بعد أن تبين أن العقل نعمةٌ عظيمة، وأنه أداةُ الإنسان في الفهم والاستدلال، وأن الشرع هو المرجعية العليا التي تُحتكم إليها العقول عند الاختلاف، يبرز سؤالٌ مهم:
إذا كان العقل نعمةً من الله، فلماذا تختلف العقول هذا الاختلاف الواسع؟
والجواب أن الاختلاف ليس في أصل نعمة العقل، وإنما في طريقة استعماله، وفي المعارف التي يتغذى بها، وفي المؤثرات التي تحيط به، وفي الأهواء التي قد تصرفه عن سواء السبيل.
وليس المقصود باختلاف العقول اختلاف أصل القدرة على التفكير، فالعقل من حيث هو قوةٌ للإدراك قد اشترك فيه الناس، وإنما يقع التفاوت في سلامة الفهم، وصحة المنهج، وكمال العلم، وحسن القصد؛ ولذلك قد تتفق العقول في المقدمات فتتقارب نتائجها، وقد تختلف المقدمات فتتباعد الأحكام.
فالعقل البشري لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها، وبالثقافة التي تلقاها، وبالتربية التي صاغت مفاهيمه، وبالتجارب التي مر بها، وبالمعلومات التي وصلته، كما يتأثر بالرغبات والمصالح، والخوف والطمع، وحب الشهرة والانتصار للنفس. ولهذا قد ينظر شخصان إلى القضية نفسها، فيصل كل واحد منهما إلى نتيجة تختلف عن الآخر، مع أن كليهما يظن أنه يحكم بعقله.
ولهذا فإن الإنسان لا يرى الأشياء دائمًا كما هي، بل قد يراها من خلال ما يحمله من تصوراتٍ سابقة، أو انتماءاتٍ فكرية، أو مصالحَ شخصية، فتؤثر هذه كلها في طريقة فهمه للوقائع، وإن ظن أنه يحكم بعقله المجرد.
ولهذا لم يجعل الإسلام العقل معصومًا من الخطأ، ولم يمنحه سلطةً مطلقة، بل قرر أن الإنسان قد يشتبه عليه الحق، وأن الهوى قد يلبس عليه الحكم، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾.
ولهذا كان القرآن كثيرًا ما يقرن بين العقل والهداية؛ لأن العقل وحده آلةٌ للفهم، أما الهداية فهي التي توجه هذه الآلة إلى غايتها الصحيحة، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال سبحانه: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فالتعقل في القرآن ليس تفكيرًا مجردًا، بل تفكيرٌ يستضيء بهداية الله.
ومن هنا كان الفرق بين العقل والهوى؛ فالعقل يطلب الدليل، أما الهوى فيطلب ما يوافق الرغبة، والعقل إذا خلص من المؤثرات اقترب من الحق، أما إذا استسلم للهوى فإنه يتحول إلى أداة لتبرير الخطأ بدلًا من اكتشاف الصواب.
ولهذا نرى أن كثيرًا من الانحرافات الفكرية عبر التاريخ لم تكن نتيجة ضعف الذكاء، بل نتيجة فساد المنطلقات. فقد يبلغ الإنسان أعلى درجات الذكاء، ثم يخطئ لأنه بنى تفكيره على مقدمات فاسدة، أو قدَّم شهوته على الدليل، أو جعل عقله حاكمًا على ما جاء به الوحي.
ومن هنا كانت قاعدةٌ مهمة: ليست قيمة العقل في مجرد قدرته على التفكير، وإنما في صحة الأصول التي يفكر منها، وسلامة المقاصد التي يتوجه إليها. فكم من عقلٍ ذكيٍّ أضلَّه الهوى، وكم من عقلٍ متواضعٍ هداه إخلاصُه واتباعُه للحق.
ومن هنا نفهم لماذا كان الوحي ضرورةً للبشرية، لا لأنه يلغي العقل، وإنما لأنه يهديه، ويصحح مساره، ويحرره من سلطان الهوى، ويمنحه المعيار الذي يميز به بين الحق والباطل.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك أن شخصين قد يشاهدان الحدث نفسه، ويطَّلعان على المعلومات ذاتها، ثم يخرج كل واحدٍ منهما بنتيجة مختلفة؛ لأن أحدهما جعل الدليل هو الحاكم، بينما جعل الآخر ميوله أو قناعاته السابقة هي الحاكمة. فالاختلاف هنا ليس في قوة العقل، وإنما في المنهج الذي قاد العقل إلى النتيجة.
ولهذا كثرت في القرآن الكريم الدعوة إلى التعقل والتفكر والتدبر، لكنها اقترنت دائمًا بالهداية الإلهية؛ لأن العقل إذا انفرد قد يختلف، أما إذا استضاء بنور الوحي فإنه يقترب من الحق، ويهتدي إلى سواء السبيل.
إن اختلاف العقول سنةٌ من سنن الله في البشر، لكنه سبحانه لم يترك الناس لهذا الاختلاف دون هداية، بل أنزل الوحي ليكون الميزان الذي تُوزن به الأقوال، والنور الذي تستقيم به العقول. فكلما كان العقل أقرب إلى الوحي كان أقرب إلى الحق، وكلما استغنى عنه ازداد عرضةً للخطأ، مهما بلغ صاحبه من الذكاء.
ومن هنا كان العقل نعمةً عظيمة، وكانت أعظم نعمةٍ عليه أن يهتدي بنور الوحي؛ فإذا اجتمع العقل السليم مع الوحي الصحيح استقامت الرؤية، وصح الحكم، وسلك الإنسان سبيل الرشاد.
العقل نعمةٌ عظيمة، لكن الناس لا يختلفون في أصل العقل، وإنما يختلفون في طريقة استعماله، وفي مقدار العلم الذي يحمله، وفي المنهج الذي يسير عليه، وفي مدى تحرره من الهوى والمصالح.
ولهذا لم يجعل الإسلام العقل معصومًا، بل جعله محتاجًا إلى هداية الوحي، الذي يصحح مساره ويضبط أحكامه. فإذا استنار العقل بنور الوحي اقترب من الحق، وإذا استقل عنه أو استسلم للهوى كان عرضةً للزلل، مهما بلغ صاحبه من الذكاء
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا