تحميل موقع شغف

إبراهيم عبد المجيد لـ«شغف»: نحتاج إلى نسف الواقع

إبراهيم عبد المجيد لـ«شغف»: نحتاج إلى نسف الواقع

في مسيرة تمتد لأكثر من خمسة عقود، رسّخ الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد اسمه واحدًا من أبرز الأصوات السردية العربية، جامعًا بين الرواية والقصة القصيرة، وبين الواقعية الاجتماعية والفانتازيا والواقعية السحرية. من الإسكندرية التي حضرت بقوة في عالمه الروائي، إلى القاهرة بوصفها فضاءً للذاكرة والتحولات، ظلّ المكان والزمن والإنسان محاور أساسية في تجربته الأدبية.

في هذا الحوار، يتحدث عبد المجيد عن مجموعته القصصية الكاملة «أشجار السراب» الصادرة حديثًا عن دار الشروق، وعن علاقته المبكرة بالقصة والرواية، وتأثير نجيب محفوظ في مشروعه الأدبي، وحضور المكان والزمن في أعماله، فضلًا عن انتقال نصوصه إلى السينما والتلفزيون. كما يتوقف عند الفانتازيا بوصفها وسيلة للابتعاد عن المباشرة السياسية، ويتأمل تحولات الرواية والشعر، وعلاقته بالقراءة والكتابة، وما إذا كان لقب «روائي الإنسان» أو «روائي مصر» هو الأقرب إلى تجربته.

حوار مع كاتب ظلّ يرى في الأدب امتدادًا لما سبقه، وفي الكتابة مساحة لاختبار الذاكرة والواقع والخيال، بعيدًا عن الألقاب والتصنيفات.

 

1- "أشجار السراب " هو عنوان الأعمال القصصية الكاملة الصادرة حديثًا عن دار الشروق، هل ابراهيم عبد المجيد يهرب من العالم الروائي نحو القص؟

- منذ بداياتي اكتب القصة القصيرة والرواية. حين بدأت في السبعينيات كانت هناك رقابة على الكتب، ومن ثم تأخر نشر رواية مثل " في الصيف السابع والستين" خمس سنوات، منذ انتهيت منها عام 1974 حتى نشرتها عام 1979 بعد أن ألغى الرئيس السادات الرقابة على الكتب في داخل مصر، وإن ظلت الرقابة على الكتب القادمة إليها. كنت انشر القصص بسهولة أكثر، وخاصة بعد أن فزت بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية، في مسابقة أقامها نادي القصة بالإسكندرية عام 1969 وتم نشر القصة كاملة في جريدة الأخبار، مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها "هذا قصاص موهوب" حرصت على نشر القصص في مجلات هامة مثل الهلال والطليعة وإبداع لأحقق وجودا بين الكتاب، وأنا أعيش في الإسكندرية بعيدا عن مركزية القاهرة. كانت القصص مدخلا للتعرف على كتاب القاهرة، فحين كنت آتي لأتقاضى مكافأة النشر، أذهب إلى مقهى ريش التقي بنجيب سرور وأمل دنقل وغيرهم. الرواية كانت هاجسي الأكبر حقا لكن بينها وخلال كتابتها، تقفز أحيانا قصة قصيرة، أحببتها وظلت تمشي معي طوال حياتي، وإن جعلتها الرواية والاهتمام الأكبر الظالم بها أكثر من القصص القصيرة، مثل سراب. رغم ذلك لم تنقطع رغبتي في الوصول إليه. حققت أربع مجموعات قصصية، ومجموعة من الحكايات، وثماني عشر قصة أخرى لم أنشرها فضمنتها هذا الكتاب الذي به كل قصصي. هكذا كانت القصة القصيرة تمشي مع الرواية، وإن بدت لي من فرط الاهتمام بالرواية من النقاد، سرابا جميلا أحببت أن أحققه للقارئ في كتاب واحد.

2- بعد ثلاثيّة الاسكندريّة خرج لقب نجيب محفوظ الاسكندرية الى عالم الصحف للتعريف ب ابراهيم عبد المجيد... هل تجد نجيب محفوظ ملهمًا لك أم ندًّا روائيًّا لآثارك الروائية؟

- نجيب محفوظ كان أكبر ملهم لي في حياتي. منذ سن مبكر جدا أغرمت برواياته، وكان غرامي بها وراء ميلي لكتابة الرواية. بل كان غرامي بها وراء رغبتي في الحياة في القاهرة. لا أنسى عام 1964 وكنت في المرحلة الثانوية، كيف جئنا رحلة مدرسية إلى القاهرة. عادت الرحلة وتخلفت عن العودة، لأعيش في منطقة الحسين مع شخصيات الثلاثية وزقاق المدق وخان الخليلي، وكنت أنام في جامع الحسين، لكن بعد يومين أو ثلاثة نفدت نقودي، فعدت إلى الاسكندرية لأجد البيت والمدرسة في حالة صعبة من البحث عني، بعد أن أبلغوا البوليس بغيابي. وكأن القدر كان يعرف غرامي بأعماله فجعلني أفوز عام 1996 بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية عن روايتي "البلدة الأخرى" دون أن أتقدم للجائزة، وكانت الجائزة الأكبر هي دعوته لي للقائه في البيت. لم أكن أحب لقاء الكتاب به في مقهى ريش أو غيرها من فرط ضجيجهم، ومن ثم لم أحضر غير مرة أو اثنتين، لكن كان اللقاء الأعظم في بيته بعد فوزي بالجائزة، وظل اللقاء يتكرر حتى رحيله مرة أو اثنتين في العام، ولم أتحدث عن ذلك إلا بعد وفاته بعشر سنوات في مقال كبير. أحب هو أعمالي وقرأ له الروائي الرائع نعيم صبري رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" فلم ينقطع عن الحديث عني في معظم حواراته العربية والأجنبية. أدركت من كتاباته أهمية الفلسفة للكاتب، ومن ثم حين التحقت بالجامعة، دخلت قسم الفلسفة لتكون خلفية لأعمالي، ولحسن حظي اكتشفت أننا من برج القوس رغم اختلاف سنين الميلاد. شخصية رشدي مثلا في رواية خان الخليلي التي قرأتها وأنا في السادسة عشرة من عمري عام 1962، وكيف مات بالسل مبكرا، ظلت تمشي معي، وحين كتبت روايتي "لا أحد ينام في الإسكندرية" وهي أثناء الحرب العالمية الثانية تذكرت رشدي، فخان الخليلي أيضا أثناء الحرب العالمية الثانية، فوجدت نفسي أبعث فيه الحياة ليكون شخصية هامة في الرواية. تخيل أثره عليْ بعد أكثر من أربعين سنة. أنا من المؤمنين بأنه في الأدب لا يوجد نفي، لذلك يزعجني كراهية بعض الكتاب الجدد لمن قبلهم. أنا مؤمن أن في الأدب "نسخ". ليس بمعني النسخ الالكتروني، لكن بمعني استكمال ما سبق أو معارضته. الأعمال الجيدة لا تموت. حين قامت الثورة البلشفية حاول البعض منع كتب دوستويفسكي، لأنها لا تتسق مع الحالة الجديدة، لكن لينين نفسه هو الذي قال لهم في الأدب لا يوجد نفي، لكن يوجد نسخ، فالجديد من رحم القديم. دعك مما حصل من ظلم بعد ذلك للكتاب بسبب الواقعية الاشتراكية، لكن تظل كلمة لينين لها معناها عابر الزمن.

3- في روايتك "قاهرة اليوم الضائع" كانت التركيز على أثر  الزمن في النص.

- المكان هو باعث الحركة ومنبع الشخصيات وسلوكها في رواياتي. هنا العودة في الزمن خيال يراد به استعادة المكان الضائع. كيف حقا حدث كل هذا التغير حتى في سلوك البشر. من يري كيف يتجسد المكان القديم لبطل الرواية ومن كانوا يسكنونه، يدرك من أين جاء التشويه المعاصر، فلقد فرطنا في المكان وجماله فاتسعت مساحة القبح. هذه هي الفكرة الخلفية للرواية.  

4- الى أي حدّ اليوم بات التركيز الروائي على الشخصيّة أمر ثانوي؟

- هذه مسألة نسبية بين كاتب وآخر. والذي يحدث كثيرا هو عكس ذلك. فكتاب كثيرون يشرحون لك الشخصية شكلا وموضوعا، دون أن يتركوا ذلك للمواقف التي تقابل الشخصية وتظهر روحها وفكرها. أنا وأبناء جيلي تقريبا كنا ولا زلنا نكتفي باسم الشخصية، ونترك حتى وصف جسدها لمن حولها إلا عند الحاجة لذلك، وليس لأن الكاتب يعرف كل شيء باعتباره الراوي العليم. أنا وكثير من أبناء جيلي نترك أنفسنا لشخصيات العمل تقرر هي ماذا نكتب. ثم أني أري الوجود للمكان فهو صانع البشر. من في الصحراء غير من في الريف ومن في الطائرة غير من على الشاطئ وهكذا.

5- دخلت نصوصك الروائيّة الى عالم السينما والتلفزيون هل فقد ابراهيم عبد المجيد أثره الروائي الخام بعد معالجة النصوص دراميًّا؟

- السينما صورة والرواية لغة، لذلك لا أشغل نفسي بما جري من تغيير في الرواية بعد تحويلها لفيلم أو مسلسل تليفزيونى. أنا في الرواية حر، بينما انتاج وإخراج العمل السينمائي يتدخل فيه أشخاص وظروف مختلفة، منها الرقابة والرقيب ومنها ارتفاع أسعار التصوير في بعض الأماكن، فيتم تغييرها أو حذفها، ومنها رؤية المخرج نفسه بعد السيناريست فيمكن دمج أكثر من شخصية في الرواية في شخصية واحدة، ليكون للدراما فرصة أكبر في الصراع مثلا بين البطل ونقيضه، وهكذا. والآن الأمر صار مربكا أكثر، فهناك ورش للكتابة لا كاتب واحد هو السيناريست، ولذلك لا أشغل نفسي بما يحدث في أعمالي، وأعود إلى رواياتي باحثا عن الصدق الفني في كتابتها لا أيْ شيء آخر. لكن هذا لا يمنعني من الثناء على أعمال أخذت عن رواياتي مثل مسلسل" في كل أسبوع يوم جمعة" أو فيلم "الصياد واليمام" وكذلك لا يمنعني من القول إن حالنا السينمائي ليس بخير، بسبب ابتعاد السينما عن الرواية التي كانت ولا زالت رافدها الأعظم عبر التاريخ. انظر إلى زمن الخمسينات والستينات حين كانت مصر فيه هوليوود الشرق، وكم عدد الأفلام التي أخذت عن روايات لإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ وغيرهم. نحن في تراجع شديد للأسف.

6- في روايتك " حامل الصحف القديمة " تبيّن انك مسكون بهاجس نقد مرحلة " ثورة يناير وما بعدها" هل تفكّر اليوم في نقد مباشر لأحوال مصر من منظور فانتازي ؟

- حال مصر لا يغيب عني والفنتازيا أجمل طرق التعبير والنجاة من المباشرة السياسية. لدي رواية قبلها بعنوان "قطط العام الفائت" عن ثورة من ثورات الربيع العربي قامت في بلد لا اسم له على الخريطة، تعكس كل ماجري اثناء وقبل ثورة يناير في مصر، ومن وقفوا معها أو ضدها بشكل سحري. ولدي رواية هي" السايكلوب" عن شخصية تعود من رواية " هنا القاهرة" التي جرت احداثها في سبعينات القرن الماضي، لتجد بلدا آخر وثورة وأحداثا خيالية لم تخطر على بال العائد، فيترك الرواية الجديدة ويعود لروايته الأولي وهكذا.

7- نلاحظ في مجمل أعمالك الروائية اعتماد الواقعيّة الاجتماعيّة وملامستك الفانتازيا هل تفكر في كتابة رواية فانتازية بعيدًا من أي خلفية واقعيّة؟

- الفانتازيا ليست أمرا جديدا عليْ. في السبعينيات كنت مثل كثيرين منتميا إلى حزب شيوعي سري هو الحزب الشيوعي المصري. كنت كلما كتبت قصة قصيرة أجد الحديث السياسي المباشر يقفز إليها فأمزقها. شرحت ذلك بالتفصيل في كتابي" ما وراء الكتابة.. تجربتي مع الإبداع" قررت أن ابتعد عن العمل السياسي المنظم الذي يشغل كل وقتي. بدأت أكتب في رواية "المسافات، وكان ذلك عم 1978. قفزت ثقافتي التي اضاعتها الانتماءات السياسية. ثقافتي في الانثروبولوجيا والأدب الشعبي والخيال. كنت اتوقف عن الكتابة وأقول وجدتها وجدتها. رواية حافلة بالأساطير من خيالي، صعب جدا أن تجد فيها أكثر من اسطورة، جاءت في كتب من قبل. تأخرت في كتابة الرواية ثلاث سنوات بسبب سفري عاما للعمل في المملكة السعودية. ظهرت ترجمة "مائة عام من العزلة" فقلت يا إلهي سيقولون إني تأثرت بماركيز. واقسم بالله كانت الفانتازيا وراءها ما أوضحت. من يومها لازمتني الواقعية السحرية حتى أني اثناء الكتابة لا أعرف ما الواقع وما الخيال. تستطيع أن تتبع ذلك في رواياتي، وللقارئ ففي كتابي الذي أشرت إليه" ما وراء الكتابة.. تجربتي مع الإبداع" ما يكفي من شرح وراء الكثير من رواياتي.

8- وصف الروائي السوري حنّا مينة الرواية بأنّها ديوان العرب؟ هل فعلًا استطاعت الرواية تحييد الشعر عن الواجهة؟

- الرواية ديوان العالم كله منذ ما جرى فيه من تغيرات وخاصة منذ السبعينيات. في مصر مثلا حدثت تغيرات كثيرة بعد حرب أكتوبر في الحياة السياسية والاجتماعية، حتى أني كتبت وقتها في منتصف السبعينيات في أحد مقالاتي، أن الرواية قادمة بقوة. لم تؤثر الرواية سلبا على الشعر، لكنه الشعر تطور إلى قصيدة النثر التي تحتاج انفرادا بها بعيد عن الآخرين، فلم تعد الشفاهية القائمة على الوزن والقافية التي ينصت لها المحتشدون قائمة. ولدينا شعراء في مصر والعالم العربي لا يقلون عددا وقيمة عن الروائيين، لكنه التلقي الذي اختلف، والمقولة التي لا يزال يصدقها الجميع عن زمن الرواية، والجوائز الغزيرة للرواية لا للشعر.

9- بين روائي الانسان والواقع وروائي مصر أيّ صفة أقرب لعقلك وقلبك؟

- الأقرب إلى قلبي ما يقرره القراء كيفما كان. أنا متعتي الكبرى هي في الكتابة لا الألقاب.

10- هل هناك عمل روائي مرتقب؟

- هناك عمل قيد النشر لكني لا أحب أن اتحدث عن عمل لي إلا بعد نشره.

11- ما هو معدل قراءتك من ناحية عدد الصفحات بشكل يومي والى أي كتب تميل؟

 - كنت اقرأ كتابين أو أكثر كل أسبوع. الآن كتاب واحد بحكم العمر، وأميل الي الكتب الفكرية لأستعيد قدرتي العقلية، بعد ما مر بي من محن صحية، وعادة اكتب عنها مقالاتي. إذن ما اقرأه كل يوم حوالي خمسين صفحة.