شيٌ سحريٌ غامض جذبني لأقفَ أمام لوحاتها وآخُذَ صورةً أتحالى بها كأنني صرت لوناً فيها أو عنصراً من تكويناتها أو خيطََ ذكرى أو دائرةً من دوائر الضوء فيها تمنح الناظرين بهجةً وابتسامةَ راحة.
سنجد في معظم أعمالها احتمالاتٍ متعددةً لا تكرارات. احتمالياتٌ هندسيةٌ باذخة. سماواتٌ من الألوان، وكلما تمعنا في النظر إليها؛ نشعر أنها تشبه حركية الأكوان في أفلاكها، بل سنرى كيف تتفاعل عناصر اللوحة مع بعضها كأنها في رقصة كونية متناغمة وموزونة بحسبان.
وهناك سخاء روحيٌّ في لوحاتها لأنها كإنسانة وفنانة تعتقد بأن "الذي يأخذ يملأ يديه، أمّا الذي يعطي فيملأ قلبه"... هذا العطاء ينعكس عند المتلقي لاشعورياً فيغتني المتأمل لأعمالها بكنزٍ لونيٍّ مبهر. ة
هي الفنانة عناية البخاري (مواليد ١٩٦٠)، تنتمي نسباً إلى عائلة الكاساني الأوزبكية من منطقة بُخارى، وتنتمي ولادةً وعشقاً إلى دمشق أو "شام شريف" كما تحب أن تسمي المكان الذي نشأت فيه واكتشفت في نفسها تلك الفتاة التي تتعامل مع كل ما حولها بوصفه فناً جميلاً من إبداع مهندس الكون الخالق العظيم.
في رصيدها 12 معرضاً فردياً في بين دمشق وحلب واللاذقية وإسبانيا. وأعمالها مقتناه في وزارة الثقافة، متحف قطر، متحف فرحات اميركا، فرنسا، اسبانيا، اليونان وغيرها. تم تكريمها من وزير الثقافة بنقابة الفنون الجميلة سنة 2016 والتكريم الثاني من وزيرة الثقافة سنة 2024
لم أكن أعرف أنّي سأحاورها يوماً وأنها ستبوح لموقع شغف الثقافي ببعض مكنوناتها.
* لم تدرسي الفنون التشكيلية.. هل تعلّمُ الفن أكاديمياً ضرورة للإبداع الفني برأيك؟
** ليست ضرورة أبداً، لكنها تصقله إن وجدت. الإبداع موهبة فطرية تنمّيها الطرقُ الأكاديمية. هناك حالات كثيرة لفنانين درسوا لكنهم لم يبدعوا، وهناك مبدعون عالميون لم يسلكوا درب الأكاديميا.
* متى تيقنتِ من أنك ستصبحين فنانة؟!
**كنا نسكن في بيت عربي في منطقة الصالحية، كنت أتأمل ظلال الشجر وحركتها مع الهواء.. ظلي على الأرض أتبعه وألعب معه، كرسي تحت الشمس مع ظله المائل... وكنت بمتعة الطفولة اللاهية أمسك عصاً وأحاول تحريك الغيوم لإعادة تشكيلها كما أتخيل! وفي المدرسة رسمت بالحبر على جريدة الحائط وجميع طلاب المدرسة ينتظرون ما أرسم. لست من بيئة فنية (والدي كان ضابطاً من منطقة بخارى ووالدتي داغستانية) وأخي كان مدير "محو الأمية" في وزارة التربية بدمشق، لكنهم لم يمانعوا ما أقوم به من رسومات، كانت لدينا في أسرتي حرية في القرارات ضمن تربية مشجعة لكنها تركز على القيم وضوابط الأخلاق.
وأول معرض فردي لي، كنت متزوجة وعندي أولاد، أنجزته عام ١٩٩٢ كانت لوحات "مرايا محفورة" وملونة، وهي تقنية صعبة ودقيقة وحساسة تتعرض للكسر وضياع للجهد والوقت... لكنها استهوتني في البدايات من رغبتي الدائمة في تعلم واكتساب شيء جديد، وهذه الرغبة تحديداً سببها حكاية صغيرة عن امرأة بعمر السبعين كنت أراها تأتي إلى دروس محو الأمية رغم عمرها. أثرت بي وزرعت عندي رغبة دائمة في تعلم الجديد.
ثم بدأ شغفي بالطباعة الحريرية، وسببه أن أحد زملائي المهندسين في إدارة الأشغال كان لديه معمل لطباعة أقمشة الخياطة. زرته وذهلتني التقنية والنقشات وطريقة تثبيت الألوان في الفرن الحراري..
بشكل عام، تجربتي لا يوجد فيها نقلات صاخبة أو تحولات مغايرة.. إنما استمرارية رغم ان البدايات كانت رسم بالحبر الصيني وبعضها طباعة على كرتون بأشكال مجردة ليست هندسية... لكن كل العناصر كانت موجودة في لوحاتي بأشكال متنوعة.
* حبذا لو تشرحي لنا معنى "طباعة على شاشة حريرية" فنياً؟!
** الشاشات هي نماذج قوالب تستخدم لاقامة العمل الفني، حيث يُشد الحرير على إطار خشبي يسمى "شابلونة"، ويدهن بمادة جيلاتين يتحسس للضوء، ثم تترك لتجف، وأكون قد جهزت الرسم على "ورق الكالك" بالحبر الصيني، أثبِّت ورق الكالك خلف "الشابلونة" على الحرير بعد جفاف المادة المحسسة، ثم أضعها على قالب مثل الصندوق فيه إضاءة قوية لمدة 10 دقائق، فيثبت المادة المحسسة على القماش وتبقى الأماكن الداكنة بالحبر الصيني من الرسمة غير مثبتة، ثم تغسل بالماء فنشاهد الأماكن المرسومة فارغة من المادة المحسسة، وهنا تصبح الشابلونة جاهزة للطباعة بالألوان التي تخرج من مسامها الناعمة، سواء كانت الطباعة على الكرتون أو الورق أو القماش أو الخشب.
* كأنك الفنانة الوحيدة التي اختصت بهذا النمط الفني النادر؟!
** نعم، وقمت بتجربة نادرة في معرضي الذي أقيم بالمركز الوطني للفنون البصرية بدمشق سنة 2018
إذ اعتمدت الطباعة بأربع طرق: طباعة شاشة حريرية على القماش بما يسمى ألوان طباعة، وطباعة على القماش بألوان اكرليك، وطباعة على القماش بألوان زيتي، وأيضاً استخدمت الطباعة لعمل فني ينتهي بالرسم فوق الطباعة... وهناك أعمال رسم فقط من غير طباعة.
كما إني الوحيدة عالمياً مَن استخدمت الألوان الزيتي بطباعة الشاشة الحريرية، ومَن استخدمت القياسات الكبيرة لإنجاز عمل فني طباعة يدوية.
وأنجزتُ لوحة على شكل قطعة واحدة طباعة شاشة حريرية بألوان طباعة (قياس ثمانية أمتار بارتفاع مترين) ولا يوجد عالمياً عمل فني طباعي بهذا القياس!
* وماذا عمّا يسمى عالمياً بالتجريد الهندسي في الفنون... هل تأثرتِ برموزه من الكبار مثل موندريان وكاندينسكي؟
** يبدو أن ميولهم الفنية مثل ميولي...(تضحك) بصراحة لم اقرأ عنهم من قبل أبداً. كنت مشغولة جداً بتربية أولادي وعملي الوظيفي وواجباتي، وحين أرسم أفعل ذلك حسب ما تمليه عليَّ موهبتي الفنية وأفكاري، وليس ممن أقرأ عنهم أو أشاهد لوحاتهم.
أنا أعمل بشكل حر مثل تشكيلات النجوم اللانهائية التي تبدو لوهلة أنها عشوائية، لكنها مضبوطة بدقة. العمارة بشكل عام، والتكوينات الهندسية، المثلثات، الدوائر، اسقاطات الضوء، حركة العناصر الطبيعية في المكان، المستطيلات والمربعات، الخطوط المستقيمة والمائلة والمنكسرة.... كلها تثير فيني جمالاً ممتعاً وتحرضني على الرسم بعيداً عن التأثر بالفنانين العالميين.
* يقال إن تكرار الأنماط نفسها فيه شيء من "الآرت ثيرابي"/العلاج بالفن أو حتى ملمحاً من تيارات اللاوعي... هل كان الرسم متنفساً روحياً لك؟!
** أبداً لا علاقة لعملي الفني باللاوعي وتداعياته، ولم أستلهم افكاري من أي نظرية فنية... وما يمكن أن يقال عن التماثل أو تكرار النمط، أراه أنا تنظيماً عالياً ودقيقاً حتى آخر تفصيلة منه وآخر لمسة ريشة. عملي فكريٌّ وذهني مضبوط بكل دقة. كل تفصيل موضوع بمكانه لسبب، وليس صدفة.
راقبِ السماءَ؛ ستشعر أن النجوم متشابهة بلمعانها وتموضعها وشكلها... لكن في الحقيقة لا وجود لنجمة تشبه غيرها. أشكال لا تحصى من التشكيلات النجمية المدهشة، ورغم أننا نشاهدها مئات المرات وهي موجودة منذ ملايين السنين إلا أننا في كل مرة نتأملها سنجد تشكيلاً هندسياً مختلفاً وساحراً... خذ مثلاً شجر المشمش أو شجر الحور أو أي نوع... لا توجد شجرة تشبه أختها رغم انها تنتمي لنفس النوع. راقب نقط الماء تحت المجهر، خلايا الجسد، فيها تموضعات هندسية أعجوبة غير متشابهة لكنها منظمة كتنظيم الكون رغم أنها تنتمي للنوع نفسه...وهكذا لوحاتي.
ولا مكان في عملي للمزاجية والحالات النفسية المتقلبة أبداً. لا أرسم إلا بحالة ذهنية عالية وصافية. العمل الفني هو صلاة روحية تحتاج الانضباط. لو كنتُ منزعجة أو غاضبة لا أرسم ولا أصلّي ولا أقرأ القرآن، بل بالعكس تماماً يجب أن أكون بكامل استعدادي العقلي والنفسي والجسدي. حين أقرأ القرآن أشعر أن الرب الكريم يخاطبني، وحين أصلي أشعر أنني أتحدث مع خالقي، والرسم باعتقادي مثل الصلاة؛ يجب أن يكون بمحبة وأن يَحمِل المحبةَ للآخرين!
* في علاقتك مع القراءة اي نوع من الكتب تستهويكِ؟ وهل استلهمتِ يوماً فكرة لوحة من كتاب قرأتِهِ؟
** اتجاهي في القراءة عِلميٌّ جداً... أما اشتغالي الفني هو عملٌ وجهدٌ ودأبٌ لا علاقة له بالقراءة أبداً... ما يهمني بصراحة هو أنني أرسم بسعادة، بفرح، بطاقة إيجابية تنعكس على أي مُشاهدٍ للوحاتي، وهذا ما لمسته دائماً عند زوار معارضي. يقولون إنهم يشعرون بالسعادة والحيوية حين يتأملون أعمالي.
* بين شغف الفن وواجبات الأمومة... كيف استطعت التوفيق بينهما وكلاهما يحتاج إلى طاقة عظيمة؟!
** بالتنظيم والانضباط الشديدين. منذ صغري أحب الأمور المنظمة بالساعة والدقيقة... أضع جدولاً لدراستي وتفاصيل يومي. عقلي ليس عشوائياً أبداً، أحسِبُ واجباتي بعناية، وأنفِّذها بدقة، وأطالب بحقوقي بتوازن شديد بأكبر قدر من العدل بينها كلها. حق أولادي، حق زوجي، حق أهلي، حق أهل زوجي، حقي أنا كزوجة، وحقي كفنانة... ولا زلت أنظم بيتي ومرسمي على المسطرة كما ترى!
* لكن الشخصية المنضبطة إلى هذه الحد تثير غضب من حولها... أو تربكهم؟
** لقد اعتادوا على شخصيتي (تضحك)... بل وأحبوها لأنني مسؤولة عن العائلة، أرعى شؤونهم، وأنا المسؤولة عن الإرث الثقافي من الأعمال الفنية
لا أسمح لهم بالتصرف بها كيفما يشاؤون، وأرعى حقوق الجميع.
* أخبرينا عن علاقتك بزوجك الفنان الراحل نذير اسماعيل... بين الحب وتأثيراته الفنية أو المتبادلة؟!
** أحببت أعمال وشكل الفنان نذير اسماعيل منذ ان شاهدتها في مجلة الطلائع يوم كنت شابة صغيرة، وقبل أن تشاء الصدف والقدر أن أتعرف عليه شخصياً عن طريق أخي، لأنني كنت أصر وأقول له إنني أريد الزواج من فنان تشكيلي حصراً بسبب عشقي للفن.
تعاملت باحترام شديد ودراية وتقدير لكل مزاجيته وأعماله وأصدقائه الفنانين. كنا نجتمع مع فنانين كبار مميزين مثل طارق الشريف وزوجته، زياد دلول وزوجته، خليل صفية وزوجته، خزيمة علواني وزوجته الفنانة غريتا، غسان السباعي وغيرهم الكثير.... كانت أجواء حميمة وانفعالية بمحبة صادقة ونقاشات أدبية وفنية. كنت أقدر عالياً هذه الخصوصية عند زوجي رغم أنه كان غير معجب جداً بما أرسمه! كنت أحب شكل الحياة تلك؛ لأنني أحب الفن، وأشعر أنني أعيش ما أحبه.
* ماذا عن "الشللية" في أوساط الفنانين.. هل أثَّرت عليكِ؟
لم تؤثر عليّ بشكل مباشر؛ لكن للأسف أشعر بحزن شديد على حال العلاقات المشوَّهة بين معظم فناني هذه الأيام. كأنه مقدر علينا دائماً أن نعيش الحنين للزمن الجميل الماضي حين كانت المحبة هي السائدة. كان أحدهم يعلن عن إقامة معرض، فيسارع أصدقاؤه الفنانون لمساعدته، وتعليق لوحاته، ودعمه بالحضور والحديث للصحافة عنه، بل يعزمونه بعد العرض ويناقشون معرضه ويشكرونه على جهده وجديده... كانت هناك تقاليد فنية أصيلة.
* وما سبب غياب تلك التقاليد الفنية اليوم؟
** ريما لأن الجشع سيطر أكثر… ربما لأن البحث عن المصالح الشخصية والغرور صارت هي الصفات المسيطرة، بدل الاهتمام بشؤون الفن السوري باعتباره غاية عليا.
لكني بصراحة وبشكل عام متفائلة جداً بالسوريين. لأن أي إساءة، هنا وهناك وفي أي مجال، هي نقطة وسخة سيتم التخلص منها بالتأكيد. السوريون شعبٌ عظيم يسكنون أرض الشام العظيمة بجذور ممتدة، وجيناتُهم المبدعةُ العريقة هي من سيبقى.
* ما هي مشاريعك المستقبلية؟
** أحضّر حالياً لمعرض استعادي لأعمالي من عام 1989- 2026 سيقام في شهر تشرين الأول، في المتحف الوطني بدمشق، وهذه دعوة لجميع المهتمين والفنانين.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا