تحميل موقع شغف

معركة لا يربحها أحد

معركة لا يربحها أحد

يكتشف المرءُ أحياناً أن الفقد لا يحدُث في اللحظة التي يغادر فيها الأحبّة، وإنما في اللحظات اللاحقة، حين يعود إلى عاداته القديمة فلا يجدهم هناك. يدخل المكان نفسه، ويجلس إلى الطاولة نفسها، ويعبُر الطريق الذي اعتاد عبوره معهم، ثم يُفاجأ بأن كل شيء يبدو كما هو، فيما شيءٌ جوهريٌّ قد انزاح من العالم. عندها فقط يدرك أن الغياب لا يترك أثره في الوجوه وحدها، وإنما يمتدّ إلى الأشياء، وإلى الأمكنة، وإلى التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عاديةً إلى حد أنها لم تكن تستحق الالتفات.

أذكر أنني سمعتُ يوماً أن بعض أنواع الفقد لا يعادلها أي فقد آخر. لم أتوقف عندها طويلاً في ذلك الوقت، ثم رأيت الحياة وهي تقدم شواهدها الكثيرة، فعرفت أن التجارب الإنسانية ليست متشابهة كما نتصوّر. هناك خسارات نتجاوزها مع الأيام، وخسارات نتعلم التعايش معها، وخسارات أخرى تستقر في مكان عميق من الروح، فلا تغادره مهما امتد الزمن. وهي لا تفعل ذلك لأنها أكبر أو أشد قسوة فحسب، وإنما لأنها ترتبط بجزء من ذواتنا كان يعيش من خلال وجود شخص معين أو علاقة معينة أو حتى مرحلة كاملة من العمر.

لهذا يبدو الحديث عن النسيان أحياناً حديثاً مبالغاً في تفاؤله. فالذاكرة لا تعمل وفق رغباتنا، وهي لا تستجيب للأوامر. قد نقرّر أن نطوي صفحة ما، ثم يكفي أن تمر أغنية قديمة أو رائحة عابرة أو صورة منسيّة حتى تنفتح الصفحة من جديد بكل ما فيها. وكأن الزمن يمضي على السطح، فيما تحت السطح تبقى أشياء كثيرة محتفظة بحرارتها الأولى.

ومن غرائب الفقد أنه يعيد تشكيل علاقتنا بالأماكن، فالمكان الذي كان ممتلئاً بالحياة قد يتحوّل إلى مساحة محايدة بعد رحيل من كان يمنحه معناه. والمقهى الذي شهد أحاديث طويلة يفقد شيئاً من روحه. والبيت الذي كان يضجّ بالحركة يصبح أكثر اتساعاً من حجمه الحقيقي. ليست الجدران هي التي تتغيّر، وإنما المعنى الذي كنا نعلقه عليها، فالأماكن في النهاية لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما بمن مرّوا بها وتركوا شيئاً من أصواتهم وضحكاتهم وذكرياتهم.

وقد يكون أكثر ما يرهق في الفقد أنه يضعنا أمام حدود قدرتنا على الإصلاح. هناك أشياء كثيرة يمكن تعويضها في الحياة؛ وظيفة تضيع فنبحث عن أخرى، ومال ينقص فنحاول استعادته، وفرصة تفوّت فتأتي فرصة جديدة. أما بعض العلاقات وبعض الوجوه وبعض الأصوات فتنتمي إلى منطقة مختلفة تماماً. وحين تغيب، يكتشف المرء أن الحياة لا تقدّم بدائل بقدر ما تقدم أشكالاً جديدة من التعايش مع الغياب.

مع ذلك، قيمة المحبة تظهر هنا تحديداً. فما يتركه الأحبة خلفهم لا يقتصر على الحزن. هناك ميراث خفي يبقى فينا؛ طريقة في النظر إلى الأشياء، أو جملة اعتدنا سماعها، أو عادة صغيرة اكتسبناها منهم. وكثيراً ما نُفاجأ بأن الذين رحلوا يواصلون حضورهم عبر ما تركوه في أرواحنا من أثر. قد يغيب الجسد، وقد تنقطع اللقاءات، غير أن بعض الأشخاص ينجحون، من حيث لا يقصدون، في أن يصبحوا جزءاً من تكويننا الداخلي.

ولعل النضج الحقيقي لا يتمثل في الانتصار على الفقد، فهذه معركةٌ لا يربحها أحد، وإنما في القدرة على حمله بكرامة. أن نعترف بالألم من دون أن نحوّله إلى إقامة دائمة، وأن نحفظ الذكرى من دون أن نتوقّف عندها، وأن نواصل السير فيما نعرف أن مقاعد كثيرة على الطريق ستبقى فارغة.

تمضي الحياة على عادتها القديمة، تفتح أبواباً وتغلق أخرى، وتمنح وتأخذ، وتجمع وتفرّق. غير أن بعض الغيابات تظل قادرة على تعليمنا ما تعجز عنه الكتب والتجارب العابرة. تعلّمنا هشاشة الوجود، وتعلمنا قيمة اللحظات التي نظنها عادية، وتذكرنا بأن أعظم ما نملكه في هذه الرحلة القصيرة ليس ما نجمعه من أشياء، وإنما من نشاركهم الطريق. وحين نفقد أحدهم، لا ينقص عدد الأشخاص حولنا فقط، وإنما يتغيّر شكل العالم نفسه، ويحتاج القلب إلى وقت طويل كي يتعرّف إلى تضاريسه الجديدة.

 

المصدر: العربي الجديد

مشاركة: