تحميل موقع شغف

مدينةٌ ترقص مُشوّشة الساقين

مدينةٌ ترقص مُشوّشة الساقين

في عينيّ المدينةُ مُترعةُ السرابِ، 

يَسقطُ الوقتُ كريشةٍ تحتَ أسنّةِ الغيمِ، 

وفي صدريَ يرقصُ سادنُ الغجرِ

 فوق زجاجٍ مُرصّعٍ بالنار.

·         

 يتحمّم العصفورُ

برجليهِ في فسقيّةِ التمثالِ

تسقطُ وردةٌ من يدِ طفلٍ

عنوةً في الماءِ

يخرج اللصوصُ من زاويةٍ

في المشهدِ الأخيرِ

يصرخ رجلٌ في الشمسِ

بقوةِ جنديٍّ يُطلق الرصاصَ

في الفراغِ المطلق

تتجرد الشجرةُ من ظلّها البائسِ

تخرج امرأةٌ من جلدها المدبوغِ بالبويا

ترصّ المدينةُ أمواتها بانتظامٍ؛

يسيئ لسمعتها

تأتي عِظةٌ من الكاهنِ المعزولِ

في خلوته

وهي تجرّ عربةً من المعدمين،

بلا خيولٍ..

تحملُ أقفاصًا مِن الذين فاتتهم

حفلةُ التعميدِ

دون أن يحظَوْا بدعواتٍ مجانية!

-

 

 

طفتُ بكل مجدٍ هو لكِ

أيتها اللاقداسة بعد شرورها

الموشومةِ بالطقسِ البارد:

موجةُ البحرِ في خصامِ أبيها

قاربُ الصيد يغفو، بامتثالٍ يُعارض صاحبه:

على جفافِ الشاطئ،

والساعةُ الرميلةُ تحظى بنومٍ

يتبرجُ للخروجِ يومه الأول

في زينةِ الذبح لعيدِ النُّوةِ القادم

 

 

طفتُ بالخسائرِ المعروضةِ في الأسواقِ

أيتها التي صنيعة أسفار نهْرِك

صنيعة الذين جازوا البحرَ

بغير ربٍّ يسترُ الصدورَ المكشوفةَ للرماحِ

لأغبرةِ الشظايا

لأرياشِ السهامِ

الملثومةِ بالسُمِّ

والقار.

-

 

 

كأنّي أريد ليدكِ أن تكون نبيّةً؛

تُطلقُ سراحَ الطير من أقفاصِ الضوءِ،

لتَرقصَ، عاريةً،

على أنقاضِ من كان يُسمّى يقينًا. ولم يعد!

 

يُصدّقها المغلوبون على أمرهم

يُرسلها الباعةُ في السوقِ؛

لتحسسِّ الأسعارِ

قبل أن تُلهبَ ظهرَ العجَزةِ

قبل أن تتركَ المصلّين عُراةَ المآذنِ في النواصي

والسابقين على سِرقةِ الفُلِّ قبلَ قِطافهِ

والذين نووا الخبزَ على وضوءِ بطونهم

"لا حسرةً في الجوعِ غير أن تكسر رأس مفجوع!"

-

 

صباحُك باردُ اللذة

لا يروي ظمأ الأمكنةِ، 

للفصولِ، وللضوءِ، وللأغاني القديمةْ

 

هواء البحر بلا رائحة يود معقم

أصوات الترام، أجراسٌ بعيدةٌ

صخبُ البشر الملعونين بالسفر

الحوائط تتنفس.. تتحرك.. تراقب.. ترصد.. تتوعد.. تتوهج.. تتناثر.. تتباعد.. تتقرب.. تشيط غضبًا، وربّةُ الأمواجِ تُفسّر نفسَها للماءِ.. تُغيّر الحصواتِ على القواقعِ المنسيّةِ في القناني الفارغة.

وتقوم بذاتها للناس على مِللٍ ونِحَل.

 

 

كل شيء هنا يستحلّ النبشَ في الذاكرة   

كأن المدينة تعرفني،

وفي انتظارِ الكأسِ تكسرها المُدام 

فهل أنا ضيفٌ     -يستهِلّ ولادتَه،

أم طُعمُ شصٍّ لقّنوه اصطيادَ الغمام؟

·        

 

قميصي القديم، بقعته الصفراء/ نصفُ مرآةٍ تعكس الأبيض والأسود في الذكريات. 

أجلس، لا ظل لي في الأمام/ في الخلف/ في العدم.. أطرح عدة أسئلةٍ بريئة.. ولا شيء يُجبر الخاطرَ بالكلام!

 

 

ثم يظهر رجلٌ، ببدلته الرسمية الأنيقة

بصوته الباردِ كالثلجِ

 

بملامحِ الموتِ الصارمةِ

تتحطم الأشباحُ على عتباتِ الحضور،

عند مداخل الليل الكئيب

 

(وهُنا،

عِنْدَ آخِرِ الـمَمَرِّ، 

تَحْتَ الرَّمادِ نَبْضٌ يَهْتِفُ،

يَنْتَفِضُ، 

يَثورُ حَجَرٌ عَلَى جُدرانِهِ،

يَصْرُخُ: 

"أَنَا! مَنْ أَنَا؟!")

 

 

لكنَّ ريحَ الـمدينةِ تسْرِقُ النَّبْضَ.. تزْرعُ فِي الشَّرايينِ أُغْنِيَةَ السُّكوتِ/الوَسَنَ الـمخمليَّ فِي الـمفاصلِ، والتهاباتِ الأصابِعِ فِي فَهْمِ الطريق. 

 

ترميهِ في لُججِ الغبارِ، تُمزِّقه   

 يُصَلِّي لِنَجْمَةٍ تَاهَتْ فِي كَنَفِ الغَيْمِ، 

يَحْمِلُ الوَجَعُ تَرَاتِيلَهُ الـمُنْهَارَةَ، 

يَتَصَبَّبُ الدَّمْعُ..

       يَتَشَكَّلُ فِيهِ: 

سَرِيرٌ لِلوَحْدَةِ الْقُصْوَى، 

مِزْهَرِيَّةٌ لِصَوْتٍ في العدم.. 

ولا شيء لي،

     سوى أن أكون "أنا".

 

مشاركة: