الهولندي فنسنت فان كوخ (Vincent van Gogh) كان في الرابعة والثلاثين من عمره، ولم يكن قد باع سوى لوحة واحدة في حياته، وكان يرى في عمله الجديد ربما فرصته الأخيرة. في ربيع عام 1885، وفي قرية نونين الفقيرة بهولندا، رسم عائلة من الفلاحين وهم يتناولون عشاءهم البسيط. لم يسعَ إلى تجميل وجوههم، بل صوّر أيديهم الخشنة التي حرثت الأرض، وملامحهم التي اختزنت سنوات من التعب. وكتب إلى شقيقه ثيو: «أريد أن تخرج رائحة لحم الخنزير المقدد والدخان وبخار البطاطس من اللوحة».
ولادة لوحة من قلب الريف الهولندي
أمضى فان كوخ شهوراً في رسم اسكتشات لفلاحي نونين. كان يخشى أن يراه أحد وهو يرسمهم، لكنه كان يخشى أكثر ألا يراهم أحد أبداً. وفي رسالة إلى ثيو كتب: «لقد عملت طوال اليوم وطوال الليل تقريباً، ورسمت فوقها مراراً وتكراراً... عندما أنهيها، ستعرف أنها تستحق كل هذا العناء».
اعتمد ضربات فرشاة عريضة وخشنة، واستخدم ألواناً ترابية داكنة تشبه، على حد وصفه، «لون البطاطس غير المقشرة». ولم يكن يبحث عن التشريح المثالي أو الجمال التقليدي، بل عن الحقيقة التي لا يلتفت إليها أحد، وهي أن هؤلاء الفلاحين «حرثوا الأرض بأيديهم التي يمدونها الآن إلى الطبق».
رفض قاسٍ لم يغيّر قناعته
في مايو/أيار 1885، أرسل فان كوخ اللوحة إلى ثيو في باريس، آملاً أن تكون بوابته إلى عالم الفن. لكن النتيجة جاءت مخيبة. فقد وجّه إليه صديقه الفنان أنطون فان رابارد رسالة نقدية قاسية قال فيها: «في مثل هذه الأعمال الجادة، لا يمكنك التعامل مع الفن بهذه السهولة... العمل ليس جاداً». وحتى ثيو، الذي ظل مؤمناً بموهبته، لم يُعجب باللوحة، إذ كان الوسط الفني في باريس منشغلاً بالانطباعية المضيئة، لا باللوحات الداكنة التي توثق حياة الفقراء.
لوحة خلدها الزمن بعد رحيله
ورغم ذلك، لم يتراجع فان كوخ عن قناعته. فبعد عامين، أثناء وجوده في مصحة سان ريمي، كتب إلى ثيو: «ما زلت أعتقد أن لوحة آكلي البطاطس هي أفضل ما رسمته». وفي عام 1887، كتب إلى شقيقته فيليمينا: «اللوحة التي رسمتها للفلاحين وهم يأكلون البطاطس في نونين هي، بعد كل شيء، أفضل ما أنجزته». وكان يخطط لإعادة رسمها بأسلوبه الجديد، لكن الموت سبقه إلى ذلك.
بعد 136 عاماً من وفاته، أصبحت «آكلو البطاطس» واحدة من أشهر لوحات فان كوخ، تتصدر مقتنيات متحف فان كوخ في أمستردام، ويشاهدها ملايين الزوار سنوياً. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي تطرحه اللوحة مفتوحاً: هل رسم فان كوخ هؤلاء الفلاحين لأنه رأى نفسه فيهم، أم لأنه كان يحاول أن يفهم لماذا رفضه العالم، تماماً كما رفض لوحته؟ وبينما كان الفلاحون يتناولون بطاطسهم تحت ضوء مصباح خافت، كان فان كوخ وحيداً في مرسمه، يرسمهم وكأنه يبحث عن مكان ينتمي إليه بينهم.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا