استمعُ إلى عزفها وأفكر أنْ ليست الرِقة عندها مرادفاً للضعف، ولا تعني الرهافة في نقرات الأوتار غياباً للزخم، وليست المقطوعات المعزوفة مجرد تكنيك لإثبات براعةٍ ومهارة آليّة؛ بل هي مؤلفاتٌ مكثفة ترسم من خلالها العازفة السورية رحاب عازار خطوطاً فكرية تنسج بها معرفةً وموقفاً تجاه الحياة وبعض الموضوعات التي تهمها شخصياً مثل: الكفاح الإنساني وتشعبات العوالم الداخلية للإنسان، حاجته إلى الخيال وعلاقته مع الزمن والطبيعة، الحنين والأمنيات والقدر، وهذه العناصر كلها تتفاعل ضمن هاجس رحاب في صناعة موسيقا جديدة ومختلفة.
جيناتُ الإبداع عندها استمدتها من والدها سمير عازار الموسيقي وصانع الآلات الموسيقية ووالدتها السيدة ربى بطيخ وكلاهما كانا في فرقة حمص لإحياء التراث، وتشاركت في تلك الروح المبدعة مع أخيها المصور الفوتوغرافي وعازف البزق جواد عازار... كما سنجد أن نسغَ الخلق الفني عميقاً في روحها تحتضنه برهافة عاشقة، حين تتحدث مثلاً كيف تهزها تلك النغمة الفولكلورية العميقة المعجونة في أغنية "شفتك يا جفلة" كأنهما (رحاب ولحن الأغنية) روحان في جسدٍ واحد!
لكن عازار تذهب في رحلتها الموسيقية نحو فضاء أوسعَ لكن ليس غريباً، فضاءٍ أرحبَ من الفولكلور على أهميته؛ يجمع المؤثرات المختلفة في حياتها الموسيقية بدءاً بالتراث العربي الذي سمعته في بيت العائلة كطفلة مروراً بالدراسة في المعهد العالي للموسيقا بدمشق على أيدي أساتذة وموسيقيين مثل الأذربيجاني عسكر علي أكبر، والسوريين محمد عثمان، عصام رافع، وأيمن الجسري، ومسيرتها مع "فرفة التخت النسائي الشرقي السوري" بين عامي 2006 و2015، وهو العام الذي انتقلت فيه إلى المملكة المتحدة بموجب منحة دراسية للحصول على درجة الماجستير في التربية الموسيقية من معهد التربية (IOE) التابع لكلية لندن الجامعية.(UCL)
تحليقُها الموسيقي ذاك جعل "مجلس الفنون في إنجلترا" (Arts Council England) يصنفها كموسيقية ذات "موهبة استثنائية واعدة" عام 2016، مما أتاح لها مواصلة العمل في بريطانيا، لتكمل مسيرة ازدادت غنى بالاحتكاك بأنماط موسيقية مختلفة وصولاً إلى إصدار ألبومها الأول.
موقع "شغف" التقاها لنستمع منها إلى نغماتٍ وكلمات...
*أنت من عائلة فنية مميزة.. برأيك وإلى جانب الفكرة التي تقول بتأثير بيئة المبدع عليه... هل للفن اليوم قدرة على التغيير نحو الأفضل في زمن الحروب.. هل صوتُ العود عالٍ وسط هذا القصف وأزيز الرصاص؟!
**يؤثر الفن بطرق يصعب عليّ حصرها، لكنني أستطيع القول إن الفن بدوره الإيجابي يحرض الإنسان على اكتشاف ومعالجة مشاعر وأفكار لديه ربما لم يكن على وعي بوجودها، وعندما تخرج تلك الأفكار والمشاعر من الظل إلى الوعي يحدث النمو النفسي، وتتحول طاقاتٌ لها القدرة الكبيرة على فعلِ الأذى وشلِّ عالم الإنسان الداخلي ككائن اجتماعي؛ تتحول إلى طاقاتٍ إيجابية وصِلاتٍ تربطه بذاته وبالعالم حوله، أي عكس الحالة التي تدفعه إلى الإنكماش والإقصاء والعنف.
بالتأكيد هناك الدور المهم الذي تلعبه الفنون في حفظ الذاكرة الجمعية، تعزيز الشعور بالانتماء، وتوثيق الواقع والمقاومة السلمية.
هناك مقولة أحبها للروائي ميلان كونديرا: "صراعُ الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان"، والفن الجيد يساعدنا على أن نتذكر وأن نكون أحراراً أكثر، لذلك إن مِن أولى الأشياء التي تفعلها أي سلطة فارغة من مشروع بناء مجتمعي حقيقي هي إهمال الفن الهادف العميق أو محاربته سواء في وقت الحروب أو قبلها أو بعدها.
* يقول البعض: "قد لا يكون كل عازفٍ جيد؛ معلماً جيداً بالضرورة! أنتِ درستِ في لندن ماجستير في تعليم الموسيقا… كيف أفادتك هذه الدراسة في تعميق اختصاصك (عزف العود)؟ وهل تطمحين لتدريس آلة العود لاحقا؟
**دراستي سمحت لي بالتعرف على فلسفات وطرق متنوعة في التعليم وأدوار مختلفة يقوم بها في حياة الفرد والمجتمع. بالنسبة لي هناك دائماً أسئلة أحاول أن أبقيها مضاءة في ذهني: ما الهدف الأوسع من أي مادة يتم تعليمها؟ ما هي الآثار التي تفعلها في نفس شخص ما وفي رؤيته وتفاعله مع العالم من حوله؟ بالإضافة إلى: ما سبب اختيار طرق معينة دون أخرى في موقعٍ ما، في تعليم شيءٍ ما، وما أثر ذلك أيضاً؟ السؤال الأهم برأيي: ماذا يحتاج المتعلم من الموسيقا وكيف أشجعه على إمساك زمام مسيرته في التعلم والاكتشاف؟ لذلك إن تعليم الموسيقا هو مسؤولية كبيرة، فالتفاعل معها يتم في أعماق الإنسان ويتشابك مع أمور شعورية ونفسية، وعندما يتم بشكل متنور ومقصود فهو يكوّن نموذجاً لحالة تفاعلية صحية.
أما من ناحية أثر هذه الدراسة بالتحديد على عزفي للعود، ربما أصبحتُ أختار ما أعزفه في مكان ما أو مناسبة ما بشكل أكثر عمقاً، وساعدتني في أن أفهم أهمية الأبعاد الأخرى لآلتي كأداةٍ ثقافية ووسيلة تواصل وكجزء أصيل من هوية. لكن التأثير الأكبر للدراسة بالطبع كان على دوري كمعلمة موسيقا للأطفال في عدة مدارس في لندن، من ناحية الوعي بتلك النقاط التي ذكرتها، وإيجاد مساحة أكثر تفاعلية ومرح وإبداع بيني وبين الطلاب.
حالياً ليس عندي نية العودة إلى تدريس العود. فظروف عملي تجعلني أرغب أن أخصص أوقات العود حصراً للتمرين وتأليف موسيقا جديدة.
*ليس من السهل أبداً ابتكار أسلوب خاص بالعزف وسط عشرات الأسماء اللامعة والمميزة؛ لكنك فعلتِ برأيي... هل الأسلوب مرتبط بالمهارة والتكنيك أم بالأفكار خلف المقطوعات وأحلام العازف؟
**الحقيقة أن أسلوبي يتحول مع تحول تجربتي واهتماماتي وأحياناً مع بعض ظروف العمل، لكن هو دائماً يتجول باحثاً في المساحات التقنية والشعورية والفكرية و حال العالم من حولي في وقت واحد، وأعتقد أن هذا ما يميزه بشكل كبير، بالإضافة إلى الإصرار على الجديد والمختلف من ناحية الصياغة والتوزيع.
*ولماذا لا نشاهد عازفات سولو كثيرات وشهيرات كما هو الحال مع وجود عازفي عود إفراديين كُثر ومشهورين؟ بمعنى هل الأمر متعلق بآلات تناسب الذكور وآلات تناسب الإناث... أم بجمهور عربي ليس لديه ثقة بأن "عازفة عود" ستدهشه... أم ماذا بالضبط؟!
**أولاً، الأهميةُ ليست بالعدد دائماً، كما إن الشهرة الأكبر لا تعني الأفضلية دائماً، هي تعني نفوذ أكبر بشكل أساسي، نفوذ إلى دوائر أغلبيتها العظمى -إن لم يكن جميعها- يحركها الذكور والتفكير الذكوري والنظرة "الأبوية" Patriarchy سواء عن وعي أو غير وعي. وموضوع هيمنة الظهور الذكوري هو شيء متفشٍّ منذ زمن بعيد في كل نواحي الحياة، وفي كل بلاد العالم بدرجات مختلفة، لكن ليست هذه هي المشكلة الوحيدة. المشكلة الأعمق هي أن عقل المستمع "ذكوريِّ التفكير" يمنعُهُ من تلقّي نتاج النساء بنفس الانفتاح والفضول الذي يتلقى بهما نتاج الذكور. إن العنف والإقصاء الذكوري موجودان حتى في طريقة سماع الموسيقى و في كثير من الأحيان في أخذ قرار مسبق أصلا" بعدم سماعها، لذلك لا جواب عندي خارج هذه النقطة. الوهم المسبق بالأفضلية الذكورية هي آفة مستشرية وهي شيء تراجيدي ومضحك في الوقت ذاته.
*أنضجتِ مشروعَكِ وتوّجتِه بألبوم أسميتِهِ "هندباء/Dandelion" أو باللهجة الشامية "هِندبة"... وبخصوص عنوان الألبوم، وحتى عناوين المقطوعات الفرعية: (أسئلة، سيرة ذاتية لفقاعة، جاذبية الوقت، رمل وجذور، براعم...) كأنك اخترتِ ما يشبه رِقّتك الشخصية أم هي عناوين نابعة من فكرتك عمّا يجب أن يكون عليه شكل وجودك/وجودنا في هذه الحياة من قبيل: "إن الزهور الرقيقة بين قواطع السكك الحديدية هي من يجرؤ على الوقوف في وجه القاطرة الهادرة!"؟
**أعتقد أن ما نستطيع رؤيته في العالم يعكس تجربتنا الشخصية. العالم حولنا يحتوي مجازات جميلة، والمجازات بالنسبة لي تكشف عمقاً أكبر لأي فكرة لأنها تحافظ معها على الارتباط المستمر بالحقيقة الحسية المعاشة وتحميها من الزوال في الإطار الجاف المجرد أو الفكري البحت.
"الهندبة" نباتٌ ملهمٌ لي لأنه قادر على إعطاء الجمال والقوة والإفادة رغم أنه ينبت في أغرب الأماكن وبقليل جداً من الموارد. الهندبة رمز لرحلة موسيقا الألبوم المكافحة التي كتبتها وآمنت بها في ظروف حياتية صعبة بما كان يتبقى لي من وقت وطاقة بعد أن أكون تقريباً قد استُنزِفتُ في العمل اليومي و تأمين سبل العيش، في حياة الاغتراب، وفي غياب تشجيع حقيقي من العالم الخارجي.
*يوجد في الألبوم مقطوعة إهداء إلى روح الراحل عازف البزق الشاب إياد عثمان... لماذا إياد تحديداً؟ وما الذي تعنيه فكرة تكريم الأصدقاء بمقطوعة موسيقية بعد رحيلهم؟
**إياد عثمان موسيقي استثنائي و صديق عزيز. كان من الموسيقيين الأكثر إبداعاً ووعداً في جيلنا، وكان يعزف ويؤلف بأسلوب شيق فيه توازن نادر بين التقنية والألوان والذائقة المرهفة في نفس الوقت. أهديتُ ألبومي لإياد لأنه توفي عندما كان يعمل على ألبومه الأول وقبل أن ينتهي من إنجازه. وفاة إياد أشعرتني بمسؤولية أكبر تجاه الموسيقا التي أكتبها لأنني شعرت أنه عندما يَحرِم القدرُ موسيقياً كإياد من الاستمرار، فيجب أن يتعامل من عرفوه مع استمرارهم الشخصي بمسؤولية أكبر وبشعور أن استمرارهم ليس شخصياً فقط؛ بل هو استمرار للمبادئ الجمالية التي أخلص لها فنانون ملهمون وأشخاص أعزاء من قبل.
*حدثينا أكثر عن تأليفك و توزيعك للألبوم والذي يضم آلات العود و الكمان و التشيللو و الإيقاع.. عن ظروف الإنتاج والتسجيل وكيف كانت أجواء التواصل بين الموسيقيين؟
**مكنتني منحة من آفاق (الصندوق العربي للفنون والثقافة) من إنتاج الألبوم. كنت قد ألفت دور العود لمعظم المقطوعات وكنت أنوي أن أكتب أدواراً للكونترباص والإيقاع لكن صدفة جميلة غيرت الخطة، وهي أنني دُعيت من قبل مجموعة موسيقية في كندا لعزف أي موسيقا أختارها وأوزعها بنفسي. الآلات التي دعوني لأعزف معها هي الكمان (أندرو تشنغ)، التشيللو (بين بولت-مارتن) والإيقاع (غراهام هارغروف) فبدأت بتوزيع الموسيقا التي كتبتها لهذه التشكيلة، وقررت أن أستغل الفرصة لتسجيل الوتريات في كندا خلال أسبوع العرض نفسه، بعد أن كنت سجلت العود في لندن. الإيقاع سُجل عن بعد من قبل الصديق فراس حسن في بلجيكا. عملية الإنتاج كانت صعبة وطويلة وممتعة في الوقت نفسه، تعلمت الكثير عن التسجيل والتحرير وخطوات الانتاج وأهمية الميكسينغ والماسترينغ، حتى تصميم الغلاف قمت به بنفسي. العازفون كانوا رائعين في إتقان الأدوار وفي التكيف مع طريقتي في التسجيل. أما عمليتا المكساج (إيان ديين) والماسترينغ (كلارا آراوهو) فقد تمّتا في البرتغال بعد تجريب وبحث طويل عن أشخاص يستطيعون أن يفهموا تخيّلي للصوت الذي أريده في الألبوم والتوازن والاندماج بين الآلات.
*وماذا عن انتشار وتوزيع وتسويق الألبوم عند المستمعين العرب والسوريين خصوصاً... هل فكّرتِ في ذلك؟ هل لاقى الصدى المأمول عندك؟
**الألبوم موجود على موقع اسمه: باندكامب
https://rihabazar.bandcamp.com/album/dandelion
وهو موقع يمكن الاستماع عليه مجاناً لعدد محدود من المرات من جميع أنحاء العالم، ولعدد غير محدود من خلال شراء الألبوم. المتابعون في سورية وكل مكان يعلمون أنني أستطيع إعطاءهم codes للاستماع إلى الألبوم مجاناً وهذه كانت إحدى الوسائل التي عرضتها ونجحت في تسهيل استماع الألبوم والاحتفاظ به لعدد من المهتمين. لا يوجد سيديات مطبوعة لأسباب تتعلق باعتبارات بيئية ومادية، والألبوم حالياً غير متاح على منصات ال streaming لأنها بالمجمل مجحفة بحق الموسيقيين، وبعضها له ارتباطات مالية وسياسية مؤذية، بالإضافة إلى أن تحميل الموسيقا عليها يتضمن إعطاء حقوق لمعالجتها من خلال الذكاء الاصطناعي مثلاً وهو شيء لا أود الموافقة عليه حالياً.
للأسف، من غير السهل إصدار ألبوم موسيقي بشكل مستقل ومن دون شركة نشر؛ لكن بالنسبة لي حاولت أن أجمع بين الانتشار وشيءٍ من المردود المادي. ربما أكون مقصرة في التوجه للجمهور الناطق بالعربية بحكم مشاغل العمل اليومي و محدودية الوقت الذي يمكن أن أخصصه للتسويق بنفسي.
كل الحب و الشكر الجزيل للمستمعين في كل مكان.
الأكثر قراءة
ما من أحدٍ يوقظني في الصباح!
عزت القمحاوي لـ" شغف": كل شخصية تفضح جزءا من كاتبها
حبّ متأخّر جدًّا
مستر نون لـ"نجوى بركات"... الكتابة في مواجهة الذات
الكلمات المفتاحية
- فن فن 46
- شغف شغف 39
- سيرة ذاتية سيرة ذاتية 32
- فنان تشكيلي فنان تشكيلي 21
- شعر شعر 20
- الأدب الأدب 18
- رواية رواية 14
- الانسان الانسان 7
- العالم العربي العالم العربي 7
- أوراق ملونة أوراق ملونة 6
- نثر نثر 6
- لبنان لبنان 6
- سوريا سوريا 5
- اللغة العربيّة اللغة العربيّة 5
- ألوان ألوان 5
- العالم العالم 5
- العقل العقل 4
- مقالة مقالة 4
- الدين الدين 4
- الكويت الكويت 4
آخر المقالات
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا
عنوان المقالة الصادرة حديثا