساسه، مقدّمة لهذه الحواسّ مجتمعة وليمة معرفيّة وجماليّة، سهلة التّلقّي وعميقة الأثر.
حين عملت على تجميع المادّة البصريّة لهذا الكتاب، زرت معلولا مرّات عديدة، وفي أوقات وفصول مختلفة (قرابة خمس سنين) ورصدت أهلها وبيوتها وأحيائها وصخورها وبساتينها ومغاورها وكنائسها وأديرتها. وفي لحظات استثنائيّة، استطعت أن أوقف الزّمن داخل تلك المشاهد السّاحرة التي يختزنها كتابي التّوثيقيّ، وكان ذلك في عام 2009.
تواصلٌ إنساني عفوي!
العنصر البشري في كادر الصورة لديك يبدو كما لو أنه يريد أن يحكي حكاية... هل تتقصد أن تنتظر مثل الصياد حتى تعجبك حركة من الناس أو لفتة ما لترسخها وتؤبدها باللقطات أم تلعب الصدفة دورها... أم فعلاً هناك تواصل وأحاديث مسبقة تجعل ذاك العنصر البشري مرتاحاً وفرحاً بأن أحداً ما يصوره؟
إنَّ العنصر البشري في كادر الصورة، أو ما يُعرف بفنِّ تصوير البورتريه، يتجاوز مجرَّد تسجيل الملامح والهيئة الخارجية؛ فهو مرآة تعكس شخصية الإنسان، وتروي حكايته، وتكشف شيئاً من عالمه الداخلي. ومن هنا، فإن هدفي لا يقتصر على التقاط الملامح، بل يمتد إلى ملامسة الجوهر الإنساني، واستحضار المشاعر الصادقة التي تختبئ خلف النظرات والتعابير.
بالنسبة لي إن التواصل الإنساني بيني وبين الشخص الذي أقف أمامه أساس نجاح الصورة، إذ لا تتحقق الصورة المعبرة إلا عندما تتوافر الثقة والانسجام بين المصوِّر ومن يقف أمام عدسته. فكلُّ حركةٍ صغيرة تحمل دلالة؛ اتجاه العينين، وانحناءة الكتفين، وارتخاء اليدين، جميعها لغة صامتة تروي الحقيقة، وتمنح الصورة صدقها وقوتها التعبيرية.
أما الإضاءة، فهي في تصوير البورتريه بمنزلة الحروف في الكتابة؛ فهي التي تصوغ المعنى، وتمنح الصورة إيقاعها البصري. فالإضاءة الجانبية تُبرز تفاصيل الوجه، وتكشف آثار الزمن وقوة الشخصية، بينما تمنح الإضاءة الناعمة إحساساً بالهدوء والطمأنينة، وتضفي على الصورة رهافةً وإنسانيةً خاصتين. وتبقى اللحظة الحاسمة مفتاح الصورة الناجحة؛ فأجمل الصور هي تلك التي تُلتقط في لحظاتها العفوية، قبل أن يتكلَّف الشخص هيئةً أو تعبيراً مصطنعاً أمام الكاميرا. ولهذا أميل إل تصوير الأشخاص في بيئاتهم الطبيعية، حيث يرتبط الإنسان بمكانه، ويصبح المكان جزءاً من حكايته، وعنصراً مميزاً في بناء الصورة ودلالاتها.
إذاً أنت تمزج بين العفوية المحببة مع كامل مصادفاتها والإعداد الفني المسبق في تفكيرك؟
في تجربتي الفوتوغرافية، يشكِّل الأسلوب التوثيقي أحد أهم مسارات التعبير، إذ يقوم على التقاط اللحظة كما هي، بمشاعرها الصادقة وعفويتها، بعيدًا عن الترتيب أو الإخراج المسبق. وفي المقابل، يتيح لي الأسلوب الإبداعي مساحة أوسع لتوظيف الرؤية الفنية من خلال بناء التكوين، واختيار اللون أو الأبيض والأسود، بما يخدم الفكرة ويعزز البعد التعبيري للصورة.
وكثيراً ما أجد في التصوير بالأبيض والأسود قدرةً استثنائية على اختزال التفاصيل اللونية، وتوجيه عين المتلقي نحو الجوهر، حيث تتراجع الألوان لتفسح المجال أمام الضوء والظل، والخطوط، والانفعالات الإنسانية. وهكذا تصبح الصورة أكثر عمقاً وتركيزاً، وتتحول إلى قصة بصرية تنبض وتترك أثرها في وجدان المتلقي.
يعدُّ تصوير الأطفال من أصعب أنواع اللقطات على المصورين بسبب حركتهم التي لا تهدأ وعدم انضباطهم وأحياناً عدم اكتراثهم بما يريده المصور... كيف تتعامل معهم... وما الذي يجذبك في تصوير الأطفال؟!
إنَّ تصوير الأطفال ليس مجرد توثيقٍ لملامحهم البريئة، بل هو فنُّ التقاط عفويتهم، والإنصات إلى عالمهم الصافي، حيث تنعكس البراءة في النظرات، والدهشة في التفاصيل، والصدق في كل حركةٍ وتعبير. فالطفل لا يعرف التكلُّف، ولذلك فإن أجمل صوره هي تلك التي يولدها تلقاؤه الفطري، بعيداً عن التصنُّع والتوجيه.
وفي تجربتي، أحرص على أن أمنح الطفل حريته الكاملة في الحركة واللعب والاكتشاف، لأنني أؤمن بأن الصورة الحقيقية لا تُصنع، بل تُولد من اللحظة نفسها. فكل لحظة عفوية تحمل إمكانية أن تتحول إلى صورة مميزة، تنبض بالحياة وتختزن مشاعر لا يمكن استعادتها أو تكرارها.
ويظل الصبر أحد أهم عناصر نجاح تصوير الأطفال؛ فالمصور لا يفرض إيقاعه على الطفل، وإنما يرافقه بهدوء، منتظراً تلك اللحظة التي تتجلى فيها شخصيته على طبيعتها. وليس من الضروري أن يكون الطفل ضاحكاً دائماً، فالتعبير الصادق قد يظهر وهو غارق في التفكير، أو مندمج في اللعب، أو محتضناً لعبته المفضلة، أو يتأمل العالم من حوله بدهشة بريئة.
إن هذه التفاصيل البسيطة هي التي تمنح الصورة قيمتها الإنسانية والفنية، لأنها تنقل الطفل كما هو، بعفويته وبراءته وصدق مشاعره. وهكذا تتحول الصورة إلى وثيقة جمالية تحفظ لحظة من الزمن، وتروي حكاية الطفولة بلغتها النقية.
يقول المثل الشعبي "الإسكافي حافي" للدلالة على أن صاحب الصنعة أو الكار لا يجد وقتاً لنفسه ليهتم بها... ماذا عنك.. هل تحب أن يتم تصويرك أصلاً؟ وهل نجح أحد ما بالتقاط "بورتريه فوتوغرافي" لك أعجبك فعلاً من منظورك كفنان؟!
لم أجد نفسي يوماً أمام الكاميرا بقدر ما وجدتها خلفها؛ فهناك أشعر بأنني أعبِّر عن ذاتي، وأصوغ رؤيتي للعالم من خلال الضوء والظل، واللحظة والتكوين. فالتصوير بالنسبة إليَّ ليس مجرد التقاطٍ للضوء، بل هو فعلٌ إبداعيٌّ يتجاوز حدود المشهد المرئي، ليصبح انعكاساً مباشراً لحالتي الشعورية، وما يختلج في داخلي من أحاسيس وتأملات.
إن مشاعري ترافقني في كل صورة ألتقطها، وتؤثر في أدق تفاصيلها؛ من اختيار زاوية الرؤية، وبناء التكوين، وتوزيع الضوء، إلى انتقاء الألوان أو الاكتفاء بالأبيض والأسود، بما يجعل كل صورة تحمل شيئاً من ذاتي، وتعكس رؤيتي الخاصة للحياة والإنسان، وهنا يلتقي الفن بعلم النفس.
كيف ذلك... ماذا تقصد باللقاء بين الفن وعلم النفس؟!
بمعنى إن الكاميرا تتحول إلى أكثر من أداة للتسجيل؛ إنها وسيلة للتعبير، وجسر يصل بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، وعدسة تروي الحكايات، وتكشف ما تخفيه الوجوه، وما تختزنه الأرواح من مشاعر لا تستطيع الكلمات أن تفصح عنها.
ومن هنا، تصبح كل صورة تجربة إنسانية متفردة، لا توثق لحظة عابرة فحسب، بل تستبقي أثرها الوجداني، وتدع المتلقي يعيد اكتشافها كلما تأملها، لأنها تنبض بالحياة، وتحمل في أعماقها شيئاً من روح مصورها، ومن روح الإنسان الذي يواجه العدسة.
الفن روح الإنسان رغم الحداثة الرقمية!
في عصر التكنولوجيا الرقمية عالية الدقة وسرعات العدسات الخارقة لم يعد التصوير الضوئي فناً يعتمد الحس الجمالي للفنان، إنما أصبح لدى كثيرين مجرد كبسة زر وذكاء اصطناعي... هل توافق على هذا الرأي؟ وما هي ميزات وسلبيات الحداثة التكنولوجية على "فن التصوير الضوئي" برأيك؟
إنَّ التصوير، بوصفه أحد أشكال الفن، ليس مجرد تقنية أو وسيلة لتسجيل المشهد، بل هو لغة إنسانية شاملة، تقوم على حوارٍ خفي بين الفنان والمتلقي، وتنهض على قدرة المصور في تجسيد رؤيته، وترجمة خياله، والكشف عن موهبته من خلال الأدوات والوسائل التي يوظفها لخدمة رسالته الفنية بأفضل صورة ممكنة.
ومهما بلغت التقنيات الرقمية من تطور، ووصلت إليه الكاميرات من دقة وإمكانات، يبقى الفنان هو العنصر الحاسم في صناعة الصورة؛ فهو صاحب الرؤية، وصانع الفكرة، والقادر على توظيف الضوء، والمنظور، والتكوين، والأبعاد، وإيقاع الخطوط، ودراسة الألوان، سواء أكانت الصورة بالأبيض والأسود أم بالألوان، بما يمنحها قيمتها الجمالية والتعبيرية في شكلها النهائي.
والمصور المحترف لا يعتمد على الكاميرا وحدها، بل يعتمد قبل كل شيء على خبرته، وثقافته البصرية، وتجربته الطويلة، ومطالعاته المستمرة، وحسِّه الفني الذي يمكِّنه من بناء الصورة وصياغة مضمونها، لتصبح أكثر من مشهد مرئي، بل تجربة إنسانية متكاملة.
صحيح أنه في عصر الذكاء الاصطناعي، تتسع آفاق الإبداع، وتتنوع الأدوات التي يمكن للفنان الاستفادة منها؛ لكن لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً عن المصور، بل بوصفه وسيلة تقنية متقدمة تسهم في تطوير أدواته، وتسريع مراحل المعالجة والإخراج الفني، وتمنحه إمكانات واسعة في ضبط الإضاءة، وتوازن الألوان، ودرجة الحدة، ومعالجة التفاصيل بدقة عالية. غير أن هذه الإمكانات تظل أدواتٍ في يد الفنان، وليست بديلاً عن رؤيته أو حسِّه الإبداعي.
ومن هنا، تبقى مصداقية الصورة الفوتوغرافية قيمة أساسية، ولا سيما في التصوير التوثيقي، حيث ينبغي أن تخدم أي معالجة فنية جوهرَ الصورة، وألا تتحول إلى إضافة تُفقدها حقيقتها أو تنقص من صدقها البصري.
وكيف ترى إذاً مستقبل التصوير الضوئي في ظل هذا التسارع المخيف لأدوات الذكاء الاصطناعي؟
ربما سيشهد المستقبل تعايشاً متوازناً بين الإبداع الإنساني والمحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، إذ يمتلك كلٌّ منهما مجاله وإمكاناته الخاصة. فالصورة التي يصنعها الإنسان ستظل تحتفظ بفرادتها، لأنها قادرة على نقل المشاعر الحقيقية، وتجسيد التجارب الواقعية، وبناء علاقة وجدانية بين المصور وموضوعه والمتلقي. وفي المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة للتجريب البصري، واستكشاف حلول إبداعية جديدة، وتوسيع إمكانات الإنتاج الفني.
ومع ذلك، باعتقادي سيبقى الفن في جوهره فعلاً إنسانياً يرتبط بالوعي، والخبرة، والذاكرة، وبالقدرة على الإحساس. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يُنتج صوراً مبهرة، وأن يحاكي أساليب المصورين، وأن يعالج التفاصيل بكفاءة فائقة، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية، ولا يشعر بها. ولهذا أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخدم الفن، لكنه لا يستطيع أن يخلق الفن؛ لأن الفن، في جوهره، يبدأ من الوعي، وينبض بالإحساس، ويكتمل بالروح.
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا