تحميل موقع شغف

يوسف عبدلكي لـ" شغف ": حرفة الحفر خيار اجتماعي وسياسي

يوسف عبدلكي لـ" شغف ": حرفة الحفر خيار اجتماعي وسياسي

يُقال أن نص الكاتب، هو شخصه بشكلٍ أو بآخر، ويمكن القول: أن العمل التشكيلي هو صاحبه أيضاً، والفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي هو واحد من هؤلاء الفنانين الذين يمكن  أن تقرأ مسيرة حياتهم من خلال فنهم. عانى مرارة الاغتراب في منفاه الباريسي، وظلّ يرسم للوطن الذي يحنُّ إلى جاراته وناسه وكل زاوية من زواياه. يوسف عبدلكي واحد من أكثر الحفّارين المشاكسين  في عالمنا العربي، ورسّام الكاريكاتير المعروف، يتحدّث في هذا الحوار المفتوح عن ذاكرته، وتطوّر تجاربه الإنسانية والفنية في الوطن والمنفى.

-    من أخطر القراءات الفنيّة هي الوقوع في فخ تبسيط اللوحة، برأيك هل المشكلة لدى المتلقّي أو بالنظريات النقديّة الفنيّة السائدة؟

 

 

** أعتقد أن كل عمل فني يختزن كمّاً هائلاً من العناصر. منها ما يعود إلى ذاكرة الرسّام البعيدة، ومنها ما يعود إلى ذاكرته القريبة. منها ما يعود إلى ثقافته، ومنها ما يعود إلى تفاعلات حياته الحاضرة. منها أيضاً ما يعود إلى خبرته المتراكمة، ومنها ما يعود إلى غريزته غير الممكنة الإحاطة.. كل هذه العجينة، يمكن أن تنقذ أي عمل مما بدا في شكله الخارجي: بسيطاً، أو مبسّطاً.

أما قراءة العمل نفسه، فهذا يحتاج دائماً إلى عنصرين: عنصر العمل بحدّ ذاته، ككيان مستقل حتى عن الرسّام، وعنصر آخر هو: عين المشاهد وخبراتها وتفاعلاتها الخاصة، وفهمها للعمل، أو لأي عمل.

في الوقت ذاته الذي ينتهي فيه الرسّام من إنجاز رسمه، أو عمله، حتى تبدأ الحياة الخاصة بهذا العمل، حياة مستقلة عن الرسّام نفسه، حياة تقيم أواصر وتفاعلات متجدّدة بشكلٍ دائم مع عدد العيون الناظرة إلى العمل الذي يتجدّد أيضاً بشكلٍ دائم. أظن أنه بدون الإحاطة بالذاكرة الجماعية للرسّام،  أو ذاكراته الفردية، لا يمكن فهم العمل الفني، أو بدء فهم العمل الفني، أو بعبارة أخرى لا يمكن الفهم الدقيق للعمل الفني.

إذا فُهمتْ، أي إذا تمّ تلمّس الذاكرة الاجتماعية للرسّام، وذاكرته الفردية الخاصة يمكن القول: أنه من هذا المنطلق، بالإمكان تلمّس العمل الفني بعمق. أقول: ممكن البدء بتلمّس العمل الفني، ذلك لأن العمل بحدّ ذاته هو أيضاً ليس فقط: ذاكرة شخصية، وذاكرة جماعية، هو أيضاً مجموعة الخبرات المتحصّلة، وكمّ الموهبة والألم المبثوث في أجزاء أي عمل.. كمّ الموهبة والألم المبثوث في كل عمل.

* هل تلعب ذاكرة يوسف عبدلكي وخلفيّته الاجتماعيّة والثقافيّة الدور الأبرز في صياغة وولادة أعماله؟

 

 

** ربما تكون شخصية والدي عبد الأحد عبدلكي، إحدى المفاتيح الرئيسية لانخراط جزء كبير من كياني في الهمّ العام، وأظن أنه قد توقفت حياته الحقيقية قبل ثلاثين عاماً من وفاته، ذلك عندما ترك العمل السياسي بالمعنى المباشر للكلمة. لقد سُجن الرجل إثنتا عشرة مرة بسبب آرائه  ومواقفه من النظام السياسي، كان آخرها عام 1958، أي بعد ست سنوات من تركه العمل الحزبي. كان جو البيت جواً فيه الكثير من روح النقد للسلطات السياسية، أياً كانت تلك السلطات، كما كان فيه درجة عالية من النقد للسلطة الدينية، ودرجة عالية من الإهمال والإزدراء لمعنى العائلة، بمعناها الواسع العشائري، أو بالأصح بمعناها الواسع (العائلة الكبيرة)، وليس فقط العائلة الصغيرة (الأطفال والأم والأب). أظن أن هذه المعطيات الثلاث صاغت بشكلٍ من الأشكال جزءاً كبيراً من منظومة أفكاري، وردود فعلي السياسية والاجتماعية تجاه ما يجري حولي في وقتٍ لاحق، ولا أظن أنه مصادفة أن تكون بدايات أعمالي في بداية السبعينيات وحتى آخرها تتركّز بشكلٍ أساسي حول مجموعات كبيرة من الأحصنة التي تتضوّع في لحظة احتجاج، وهي واقعة في الأسر تلوي أعناقها رافضةً كمّ الظلام المحيق بها. أظن أن هذه الأعمال بقدر ما كان لها علاقة بتصوراتي،  وبجملة المعطيات الاجتماعية والسياسية لفترة السبعينيات، كانت أيضاً قد قدِمت بشكلٍ أو بآخر من مخزون الذاكرة غير المرئية.

*

 

 

 

لماذا اخترت فنّ الغرافيك كتخصص وكيف جعلك هذا الأمر مشاكسًا في عالم الفن ؟

 

** فن الحفر هو أحد المنجزات الأوروبية التي سعت لأن تجعل من الفن أمراً أكثر ديمقراطية ممّا كان عليه في السابق، حين كان زبونه الأساسي هي: الكنيسة والنبلاء والملوك وأسياد القرون الأخيرة من التاريخ الأوروبي، فلقد كسر هذا الفن، أو حاول أن يكسر نخبوية النسخة الوحيدة الموجودة في اللوحة الزيتية، أو لوحة الرسم، أو لوحة الألوان المائية.. وأن يصنع من العمل الفني الواحد مجموعة من النسخ تزيد أو تنقص حسب مزاج كل حفّار، بهدف تعميم هذه  النسخ على عدد أكبر من المقتنين التقليديين، وأن يكون ذلك أيضاً بأسعار منخفضة في متناول الشرائح الأقل غنىً في المجتمع.

بهذا المعنى ليس الحفر فقط خياراً تقنياً لأي حفار، بل هو أيضاً خيار اجتماعي وسياسي، ولا يقلّل من قيمة هذا المعطى، أو هذه الفكرة، كون سوق الفن الغربية استطاعت أن تسيطر كذلك على سوق الأعمال المحفورة، مثلما سيطرت قبل ذلك على سوق العمل الوحيد، وربما تكون التجربة الفنية المكسيكية في الحفر على الخشب التي ورثت الخزّان الاجتماعي والسياسي الكبير للثورة المكسيكية عام 1910، ربما تكون هذه التجربة الفنية واحدة من أكبر، وأزهى لحظات فن الحفر الذي استطاع أن يكون بشكلٍ أو بآخر مرآة لمجتمعه، وأداة سياسية أيضاً في أيدي مثقّفي هذا المجتمع، وأداة جمال وأداة سخرية في أيدي مثقّفي وفناني هذا المجتمع. ربما لا يمكن إدراك الدور الحقيقي، أو المغزى الحقيقي لهذا الفن إلاّ في لحظات الصعود السياسي في مجتمع من المجتمعات، وهو للأسف الشديد ما لا نعيشه في واقع التجربة السياسية العربية منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

 

 

 

تميّزت في فن الكاريكاتير أيضَا، هل هذا الفنّ الرمزي والدلالي يرهقك وهل يضارب على عملك وانهماكك بباقي الفنون؟

 

** أبذل في الحقيقة مجهوداً كبيراً، ومتواصلاً كي أفصل بين عملي الأساسي في الحفر، أو الرسم بالأبيض والأسود، وبين رسوم الكاريكاتير السياسي التي أنجزها بشكلٍ يومي.

إذ لا أريد للسخرية اليومية الصحفية أن تتسرّب إلى عملي، كما لا أريد لغموض عملي وسوداويته ومفرداته الغامضة في كثير من الأحيان أن تتسرّب إلى رسومي الكاريكاتيرية، وليس مصادفةً أنني منذ عشرة أعوام تقريباً أقسّم يومي إلى يومين. قسمه الأول مكرّس للكاريكاتير، والقسم الآخر الأكبر والأطول مكرّس إلى عملي في الرسم، ذلك أن تقسيم اليوم على هذه الطريقة يساعدني على الفصل بينهما، لأنني أعتقد أن تسرّب أحدهما إلى الآخر سوف تكون له مضار لا أريدها، علماً بأنني على الصعيد التقني البحت لا شك قد أدخلت العديد من الخبرات المكتسبة في الحفر في الكاريكاتير، وربما دخل أيضاً في بعض الأحيان شيء من رشاقة الخط إلى أعمالي في مجال الحفر، لكن هذا الاختلاط التقني البحت، والحذر يبقى أمراً صغيراً، (وتحت السيطرة)، أما لماذا أريد أن أفصل بينهما، فذلك لأن أسئلة كل حقل من هذين الحقلين هي أسئلة مختلفة، وبالتالي لها قارئ مختلف، ومن العدل أن يبقى لكلٍ منهما كيانه المستقل.

 

انقسم المتلقين حول أعمالك طبيعة صامتة اعتبر بعضهم أنّ أعمالك السابقة أقوى والآخر رآها صيغة جديدة...ما رأيك؟

 

** أظن أنني موجود في أعمال الطبيعة الصامتة، كما كنت موجوداً في مجموعة الخيول، أو مجموعة الثمانينيات، أو مجموعة أشخاص. فكل رسّام، أو موسيقي، أو كاتب هو كل نتاجه، وبالتالي لا أستطيع أن أقول أن حضوري كان في مكان أكثر كثافة، أو أقل في مكان آخر.

بالطبع هناك تباينات لا تقبل اللبس بين الأعمال السابقة على مجموعة الطبيعة الصامتة، وبين هذه المجموعة، وأظن أن سبب ردود الفعل التي سمعت الكثير منها، عائد إلى عين المتلقي، أكثر مما هو عائد إلى حسّ الرسّام، أو الحفّار بحريته تجاه ما يصنع، فهو سيد ما يصنع، وعين المتلقي هي أيضاً سيدة في أن تحب أو تكره، أو تنظر بحياد.

أعتقد أن واحدة من المعضلات التي يعاني منها أي رسّام لديه هواجس تجريبية، هي أن عين المتلقي لديها ميل إلى تبسيط التعامل مع العمل الفني، بمعنى أنها تضع لكل رسام، أو كاتب، أو موسيقي خانةً، وتعتبر هذا فناناً تجريبياً، والآخر فناناً سياسياً، والرابع واقعياً، والخامس سيريالياً، والسادس لا أدري ماذا.. ثم تركن  لهذا التصنيف مستمتعةً بشي من الاسترخاء والكسل إلى أنها تعرف.. لكن أي إنسان، أو فنان، قد يكون له هواجس أخرى لا تلتقي بالضرورة مع رغبات التصنيف المبسطة هذه، وبالتالي تجد العين المتلقّية فجأة أنها مضطرة لأن تعتبر تصنيفاتها السابقة غير دقيقة، وبالتالي يفترض فيها أن تفتح لها خانة جديدة، أو تضع الفنان في أكثر من خانة، من هنا درجة الاستغراب، وأحياناً الاستهجان التي رافقت معرضي حول الطبيعة الصامتة، ومنذ عدة سنوات. بالنسبة لي الأمر مفهوم، بمعنى أنني حرّ في استخدام ما أعتقده يتجاوب مع رغباتي ومفاهيمي الجمالية في هذه اللحظة، وأيضاً أعتقد أن عين المتلقي هي حرّة في أن تعيد، أو لا تعيد تقييم العمل الجديد، تنصف، أو تتعسّف في إعادة تقييمه. هي إذن نفس المعركة القديمة بين الأسئلة والركون إلى اللاأسئلة.. بين التجريب والنوم على المنجزات السابقة.. بين التوتر الذي يعتمل في ذهن وقلب أي رسّام، وبين كسل النظرة الجماعي.

هي رغبة في آنٍ. نفس الصراع، أو نفس المعضلة في أن تكون رسّاماً، أي أن تعيد طرح الأسئلة على نفسك، وعلى عملك الفني، وبين أن لا تكون، بأن تكرّر تجاربك وتقنيتك وعناصرك وأدواتك وطريقة رؤيتك للفن، وربما حتى للحياة.

 

ما الذي يجمعك بلعبة الشطرنج وكيف تربط ولعك بها بفنّك؟

 

 

** أعود إلى نقطة بعيدة قليلاً بعلاقتي بالشطرنج، فقد كانت أول قطعة شطرنج وقعت عيناي عليها، هي القطع التي أراني إياها والدي بعد الإفراج عنه من سجن المزة.

كانت قطعة الشطرنج مصنوعة من لبّ الخبز المعجون بشعر البطانيات، نصفه (نصف  القطع) مختلط بسواد الطناجر وأباريق الشاي، ليسهل بذلك التمييز بين الأحجار السوداء والبيضاء.

بقيت هذه الأحجار البدائية الصنع مزروعة في ذاكرتي سنوات طويلة، كان والدي كثيراً ما يحدثني عنها، وكيف صنعوها وكيف عجنوها، وكم ساعة أمضوا في عجن اللبّ، وما هي التطويرات التي كانوا يضيفونها بين أسبوع وآخر، أو شهر وآخر على هذه القطع.

أذكر أنه يوم اعتقالي في 12 أيار عام 1978، أنني بدأت بعجن لبّ الخبز، وكنت في زنزانة انفرادية، وذلك بعد أربع وعشرين ساعة على وجودي فيها، وأذكر أن السجّان قد حضر لنقلي بعد يومين إلى زنزانةٍ أخرى، فاكتشفوا أن لديّ طقم شطرنج كامل لم يجفّ بعد، فاستغربوا وشتموني وصادروه.

خلال اقل من سنتين، صنعت عشرات من أطقم الشطرنج، وطوّرنا العمل فيها أنا وزملائي السجناء كثيراً، وأدخلنا كثيراً من المواد التي لم تكن متاحة قطعاً لزملاء أبي عام 1958، واستطعنا أيضاً أن نلوّن القطع بطرق أكثر فنية، وربما أكثر جمالاً، وأكثر اتقاناً من أحجار الشطرنج الكلاسيكية المتداولة في السوق، بل وحتى أحجامها كانت أكبر بما لا يُقاس.

قمع سلطات العسف، للمواطنين الأكثر جدّية تجاه قضايا بلدهم ومستقبله، وزجّهم في السجون لمنعهم من العمل الجدّي تجاه مجتمعهم، لا يحول دون تمكّن المعتقلين من الانتصار على هذا العقاب باللعب. هكذا يتحوّل الأمر الأكثر عبثية خارج السجن، إلى أمر أكثر جوهرية في داخله. (لعب الشطرنج) يتحوّل إلى حصن يدخله السجين، لكي لا يسمح لعسف السلطات أن يدخل عظامه. يدخل إلى الحقل المغناطيسي للعب، ليحميه هذا الحقل من الانهيار أمام ظلام الزنازين.

الشطرنج من جهة أخرى، هو من أكثر الألعاب صرامةً كقوانين، وكحركات، لكنه أيضاً مع كل حركة للقطعة تدخل الرقعة كلها ومجموع القطع الأخرى في وضعية جديدة. في كل مرحلة أنت أمام معطيات واحتمالات جديدة لم تكن موجودة قبل هذه الحركة.. هذا النوسان بين صرامة القواعد والاحتمالات المفتوحة في كل حركة، ربما هو الذي يجعل الشطرنج قريباً من العمل الفني، إذ رغم كل الصرامة الذهنية والتقنية التي تحكم كل عمل، فهو أيضاً محكوم في كل خط ولمسة باتجاه احتمالات جديدة، وما يحرّض الرسّام أو الحفّار على اجتراح ارتجالات مع كل خط جديد، ذلك لأن مساحة اللوحة تتحوّل إلى حقل احتمالات متواترة ومتجرّدة في كل لحظة. هذا التوازن بين الصرامة والارتجال.. بين القواعد وإلغاء الأفكار المسبقة هو ما يقرّب مستطيل اللوحة إلى مربّع الشطرنج.

*

ما سرّ اختيارك للأبيض والأسود وتدرّجهما؟

 

** أتمنّى أن لا يتم الخلط بين العمل بالأبيض والأسود، والعمل بالألوان.. ذلك لأن الرسّام لا يهدف بالحقيقة أن يعبّر عن الألوان.. كما أن الملوِّن لا يهدف بعمله أن يعبر عن الأبيض والأسود، فهما حقلين مختلفين.

الرسّامون عادة يبنون أعمالهم بالخط، وتناقضات الأبيض والأسود، بينما الملوّنين يبنون عملهم باللمسة، وتناقضات الحاد والبارد من الألوان. هذا لا يعني أن الحدود واضحة ونهائية بين الملوّنين والرسّامين، بل على العكس تماماً، ذلك أن الحدود متداخلة جداً ويكاد الجمهور والنقّاد، بل وحتى أحياناً الفنانون أنفسهم لا يدركون أياً من الفنانين هو رسّام وأيّاً منهم هو ملوِّن، كما لا يعني ذلك أن الملوّنين لم يمارسوا الرسم أو الرسامين لم يمارسوا العمل بالألوان، بل إن رساماً مثل بابلو بيكاسو قضى كل حياته وهو ملوّن. وكمية أعماله الزيتية الملوّنة، تفوق أضعاف كل أعماله، سواء منها ما ينتمي إلى النحت أو السيراميك أو الرسم أو الحفر.

أقول: الأمور مختلفة، وأقول أن درجات الاختلاف بين الرسامين والملوّنين شديدة التعدّد والتشابك، لكني أيضاً أقول: في صلب الأمر هناك من يمكن أن نعتبرهم رسّامين ،  وهناك من يمكن أن نعتبرهم ملوّنين بين الفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع السطوح  ذات البعدين. بناءً على هذا، أعتقد أنني أدركت في وقتٍ مبكّر انتمائي إلى الرسّامين، وبالتالي وبناءً على ذلك رحت أمارس الرسم بتقنياته المختلفة، سواء ما كان منه بقلم الرصاص، أو قلم الفحم، أو الحبر الصيني، أو الحفر.. إلخ.

هناك الكثير من المتابعين ممن يعتقدون أن عمل الأبيض والأسود يمكنه أن يطرح الموضوعات بشكل أكثر تعبيرية، أو أكثر مأساوية، وأظن أن هذه النظرة فيها الكثير من التبسيط. وبالتالي، فإن درجة التعبير العالية، أو درجة الحدّة، أو السوداوية، في العمل يمكن أن تتم بالحقيقة بالأبيض والأسود، كما يمكن أن تتم بالألوان، ويمكن أن تتم أيضاً بألوان فاتحة.. ذلك أن التعبير، أو التفاعلات الداخلية للفنان في حال كان لديه هذا المعطى المأساوي، يمكن أن تتمظهر بعشرات الأشكال والألوان والتقنيات، متجاوزةً تماماً هذا التقسيم المدرسي الذي ذكرته قبل قليل.

عملي في السنوات الأخيرة على الطبيعة الصامتة مثلاً، تناول موضوعات يمكن أن يكون فيها شيء من المسحة السوداوية المأساوية كرؤوس السمك المقطوعة، لكني أيضاً بنفس التقنية، تقنية أقلام الفحم، أنجزت أعمالاً أعتبرها تميل إلى شيءٍ من الفرح،  كتفّاحة تسقط في منتصف المربّع، ولا تمسّه.

 

 

 

 

كيف تقيّم تجربتك بين التأثر بثورة الشباب وفورتهم والتأمل العميق للفن؟

 

** أنظر إلى أعمالي الأولى في السبعينيات بالكثير من النقد وبشيءٍ من المحبة. المحبة لأنها أعمال البداية، والنقد لأنها أعمال ينقصها الكثير من الوضوح، والحقيقة أن هذا الأمر ليس جديداً. أذكر أن لوحتي المسماة الثلاثية »ثلاثية أيلول« التي كانت لوحة جدارية تتجاوز أربعة أو خمسة أمتار بقلم الرصاص. بدأت بتشريحاتها ونقد عناصرها وهفواتها فور انتهائي منها مباشرة، ولو لم أكن مضطراً لتقديمها كقطعة أساسية من مشروع تخرجي من كلية الفنون الجميلة بدمشق، لأعدت العمل فوراً في إعادة الشغل على نصفها على الأقل.

أقول إن  ملكة النقد تجاه العمل الخاص، هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يقي أي رسام أو كاتب أو عامل في شؤون الثقافة من الدوران حول نفسه، أو السقوط في جب الأنا الفاغر فاهه دائماً، والمنقذ الوحيد لإمكانية تطوير العمل ودخوله من سؤال إلى سؤال، ومن معضلة جمالية إلى معضلة تقنية على مدى العمر كله.

إن أعمالي في مرحلة الشباب التي أنظر إليها اليوم بكثير من النقد وشيء من المحبة لم تكن تنتمي إلى حقبة إيديولوجية تعود إلى خمس وعشرين أو ثلاثين عاماً فقط، بل تعود أيضاً إلى عمر بيولوجي للمجتمع السوري برمته (إن جاز التعبير)، كانت فيه الحياة السياسية فيها الكثير من عناصر الأمل، وكان فيها الكثير من العناصر المبشّرة بتغييرٍ ما لصالح البشر. كان ذلك قبل الدخول في حقبة الثمانينيات حيث ساد العنف والظلام وخيّم على العقول والأنفاس، ولا زالت آثاره ملموسة في انكفاء المجتمع على نفسه حتى هذه اللحظة. إذن أعمال تلك الفترة كانت أعمالاً ربما ينقصها الكثير من الخبرة، لكنها كانت أيضاً.. بل كانت أيضاً قرينة قلّة الخبرة الشخصية وبنت الآمال السياسية المشروعة بالسبعينيات.

* هل ترى في أعمالك الأخيرة عمقًا أكثر في الفنّ  ما العلاقة بين الصمت والأمل فيها؟

** تقوم التجربة الأخيرة بأسرها منذ خمسة قرون على تنظيم ديناميكيات وحركيات المساحة ذات البعدين في التصوير الزيتي، والعمل في ذلك يأتي مِنْ قطْع اللوحة التي ابتكر لها قياساً على الإنجازات الميدانية (القطع الذهبي)، وهو قطع قادم أصلاً من  الرياضيات وليس من النظرة البحتة.

التجربة الفنية العربية التشكيلية بمعناها الذي نعرفه اليوم جاءت نتيجة الاحتكاك المباشر مع اللوحة الأوروبية مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وانخرط المئات وربما الألوف من الفنانين في مسعى لتملّك تقنيات لوحة الحامل الأوروبية، غير أن التجربة التشكيلية العربية أو الشرقية، لديها نواظم أخرى تلتقي لقاءً كبيراً في الكثير من جوانبها، وليس في كل جوانبها مع التجربة والفلسفة الصوفية، مع التعامل مع الخارج بصوت وسكون لا يمكن، أو لا يروق للتجربة الصوفية الإجابة على اعتداء حركة الخارج بالدفاع الحركي، بل تجيب على اعتداء حركة الخارج بالصوت، بـ لا.. بالسكوت باللاحركة في أعمال الطبيعة الجامدة، التي أنخرطَ فيها منذ عدة أعوام شيءٌ من التعريج على هذا المسعى الصوفي. بمعنى إدراك قوة الصمت. إدراك قوة اللاحركة.. إدراك جمالية التناظر أي جمالية السكون في اللوحة ذات البعدين.

من هنا أقدمت في الكثير من أعمالي على تقسيم اللوحة إلى نصفين، وموضعت العنصر الأساسي في اللوحة في منتصف اللوحة، أي أنني أقدمت على تناظر متكرّر في تقسيم الفضاء، وتناظر آخر في موضعة الشكل في هذا الفراغ. هذه الطريقة في التفكير تعتبر لغزاً في المفاهيم الجمالية الغربية.

أنطلق في هذا العمل، من أن التجربة التشكيلية العربية أو الشرقية عموماً، لم تكن تقدِّس قوانين العمل التشكيلي في أوروبا. كانت لديها طريقة في التعاطي مع السطح أكثر بساطة وأكثر رغبة، وعصية في استعراض الجمال، أي إتيان الجمال على المسطح. ومن جهة ثانية كانت الفلسفات الصوفية معطى آخر في مرتكزات عملي للقول: بأن جماليات البناء في العمل الفني يمكن أن تكون أوروبية ويمكن أن تكون شرقية، ويمكن أن تكون قائمة على الحركة، ويمكن أن تكون أيضاً قائمة على اللاحركة.. على التناظر على السطح.. لذلك لا تنظر العين إلى عمل من أعمال (الطبيعة الصامتة) حتى تتوقف عن الدوران في أرجاء اللوحة، وهي معطى أساسي من معطيات العمل الفني الأوروبي،  بمعنى أنها لا تنتقل من يمين اللوحة إلى يسارها، ومن فوقها إلى تحتها، وإنما تدخل في عملية حوار صامت مع اللوحة.

* هل تواجدك في المنفى جعلك تفهم أكثر الفن التشكيلي السوري؟

 

** الحقيقة تواجدي في فرنسا على مدى عشرين عاماً، أو على الأصح تواجدي خارج بلدي على مدى أكثر من عشرين عاماً، أتاح لي فرصة لإعادة اكتشاف فنون منطقتي وبلدي، وعناصر جمال وقوة تلك الفنون وتلك الثقافة، بمعنى أنني قضيت كل فترة الثمانينيات وأنا دون وعي كبير مني- أتلمّس معنىً وهوية، لعملي ولوجودي. كان هذا الأمر صعباً،  وربما مستحيلاً لو بقيت في بلدي، وهكذا بدءاً بذلك المنفى عن مكانك الأول، إذ به يجعلك تنخرط فيه مثلما لا يمكن  أن يتم ذلك لو كنت في مكانك الأول نفسه.

بالنسبة للشق الآخر من السؤال.. لا أسمح لنفسي بأن ألقي أحكاماً على حركة كبيرة وغنية كالحركة الفنية في سورية، ذلك لأنني بعيد عنها بعداً كبيراً لسنوات  طويلة، غير أنه يمكن أن أسجّل بعض النقاط التي لا تعتبر تقييماً قدر ما هي معطيات خارجية وقائمة على كم جزئي من المعلومات. الملاحظة الأولى التي تخطر في ذهني هي أنني وبشكلٍ دائم أتابع (كاتالوجات) المعرض السنوي السوري الذي يشكل لوحة واسعة لعمل كل الفنانين في سورية على مدى عام. أو لوحة لعمل أغلب فناني سورية على مدى عام.

إحساسي أن هذا المعرض الذي يفترض بأن يكون الموعد الأهم السنوي للفنانين في سورية، تحوّل مع الوقت، من كونه واجهة الإبداعات التشكيلية السورية الأجمل والأرقى والأبعد في إنجازاتها وأسئلتها، لكي يصبح مكاناً لأعشار الفنانين ولهواته. وبذلك يصبح هذا المعرض مكاناً للإحباط السنوي يمارس على الفنانين المبدعين والمتميزين والجادين وذوي المواهب العالية في البلد. لذلك يتحوّل إلى مكان يمارس سطوته الإحباطية العالية على كل الفنانين الموهوبين عندما يجدون أعمالهم موضوعة على نفس المستوى مع أعمال قليلة الموهبة، لهواة لا ينتجون لوحة أو تمثالاً جديرين بالمعرض في تظاهرة هامة كهذه.

لا تعني هذه الملاحظة بالطبع التقليل من قيمة الانجازات الجميلة في الحركة الفنية السورية عموماً في السنوات العشرين الأخيرة، ولكنها تريد أن تلفت النظر إلى سوء إدارة هذه التظاهرة وإلى تأثيرها السيء الإحباطي على الحركة عموماً.

إذاً أقول: لا يمنع هذا من الإشارة إلى مجموعة المواهب التي أخذت تشغل حيزاً كبيراً في الساحة التشكيلية السورية، والتي ظهرت بعد مغادرتي سورية وأحب أن أخص بالذكر الأعمال الجميلة والمتميزة لفنانين من أمثال علي مقوّص، نزار صابور، باسم دحدوح، ومصطفى علي والعديد غيرهم، والذين بدأ المتابعون للأعمال التشكيلية في سورية التعرّف إلى أعمالهم منذ بداية أو منتصف الثمانينيات، يُضاف إلى ذلك بالطبع كوكبة الفنانين المخضرمين والذين كان لهم تأثير فني وتربوي كبير في سورية، سواء من خلال أعمالهم الفنية مباشرةً، أو من خلال عملهم في كلية الفنون الجميلة، من أمثال أستاذي نذير نبعة، وإلياس زيات، هذا بالطبع إضافة إلى أعمال متألقة لفنانين أمثال: نذير إسماعيل، وعبد الله مراد، وإدوار شهدا وغسان  نعنع.. إلخ.

إلا أن ما يشكل مرارة حقيقية بالنسبة لي، هو أن كل تلك الأعمال والتجارب الهامة لا يرافقها جهد نقدي، لا على نفس المستوى ولا على مستوى أقل، وأظن أن ضعف المساحة النقدية في حياتنا، سواء كانت في الفن التشكيلي أو في الأدب والثقافة عموماً، بل وحتى في العمل السياسي، يشكل إحدى سمات التدهور بحياتنا الثقافية عموماً وبحياتنا التشكيلية على وجه أكثر تحديداً. لا يوجد اليوم على ما أظن ناقد في سورية من مستوى موهبة فاتح المدرّس كمصوّر، ولا ناقد من مستوى موهبة محمود حمّاد.. أو إلياس زيات أو نذير نبعة، إن هذا النقص يشكّل فجوة مخيفة لا بدّ من ردمها، ولا يظهر أمامي كيف يمكن ذلك في ظل غياب روح السجال النقدي، وفي غياب إفساح المجال أمام النقد بكافة أنواعه، وفي حركةٍ وثقافةٍ وبلد تسود فيها آراء ذات ثياب موحّدة تبسيطية لا تجيب قطعاً على أسئلة الواقع، ثم لا تجيب قطعاً على أسئلة اللوحة.. ولا أرى في غياب مساحة من حرية الفكر وحرية النقد، وحرية النشر أي شيءٍ يمكن أن يُفعل لتجاوز هذه الفجوة.

* لماذا غابت بصمتك عن الفعاليّات الفنيّة في المنفى؟

 

** لدّي إحساس بأني موجود في محطة لقطار سيأخذني إلى المكان الذي يفترض أن أكون فيه. في محطات القطار نتبادل الكلام خلال الانتظار الطويل مع جيران الانتظار، لكننا قطعاً لا نقيم معهم العلاقة التي نقيمها مع جيراننا في البيت، وفي البلد وفي الشارع.. الأصلي.

ما أنتجه اليوم من عمل، أحسُّ أنني أغرفه من هناك،  لذلك لدّي محرضات كبيرة لكي أعرضه هناك،  وعندما أقول هناك أقصد: مساحة تمتد من دمشق إلى بيروت إلى القاهرة إلى تونس إلى البحرين إلى عُمان.. إلخ.

لست ضد أن أعرض هنا، لكن ذلك لم يشكل لي في أي يومٍ شاغلاً.. أو إغراءً.. العرض هو حوار بين عمل الرسام وعين الزائر. بين وجدان يتمظهر على مساحة اللوحة، وبين وجدانٍ يتخفى في ثياب المشاهد.

وفي هذا الحوار، يلذّ لي أن أقول جملتي لأذن متوثبة لسماع هذه الجملة..

وبذلك فإن باريس بسبب إقامتي الطويلة فيها أصبحت لا تملك أي إغواءٍ أو إغراءٍ خاص. أصبحت بالنسبة لي كالبنطلون العتيق، وهي المدينة التي طالما حرّضتْ وأثارت خيال ورغبة الرسامين من مختلف البلدان للمجيء إليها والعرض فيها. أحياناً أساعد بعض الرسامين  الأصدقاء لإقامة معرض هنا، وفي غمرة ذلك يخطر لي أن أسأل نفسي: ما الذي يبحث عنه رسام  قادم من الأرجنتين أو سورية أو من الإمارات العربية عندما يحمل كل متاعه الفني ويضعه  على جدران إحدى الصالات. لم يصدف أن رأيت حصيلة ذات معنى لأي معرض أُقيم لفنان عابر، لذلك دائماً ما تثير دهشتي هذه الرغبة المتجددة لدى الآخرين في أن يأتوا (ويجربوا حظهم) أي حظ يريدون تجريبه طالما الآخر الذي يريدون أن يخاطبوه في الحقيقة موجود هناك في كل مكان، في أصغر قرية في مصر أو السنغال أو سورية أو الأرجنتين. ما تبقّى أظن أنه يدخل بالنسبة لي- في باب الأوهام التي لا تستحق كبير عناء.

أتمنى أن لا يُفهم من كلامي هذا موقفاً سلبياً ضد العرض في كل عواصم الدنيا، بل أن يُفهم من كونه محاولةً لتلمّس معنى العرض في أوروبا أو أي مكان، وعدم الابتعاد عن هذا المعنى الجوهري في العلاقة بين نتاج الفنان والآخر المتلقي.

* ما هو موقفك من انصهار الفنون والثقافات افميّة في بلد المنفى؟

 

** الفن في أوروبا والغرب عموماً أحسّ أنه يدخل في منطقة جديدة، يريد أن يتجاوز ما راكمه على مدى خمسة قرون من العمل على المسطح ذو البعدين، أي كتجاوز اللوحة المسندية. وبالتالي ومنذ ربع قرن هناك شريحة تتزايد باستمرار من الفنانين الأوربيين الذين يعملون في اتجاهات جديدة كالفن المفاهيمي، أو فن الانشاءات في الفراغ.. أو الفن البيئوي. هذه فنون تعتبر نفسها في طلاق مع المفاهيم الكلاسيكية للوحة الغربية، وهي تريد أن تقْدم على إنجازات تتجاوز ذلك، حتى في شكل اللوحة وفي طريقة الإثارة التي يمكن أن تصنعها في عين أو وجدان المشاهد. هذه المدارس والاتجاهات أحسُّ أنها ولادة شرعية لتطور الفن الأوروبي خلال القرون الماضية، وبالتالي تحس أن شرعيتها قادمة من استنفاد الفنان الأوروبي لأغراض اللوحة القديمة كما سادت على مدى خمسة قرون كما ذكرت.

المؤسف من ناحية أخرى، أن هناك الكثير من الفنانين العرب يأخذون هذه المفاهيم والتيارات ويقلدونها بشكلٍ لا يتسق لا مع تطورات مجتمعنا، ولا مع تطورات فلسفة الفن في هذه المجتمعات، ولا مع  تطورات ذائقة النخب الفنية للمجتمع عموماً، ولا يتناسب مع أصالة كل فنان على حده، هم يريدون أن يقولوا: إنهم خواجات لأنهم يرسمون، أو لأنهم يقدمون على إنجاز أعمال كالخواجات.

لو كانت الفنون الحديثة الموجودة اليوم للفنان المصري أو الفلسطيني أو اللبناني أو غيره.. مستمدة بالحقيقة من صيرورة العمل الفني في كل بلد، لرأينا أعمالاً مختلفة عما نراه اليوم، ولكانت أكثر أصالة دون شك، ولتمتعت بالتالي بشرعية أكبر، إنما ما نشاهده اليوم هو تقليد الفنانين العرب للمدرسة الانطباعية في بداية القرن، بمعنى أنهم يسيرون على خطى ولا يبتكرون.

الفنانون الأوربيون تعرفوا في نهايات القرن التاسع عشر على فنون آسيا على (لوحات الطباعة اليابانية) فأخذوا منها مفاهيمها في التكوين وفي المنظور، واستوعبوها، وأعادوا انتاج لوحة أوروبية جديدة أكثر غنىً مما كانت عليه قبل التعرّف على النتاج الياباني. هذا عمل جميل وأصيل، إنما ما يُصنع اليوم في البلدان العربية، هو أخذ اللوحة الأوروبية أو أخذ العمل الفني الأوروبي وإنتاج عمل فني أوروبي. هذا شيء خارج السياق الفلسفي لمنطقتنا، وخارج التطور التذوقي للمنطقة،  وخارج أصالة كل فنان.. لذلك أنا أعتبره عملاً لا يحمل إضافة فنية حتمية جديدة.

ومثلما كانت الاتجاهات الحروفية العربية في الستينيات والسبعينيات وجزء من ثمانينيات القرن الماضي، فيها إجابات في العديد من وجوهها، إجابات سهلة وتبسيطية على سؤال التراث الشرعي والمقلق، فإن أعمال الإنشاءات تبدو لي أيضاً إجابة سهلة ومبسطة على سؤال الحداثة.

في الفترة الأولى كانت لقاءً حقيقياً وعميقاً لمفاهيم وفلسفة وذائقة فنوننا الوطنية، وليست الأخرى لقاءً حقيقياً وعميقاً مع فلسفات وفنون العصر.

* ما الذي أضافه المنفى لتجربتك الخاصّة رغم تعدد المدارس الفنيّة التشكيليّة سواء في سوريا أو خارجها؟

 

** أحب أن أكون مفهوماً إذا قلت: إنّ لديّ حذراً خاصاً من استعمال المفاهيم الجاهزة. نسمع كثيراً عن علم الاجتماع العربي، أو الفن التشكيلي السوري أو.. أو إلخ.. هذا يعني أن هناك تياراً فكرياً أو فنياً متبلوراً له سمات، ومهمتنا أن نبحث في هذه السمات. أن لديّ شكوك حول السؤال بالأساس.

أعتقد أن من الصعب أن نتحدث عن فن تشكيلي سوري، يمكن أن نتحدث عن فن تشكيلي في سورية. بمعنى أن هناك فنانين موهوبين موهبة كبيرة، قدموا إنجازات هامة، لديهم طاقة إبداعية خاصة وعالية. ولكن هل يشكلون فيما بينهم سياقاً، يمكن أن يقال عنه أنه سياق خاص،  أو تيار؟ هذا لديّ شك حقيقي فيه، ليس فقط في سورية بل في بلدان أخرى. لدي شك أيضاً في مفاهيم أوروبية أصبحت بحكم المسلمات أو بحكم البديهيات.

 

 

 

 

أعطنا مثل على ذلك

 

** مثلاً، استعمال كلمة »مدرسة باريس« على جملة الفنانين الذين عملوا في منتصف القرن العشرين في باريس (يقال عنهم مدرسة باريس)، أنا لا أرى أية مفاهيم فنية أو فلسفة جامعة بين تعبيرية جورج براك وطفولية جون ميرو، وتعبيرية جاكو ميتي، واستعراضية سلفادور دالي وكلهم يُقال عنهم أنهم ينتمون إلى مدرسة باريس.. هذه المدرسة التي أُلّفتْ عنها عشرات آلاف الكتب منذ سبعين أو ثمانين عاماً. أنا أشك في هذه المدرسة كما أشك في المفاهيم التي تستعمل كثيراً في الصحافة والإعلام العربي. إذا تجاوزنا هذه النقطة، يمكن للمرء أن يتحدث عن روح تعبيرية عامة في الفن التشكيلي السوري، من أمثال أعمال فاتح المدرس أو محمود حمّاد أو لؤي كيالي، كما يمكن للمرء أن يتحدث عن اهتمام خاص بالملمح المحملي من ثياب أو مناظر أو عمارة قديمة إلخ.. يمكن أن نجده في أعمال إلياس زيات نذير نبعة وفاتح المدرّس إلخ.. هذين الملمحين: التعبيري، والاهتمام بالتمظهرات المحلية البصرية، يمكن أن نستفيض في الحديث عنهما، لكن هل يشكلان معاً وحتى مع عناصر أخرى ما يمكن أن يُقال عنه: فن تشكيلي له هوية سورية. هذا لديّ شكوك كبيرة حول وجوده.

أما الشق الآخر من السؤال حول المنفى، فأنا أظن أن المنفى يشكّل للفنان إضافة استثنائية.. إضافة لا يمكن تلمّسها إلا عندما يسقط الفنان أو الكاتب أو المثقف عموماً في مرارة تجربة الفن. أنا أعتقد أن أكثر الفنانين الذين أعادوا اكتشاف بلدانهم، فعلوا ذلك من المنفى وليس من بلدانهم الأصلية. فاتح المدرس أعاد اكتشاف الألوان المحلية والضوء المحلي من خلال سنواته في روما في الخمسينيات، غير أن هذا ليس اتجاهاً وحيداً لتجربة المنفى، فهناك فنانون آخرون كان لديهم مسارٌ آخر، مسار الاندماج في ثقافة وفنون المجتمع الذي سافروا إليه، أو نُفوا فيه، وبالتالي تساكنوا مع هذه الثقافة الجديدة عليهم، وانخرطوا في حمأتها، وبشكلٍ أو بآخر قطعوا حبال سرتهم مع البلد الأصلي، كما يمكن أن نرى في تجربة مروان قصاب باشي، فأنا أعتبر أن تجربة هذا الفنان الكبير والموهوب موهبة استثنائية هو ابن التعبيرية الألمانية،  ولا ينتمي كبير انتماء إلى الثقافة العربية، أو إلى الألوان المتوسطية أو إلى مفاهيم الخط واللون العربية الإسلامية، وعندما أقول ذلك فلا أقوله  من منطق السلب أو الإيجاب،  وإنما من منطق التوصيف.

إذن المنفى يمكن أن يشكل رافعة تحريضية باتجاه اكتشاف الهوية، ويمكن أن يلعب دوراً آخر هو محو تلك الهوية.

أمر آخر يحدثه المنفى، وهو أنه يضعك في قلب التجارب الكبرى في العالم،  وبالتالي لا تعود حجم المنافسة التي تستشعرها ضيقاً محلياً، وإنما تصبح المنافسة أعرض وأوسع بكثير. كل ذلك يضعك في قلب السؤال، هو أن تكون فناناً على مستوى هذه التجارب الموجودة في العالم أو لا تكون أبداً. بمعنى، أن المنفى يطرد عنك أي إحساس بالتواكل أو الخمول كما لو كنت في بلدك الأصلي، حيث المنافسة أقل، وحجم التجارب أقل غنىً وأقل تحريضاً على الإتيان بأقصى ما يمكن أن يأتي به كل رسام. هذا أيضاً ملمح إيجابي للمنفى. أقول ملمح إيجابي للمنفى لأنه درجت العادة على شتم المنفى في الأدبيات العربية، وهو أي المنفى، وإن كان يشكّل في أول جوانبه قسراً وعسفاً وقمعاً بحق المثقف وبحق المواطن، غير أن هذا القسر والعسف والقمع ليس الجانب الوحيد لهذا المكان الآخر.. المكان الذي تُسحق فيه روحك، ويتشظى عقلك وقلبك. فعلينا أن نعطي أيضاً بشيء من العدالة لهذا الجحيم شيئاً من حقوقه، وأن نعترف بشيء، وأن لا نسبل عيوننا عن رؤية فنونه.

مشاركة: